كريم أبو الروس
كريم أبو الروسكاتب

تقديم

هذه القراءة ليس هدفها النقد لمجرد النقد، بل تنطلق من احترام التجربة وتقدير المكانة والسعي نحو توصيف حقيقي وموضوعي للحالة التي يعيشها اليسار العربي من ناحيتين: الأولى الأيدلوجية والثانية الوجود السياسي، وتنطلق من الشعور الدائم بالتغيير الإيجابي والذي من شأنه أن يجعل اليسار يلعب دوره التاريخي المنوط به باعتبارها قوى تسعى للدفاع عن حقوق الطبقات الكادحة ونيل الشعوب لحقوقها الإنسانية الخالصة.

«إن تاريخ أي مجتمع حتى الآن ليس سوى تاريخ صراعات طبقية. حرٌّ وعبد، نبيلٌ وعامي، بارونٌ وقن، معلمٌ وصانع، وبكلمة ظالمين ومظلومين في تعارض دائم، خاضوا حربًا متواصلة، تارةً معلنة وطورًا مستترة، حربًا كانت تنتهي في كل مرة إما بتحول ثوري للمجتمع كله، أو إما بهلاك كلتي الطبقتين المتصارعتين» كارل ماركس.

الضرورة التاريخية

ظهر مصطلح الحزب اليساري لأوّل مرة في نهاية القرن الثامن عشر أثناء اندلاع الثورة الفرنسية، وفي نفس الوقت ظهر مصطلح الحزب اليميني، إنّ سبب الثورة الفرنسية كان سخط الشعب على الطبقة الحاكمة والنظام الملكي بشكل عام آنذاك، وبعد نشوب الثورة، تمت مناقشة الأمر في مجلس النواب وكان الملك جالسًا في المنتصف، ومن على يمينه هم حاشيته ومؤيدوه وهم من رفض الثورة فسموا حزب اليمين، ومن على يساره كانوا النواب الذين يمثلون طبقة الشعب الفقيرة واللذين أيدوا الثورة وسموا بالحزب اليساري.

بعد قيام ثورة أكتوبر الاشتراكية في روسيا وقيام المعسكر الاشتراكي من الاتحاد السوفييتي ودول أوربا الشرقية بعد الحرب العالمية الثانية، أصبحت الاتجاهات الاشتراكية المختلفة تكون يسارًا جديدًا ثالثًا بمضمون جديد مختلف عن المضامين المعروفة، ويدخل بين هذه الاتجاهات، الشيوعيون الذين يؤمنون بمبادئ الماركسية اللينينية باعتبارها عقيدة سياسية لهم، حيث يعتبر هذا اليسار الجديد المرحلة الثالثة لتطور مفهوم اليمين واليسار باعتبارها مفهومًا سياسيًا. وما دام تعبير اليمين واليسار تعبيرًا مطاطًا لأنه يتغير بتغيير المرحلة التاريخية، فإن أهداف اليمين واليسار تتغير تبعًا لذلك حتمًا، أي بمعنى آخر تتغير تبعًا لكل مرحلة تاريخية، فهكذا اتخذ تعبير اليمين واليسار طابعًا أيديولوجيًا وأصبحا مفهومين مرادفين لمفهومي التقدم والتخلف.

ولدت الأحزاب اليسارية العربية من رحم حركات التحرر والانعتاق من الاستعمار والتبعية فيما بعد، في البداية كانت الشعارات التي رفعتها الأحزاب اليسارية العربية جميلة وطنانة وتولد في الإنسان العربي طاقة ودافعية للانخراط في العمل الحزبي والولاء لمبادئه الثورية إلى أن وصلت بعض هذه الأحزاب إلى السلطة.

الأيديولوجية النائمة

حركة التاريخ أتثبت أن المجتمعات مستمرة ببناء أنساق معرفية عبر فهم خاص لاستثمار هذا التصور في انتشال الفلسفات والنظريات العلمية وتثبت أيضًا أن بعض المجتمعات صارعت نفسها وهي تحاول فهم فكرها ووضع ذاتها في فكر تقليدي، ومثال ذلك ما دمغه اليسار حول مفهوم «الماركسية» والذي أفرغه من محتواه الإنساني وتعبئته بمحتوى معاد للتراث والدين وهذا ما عكس أزمة فكرية وحضارية بينه وبين القوى الأخرى في المجتمع.

