اضطررت على مضض إلى إلغاء بعض تعليقاتِ متابعي صفحتي على «فيسبوك» على مقالي «شعبية الصدق» لمغالاتها في تحريم الترحم على شيرين أبو عاقلة المسيحية مراسلة قناة الجزيرة في فلسطين، بل اضطررت إلى حظر البعض، لشطط آرائهم التي تنم عن قلة فهم لسماحة الدين الإسلامي المنصف؛ إذ تألوَّا على الله، والعياذ بالله، وحكموا عليها بدخول النار، وقد فعلت ما فعلت لأنني لا أستسيغ أن ينشِب جدال محمومٌ قوامه العصبية البعيدة عن العلوم الشرعية والقريبة من أهوال قصص الوعاظ الذين سولت لهم أنفسهُم مساعدة الله، عز وجل، في الحُكم على من سيدخل النار ومن سينعم بالجنة، ومن ثم لن ينال القراء سوى إضاعة الوقت وإغاظة النفس من هيمنة حمية أشبه ما تكون بحمية الجاهلية على الحوار، لا سيما أنني لست أهلًا للرد على مثل هذه المسائل لأنني لست فقيهة في الدين. فضلًا عن أن هذا الجدال قد يصرف القراء عن مرمى المقال الذي يتلخص في إبراز صفة الصدق وما لها من إجلالٍ لمن تحلى بها؛ إذ إن الصدق أجل الصفات، فقد صدقت شيرين في رسالتها نحو وطنها حتى وقف غالبيته ليودعوها.

ولكني في الحقيقة لم أعرفْ أن شيرين أبو عاقلة كانت مسيحية إلا بعد اغتيالها، بل على العكس كنت أظنها مسلمة لسببين أحدهما شكلي، وليعذرْني قارئي العزيز فيه، إذ كنت من المتابعين الجيدين لتقارير شيرين عن القضية الفلسطينية، وهو أنني شاهدت لها تقريرًا عن المسجد الأقصى وهي تقف في ساحته معتمرةً حجابًا قد أحكمت لفه ولم تكتف بغطاء الرأس كغير المسلمات الزائرات لهذه البقعة المباركة، والآخر من كلامها العفوي مع ضيوفها أثناء تقاريرها عن المسجد الأقصى إذ كانت تقول «عليه الصلاة والسلام» ما إن سمعت الضيف يذكر النبي محمدًا، صلى الله عليه وسلم، ومن المعلوم أن إيمان المسلم ينقص إذا لم يؤمنْ بالأنبياء والرسل كلهم في حين أنه لا حرجَ على المسيحي أو اليهودي وفق عقيدتهما في نكران رسالة محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وسلم بل يصل الأمر إلى بطلان إيمانه بالمسيحية أو اليهودية إذا اعترف برسالته عليه الصلاة والسلام، فكيف لها أن تصلي على النبي وهي مسيحية في الوقت الذي لن تلومها القناة التي تعمل لديها لو أغفلت ذلك، خاصة إذا كانت الصلاة عليه عفوية في ثنايا حديثها مع ضيف وليس في صُلب التقرير التي أعدته رسميًّا؟!

أعترف أنني بكيت صدق شيرين وإخلاصها لرسالتها النبيلة التي تهم كل عربي لديه نخوة، حتى نطق قلبي بطلب الرحمة لها، فقد وسعت رحمة الله كل شيء، وفوجئت بعد موتها أنها كانت تتبرع للأيتام والفقراء وتقدم وجبات للصائمين المعتكفين المرابطين في المسجد الأقصى سرًّا، الأمر الذي كشفه المطلعون عليه في حياتها بعد مماتها، وقد كانت ترجوهم ألا يكشفوا ذلك لأحدٍ قائلة لهم: «هذا من فضل الله». فانتهيت إلى أن سر شيرين مع خالقها الذي جمَّع غالبية العالم على الترحم عليها، لا سيما أنني أؤمن أشد الإيمان بخصوصية العلاقة بين العبد وربه، ولا أود على الإطلاق إقناع أحد بما أؤمن به لذا لا أخوض في جدال عن الدين، فالأعمال بالخواتيم ولا يعلم السرائرَ غيرُ الخالق عز وجل.

لكن ما دفعني لكتابة هذا المقال هو التوبيخ الذي واجهته من بعض القراء لأنني لم أكتبْ عن الصحافية غفران وراسنة المسلمة التي اغتالها جنود الاحتلال مثلما كتبت عن شيرين أبو عاقلة المسيحية فكيف بدر مني ذلك؟! إنه لم يسبق لي معرفة غفرانَ في الواقع؛ فما قرأت لها مقالًا وما سمعت لها تقريرًا لكنني كنت أتابع شيرين وأستفيد من تقاريرها لسنوات، وأسفي على اغتيال غفران هو أسفي على حال الشعب الفلسطيني كله، فغفران تختلف عن شيرين من الناحية المهنية والقيمة الصحفية، فقد كانت شيرين مراسلة لقناة فضائية تكاد تكون اخترقت كل منزل عربي، لذا تكونت لها قاعدة جماهيرية كبيرة فحظيت بما حظيت به يوم تشييعها، أفمن العدل أن تتساوى شيرين الخبيرة مع غفران حديثة التخرج؟ أم أن كون غفران مسلمة – مع قلة خبرتها – يمنحها امتيازًا لتضاهي شيرين في المهنية؟ فهل قدمت غفران للقضية الفلسطينية مثلما قدمت شيرين؟ أفمن من المروءة وعدالة الإسلام أن نخلط بين الدين والمهنية؟!
وها قد رحلت كل من شيرين وغفران وقد أفضتا لما قدمتا، وها نحن ما زلنا تحت الاختبار في الدنيا، فما الذي يشغلنا وما هدفنا الذي به سننجح في الاختبار؟

لقد حملني التوبيخ على تأمل مجتمعنا العربي طويلًا حتى أسفتُ على حالة الضياع التي يعيشها، فماذا يقول العاقل عندما يرى مجتمعًا يشغله الموتى وحسابهم ورثاؤهم وربما يثور من أجلهم لكنه في الوقت نفسه لا يتحرك عندما يرى الأحياء مقهورين ومظلومين ومحتلين؟ وماذا يقول العاقل عندما يرى المجتمع العربي لا يلتفت لهوان الأمة العربية بما تعانيه من فقرٍ ومرضٍ وجوعٍ وقمعٍ وجهلٍ واحتلالٍ وانتهاب وقلة حيلة، لكنه ينشغل بسفاسف الأمور حتى أصبحت التفاهة له شعارًا بل افتخارًا عند البعض؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد