الموقف في سوريا بالتأكيد لا يخص السوريين وحدهم، ومن حقنا نحن العرب والبشر أن يوجعنا جرحهم ويؤلمنا فقدهم، ومن خلال المشاهد التي تأتينا منذ قيام ثورتهم على هذا النظام القاتل والفاشي، والتي لا ينكرها غير مغرض سولت له نفسه قتل أخيه، لطائفية أو جبن أو تطبيل لقاء منفعة، يرى زوالها بزوال النظام.

لا أخفي عليكم أن العالم بات يعرف أن هناك فرقًا بين المعارضة، وما يسمى بداعش، وحتى النظام يعلم جيدًا أن بقاء داعش يطيل بقاءه في الحكم؛ لذا لم يطلق منذ زعمه قتال الإرهاب أية قذائف على داعش، وترك ذلك للروس الحليف غير الأخلاقي، وعدونا المتخفي في زي صديق العرب يرمي داعش بغارة هنا وهناك لا توجع، ولا تردع.

المعارضة السورية ملك السوريين أجمعين، هدفها إزاحة هذا الموتور ونظامه، ومنع حلفائه القتلة من قتل الشعب السوري، ولكن الطائفيين فقط يخلطون الأوراق بين داعش والمعارضة مثلما يلقنهم النظام. ربما تصيب الأكاذيب العوام فيصدقونها، ولكن المثقف لا ينبغي له.

منذ تصريحات أدونيس وموافقته النظام السوري، وإظهار تضامنه مع القتل سقط مشروعه من الألف إلى الياء، فقد أقام مشروعه على تخلف العرب، ووقوف السلطات العربية ضد تطلعات الشعوب، ورسخ ذلك في كتابته الإبداعية، وباع هذه المقولات للغرب، وربح منها، وها هو يقف ضد نفسه ويساند الطغاة. وتبع أدونيس كثير من المثقفين، وبانت هشاشة أفكارهم، وسقوط فرضياتهم بأن المثقف العربي قادر على إحداث فارق في المعادلة الحضارية، التي تقوم على التنوير ومجابهة الأنظمة القمعية، وقيادة الجماهير، وذلك بوقوفهم مع الدكتاتورية.

خيرًا فعل الشباب عندما رموا كل مقولات الشيوخ (شيوخ الدين وشيوخ الثقافة وشيوخ الأحزاب) وكتبهم، وكفروا بجميع ترهاتهم وشعاراتهم وفنونهم الزائفة، وتقدموا دون أن ينظروا لهذا الركام الثقافي الزائف الذي شغلنا زمنًا قراءة ودراسة، وسقط سقوط العاهرات في يد رجال المخفر متلبسين بعريهم.

ما زلنا نكافح الأنظمة الفاشية والقمعية في جميع أقطارنا العربية، ونقاتل في معركة لا تقل ضراوة المثقفين المخنثين الذين يساندون هذه الأنظمة، ويجهضون ثوراتنا ويرتعدون من الحرية وسقوط أنظمتهم المدججة بالسلاح الذي دفعنا ثمنه من جيوبنا وطعامنا، فيصفون ثوراتنا بالمؤامرة ويتهموننا بالخيانة، وهم الذين ساهموا في خراب بلادنا وتأخرها منذ زمن.

والغريب الذي يضحك حد البكاء أنهم ما زالوا يكذبون في كتاباتهم، ويمدحون ثورية آرائهم وطليعية مشروعاتهم رغم مساهمتهم في بقاء الاستبداد وعودة الأنظمة الرجعية من خلال تأييدهم للانقلابات العسكرية والردة الثقافية. فأي مشروع تقدمي وأية كتابات طليعية تنحاز للقمع والاستبداد؟

المثقف العربي نسخة واحدة في الانتهازية والوضاعة والخيانة للأفكار والقيم، إلا المخلصون لمبادئهم وأفكارهم وكتاباتهم وهم قليلون، في خضم كثيرين ارتدوا على أنفسهم، مثل يوسف زيدان أو علاء الأسواني، أو يمتهنون دور الموظف الروتيني (الأرشيفجي للنظام) مثل هيكل أو مكرم محمد أحمد، أو يبحثون عن أدوار لهم في كل العصور مثل إبراهيم عيسى ورفقائه. وتطول القائمة، هكذا هم في كل قطر وكل محفل، وكلهم متخندق في مصالحه، أو طائفته، أو منصبه، أو شلله التي توفر له الحد الأدنى من الحماية، وتمنع عنه ما يمكن أن يصيبه من غضب السلطة الغاشمة، إذا أسيء فهم بعض عباراته أو مواقفه.

وأدونيس ليس آخر هؤلاء، ففي كل بلاد العرب ألوف مثله. ودريد لحام ليس فريدًا في سوريا فقد طالعنا في مصر وتونس وكل بلادنا العربية أمثال هؤلاء الزائفين، الذين لا يجب أن تمنحهم الشعوب بعد الآن أي اهتمام، فيكفي ما صدروه من تغييب وتضليل، وها هم يسارعون إلى ضلالهم القديم، ويرتمون في حضن الأنظمة التي أخرجتهم من جعبتها كحواة يبدلون ديننا –الثورة والصمود–، ويستحيون قيمنا -المحبة–، ويلوثون تراثنا –الفنون–، وما يردعهم غير التجاهل أو المحاكمة الشعبية بعد سقوط وزوال الأنظمة التي صنعتهم على أعينها. وإنهم -بمشيئة الله- لساقطون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

: سياسة, ثقافة, رأي
عرض التعليقات
تحميل المزيد