الأزمة الحقيقية أن الكثير من الأحزاب الشيوعية والماركسية في البلدان العربية ما زالت تدافع عن التجربة السوفيتية و«المنظومة الاشتراكية» بالرغم من إيمانهم بأنها تجربة مسيئة للماركسية والاشتراكية، وولادتها لم تكن ولادة طبيعية حسب تسلسل مراحل التطور التي جاءت بها الفلسفة الماركسية، فالاجتهاد الذي جاء به لينين أثناء قيادته ثورة أكتوبر عام 1917 في روسيا من الممكن القيام بثورة، وبناء الاشتراكية في بلد واحد هي فكرة ليست من صلب الماركسية وليس تطويرًا لها، وإنما أراد من خلالها أن يخلص روسيا من براثن التخلف والجهل والفقر، وتطبيق نموذج الاشتراكية الموعودة التي كانت في مخيلة ماركس، ولم يدر في خلد لينين أنه سيصطدم بالواقع الروسي، والتطور الرأسمالي السريع والمذهل في أوروبا. ولم يتوقع إنه حين اختصر مراحل التطور نحو الاشتراكية والقفز عليها سيؤدي إلى فشلها.

هذا أن الأحزاب اليسارية العربية لم تعمل على تبيئة للمفاهيم التي تؤمن بها في الواقع العربي، وكأنها ترسم نموذجًا يوتيوبيًا للمجتمع وتريد من الناس أن يرتدوا ثوبه دون أن يتم مراجعة هذه الأيدلوجية وفقًا للتطور الإنساني وللدولة الحديثة وللمتغيرات الإقليمية والدولية ولحالة المجتمعات العربية خاصة أنها لا تزال في طور اكتشافها الأول لشكل المجتمع وحالته التي تريد أن تبقي عليه.

والناظر إلى التراث الإنساني وعجلة الحداثة السريعة يرى أن كل جيل من المفكرين يحاول أن يجدد ويطور فلسفات وأفكار الأجيال التي سبقته، وهنا نرى أن ما توصل إليه ماركس بمساعدة أنجلز هو استقراء واستنتاج وتطوير لأفكار وفلسفات جاء بها الأولون، ولا أعتقد أن ماركس قد رضي بأن تتحول مجمل أفكاره وبحوثه العلمية إلى نصوص مقدسة يحرّم التقرب منها أو المساس بها، وأعني هنا تجديدها وتطويرها تماشيًا من التطور الهائل الذي يمر به المجتمع البشري وهذا الذي لم يفلح به اليسار العربي وإن كنا نريد أن نرى تجارب أخرى في أوروبا مثلًا، فبإمكاننا القول إن الأحزاب اليسارية حاولت أن توائم بين النظرية والواقع وابتكرت ما يسمى الديمقراطية الاشتراكية social democracy.

الخطاب الديني وإشكالية الوجود

وفي هذا الجانب إن كان لا بد من مناقشة الحالة التي يعيشها اليسار لا بد من مناقشته كموجود وليس من نظرة أيدلوجية مختلفة، فالتراجع العميق الذي يعيشه اليسار كان للخطاب الديني أثر قوي عليه، ويرجع ذلك إلى أن الجمهور لم يعد يثق بأن الأحزاب اليسارية التي تحمل راية الدفاع عن حقوق الكادحين والطبقات العاملة في مجتمعات لم يعد للصراع الطبقي وجود فيها وهذا يرجع إلى عدم وجود مراجعات فكرية وسياسية تتلاءم مع الواقع.

فكان للخطاب الديني نتائجه القاسية على حضور الأحزاب اليسارية أو لربما لأكون أكثر وضوحًا على مصير الماركسية باعتبارها فكرة، وفي الحقيقة إن من جعل للماركسية مسرحًا فارغًا من الجمهور هو اليسار نفسه، فدائمًا ما كان يصطدم مع الثوابت الاجتماعية والدينية والثقافية الراسخة والتي لم يستطع اليسار تفكيك ومراجعة سياقها التاريخي والتراثي،حيث عجز عن نزع العباءات التقليدية عن المجتمع وعجز مرة أخرى في إلباسه أثوابًا جديدة يراها تقدمية وطليعية وتقدم مشاعرًا وأفكارًا إنسانية.

المواقف السياسية بين الثورية والسلطوية

منذ نشوء الأحزاب اليسارية وتغير طابعها بين السلطة والثورة، صار اليسار يحتل مركزًا معينًا في حركة المجتمعات وفلسفتها وثقافتها، وسجل مشاركات عديدة بارزة في تشكيل الأنظمة السياسية وفي صياغة شكل معين للمجتمع وللعلاقات الإنسانية داخلها، مثال ذلك حركات اليسار الفلسطيني كالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين وغيرها، والأحزاب اليسارية المصرية والتونسية والسورية واللبنانية وغيرها، وما حصل مع الأحزاب اليسارية الفلسطينية في اصطدامها مع النظرية وبين جدلية الواقع عند توقيع منظمة التحرير الفلسطينية لاتفاقية أوسلو مع الاحتلال الإسرائيلي، ومع التغيرات الإقليمية والدولية ومع بروز ثورات الربيع العربي لم يستطع اليسار العربي أن يحدد مكانه في هذه الثورات.

ففي كثير من الأوقات، كان اليسار يعتبر أن ما يحصل في مصر ثورة بينما لم يعتبر أن ما حصل في سوريا ثورة، ومن هنا فقد الشارع العربي الثقة بالصوت اليساري وبعمقه الثوري وصار اليسار في أزمة أخلاقية ووطنية أمام المفاهيم التي يتبناها، فمن غير المعقول أن تنادي بحرية الشعوب وأنت تساند وتدعم من يقمعها، وهذا ما جعلها تنحصر في زاوية الجدل بين المكانة التي يجب أن يحتلها اليسار وبين المكانة التي يحتلها فعلًا.

هل ينجو اليسار العربي من غرقه

في هذا الصدد يمكن القول إن المراجعات الفكرية اليسارية العربية ليست بمستوى الحدث والحالة التي يعيشها اليسار العربي اليوم، ولكن مع ذلك ورغم حالة القصور والآراء المتناقضة التي يتبناها اليسار إلا أننا يجب أن نقدم نقدًا تقدميًا دائمًا من شأنه أن يصعد باليسار ليمارس دوره التاريخي والنضالي والتحرري دون شوائب ودون أية غائية، ويتوجب القول في هذا الوقت تحديدًا أنه آن الآوان لكي تغادر القوى اليسارية والمفكرين الماركسيين سياسة الدفاع والانتقال للهجوم الثقافي فالمواجهة الفكرية الثقافية من أصعب وأعقد المواجهات حيث تعتبر صراعًا على الوعي، وهو في جوهره صراع طبقي، فلا يوجد فكر فوق الطبقات، كما لا توجد دولة فوق الطبقات، إذن هو صراع بين فكر يؤمن بالحرية وبالقوى المنتجة وفكر يحاول تكريس الجهل وتشويه الوعي وتصوير الظلم والاستغلال الذي تمارسه طبقة ضد أغلبية المجتمع على أنه حالة طبيعية.

أما الإجابة عن سؤال كيف ينجو اليسار من غرقه فإنه مرتبط بالتطور الاجتماعي لعالمنا الثالث، والأمل معقود على أن ينمو ويتطور ويتوصَّل في خضم صراعاته الطبقية وتطوره الفكري إلى تصورات أكثر إدراكًا لإطار النضال الطبقي، بحيث لا يسير وراء أوهام الثورات الپروليتارية الوشيكة، وعندما يتحرر الفكر اليساري الشيوعي من أوهام الاشتراكية الوشيكة يغدو من المحتمل أيضًا أن تتحرر الممارسة الثورية من قيودها الفكرية الثقيلة.

يقول غرامشي: «لا توجد أي طبقة مستقلة من المثقفين، فلكل جماعة (طبقة) اجتماعية فئتها المثقفة».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست