الثورات العربية هل هي تدمير للبلاد؟

يروج أنصار الثورات المضادة وأنصار الحكم الاستبدادي وإعلام الحكومات العربية الرسمي، أن السبب في الدمار السياسي والاقتصادي في بلدان ما يعرف بالربيع العربي، إنما يرجع في الأساس لتلك الثورات ونتيجة مباشرة لها. ولكن ذلك قول ينقصه الحياد وتعوزها المصداقية وما أطلقت مثل تلك الأقوال إلا لدعم الأنظمة القمعية والاستبداية. فالمجازر التي انتشرت في بعض البلاد العربية والدماء التي سالت وما زالت ليست بسبب تلك الثورات. ونحلل فيما يلي بعض الأسباب التي تدفعنا لليقين بأن الثورات العربية ليست هي السبب في ذلك الدمار، بل هي ربما تكون الفرصة الوحيدة للخروج من حمام الدماء الذي حل بالدول العربية.

1 – هناك دول حدث بها انهيارات سياسية واقتصادية واجتماعية رغم أنها لم تقم بها ثورات بل حدث ذلك أيضًا قبل الربيع العربي بسنوات مثل الحروب الأهلية في لبنان في سبعينيات القرن العشرين والحروب الأهلية في السودان منذ ثمانينيات القرن الماضي، سواء في الجنوب أو في الغرب، والتي أسفرت عن مقتل مئات الآلاف من السودانيين. وهناك الانقسام والانهيار الذي حدث في الصومال، وهناك العشرية السوداء في الجزائر والتي استمرت فيها الحرب الأهلية لمدة عشر سنوات بدأ من يناير 1992 والتي كانت نتيجة لرفض الجيش الجزائري ما أسفرت عنه الانتخابات الديمقراطية من فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ، فألغيت نتائج الانتخابات، وسيطر على السلطة وقمع المعارضة مما أسفر عن حرب أهلية استمرت عشر سنوات، قتل فيها ربع مليون جزائري، وكانت كثير من الجرائم يقوم بها الجيش ثم ينسبها للمعارضين أو الإرهابيين ليستمر الخوف وتبرير الجرائم التي يقوم بها الجيش، وفي نفس الوقت كانت هناك جرائم يقوم بها المعارضون بالفعل ردًا على جرائم الجيش أو ردًّا على ما يعتقدون أنه استيلاء للجيش على السلطة، بعد أن قبلوا وسلكوا طريق الديمقراطية والاحتكام للشعب. كما أن العراق الذي يشهد بصورة يومية مجازر بحق المسلمين السنة والذي سيطرت إيران الشيعية على الحكم فيه وساندت حكومة طائفية تقصي المكون السني وتمكن المكون الشيعي والكردي. كما سيطر الأكراد على إقليم كردستان في الشمال وسيطر تنظيم الدولة الإسلامية على الوسط. هذا الانهيار الحادث في العراق لم يكن نتيجة ثورة من ثورات الربيع العربي بل نتيجة للغزو الأمريكي بمباركة ودعم الأنظمة العربية القائمة.

2- كانت تونس رائدة ثورات الربيع العربي وشرارة انطلاقها ومع ذلك لا دماء سألت فيها ولا انهيار ًا عسكريًّا ولا اقتصاديًّا بها وما زالت أكثر استقرارًا من كثير من البلدان التي لم يقربها الربيع العربي.

3-يمكن القول أيضًا أن ثورات الربيع العربي كانت كلها سلمية تمامًا في بداياتها، وكانت عبارة عن مظاهرات سلمية تمامًا أقرب للمثالية لولا قمع الأنظمة لها واستخدامهم أقصى ما يملكون من القوة العسكرية للقضاء على تلك الثورات. وهذا يعني أن سبب الخراب والدمار الذي حل ببلدان الربيع العربي ليس الثورات وإنما الأنظمة القمعية والاستبداية واستخدامها للقوة القاتلة في مواجهة الشعوب.

4 – هناك أنظمة خليجية استثمرت المليارات للتحالف مع قوى الثورة المضادة وفلول الأنظمة التي ثارت عليها الشعوب وباركت سفك الدماء خاصة في مصر وبصورة أقل وضوحًا في تونس.

5 – وكانت الثورة السورية في بدايتها سلمية تمامًا كما حدث في تونس ومصر، وكان المتظاهرون ينشدون الأناشيد في مظاهراتهم، وكان قرار الجزار باستخدام كافة أسلحة جيشه بما فيها الطائرات الحربية والدبابات لمواجهة المتظاهرين العزل مما دفع كثير من قواته لرفض قتل المتظاهرين والانشقاق على بشار الأسد وكان تدخل دول الخليج في سوريا على خلاف سياستها في العداء للثورات العربية فدعمت قوى الثورة ضد بشار، ولكن في حدود أن تدعم هذه القوى بما يكفي لمناكفة بشار وبالقدر الذي لا يسمح للثوار بنصر حاسم.

٦ – وفي اليمن قامت ثورة سلمية أيضًا وتدخلت السعودية ودول الخليج لتفريغها من مضمونها عبر تخلي علي عبدالله صالح عن الحكم لنائبه عبدربه منصور هادي، ليذهب رأس النظام مقابل بقاء النظام، ولكن بعدها قام الحوثيون بانقلاب على منصور هادي وتحالفوا مع المخلوع علي عبد الله صالح الذي تبين أنه يمتلك جيشًا كاملًا يستخدمه اليوم لهدم اليمن، فإما أن يكون هو الرئيس ثم يورث الحكم لابنه وإما تُدمر البلاد ويقتل العباد.

7- وفي ليبيا كان تدخل الغرب عسكريًّا وتزويد الثوار بالسلاح للتخلص من القذافي ومع كثرة السلاح والانقسام في البلاد بين مناطقها الغربية والشرقية والجنوبية ومحاولة حفتر بدعم مصري إماراتي غربي الاستيلاء منفردًا على السلطة وإقصاء الإسلاميين تمامًا من المشهد الليبي كل ذلك كان سببًا في تحويل ليبيا إلى ما يشبه الحرب الأهلية أو شيء قريب من ذلك.

8 – أما في مصر كنانة العرب فكانت ثورتها سلمية تمامًا بصورة أقرب للمثالية، رغم محاولة جرجرة الثوار للعنف بداية من موقعة الجمل ولكن بتنحي مبارك نظف شباب الثورة ميدان التحرير ثم عادوا لبيوتهم. ولم يكن العنف الذي حدث في مصر غالبًا إلا من السلطة القائمة والدولة العميقة التي أسسها عسكر 23 يوليو ويكفي النظر لشهداء الثورة وأعداد من  قُتلوا منذ ثورة يناير لنتبين أن معظمهم قتلوا إما على يد الجيش أو الشرطة. أما ما يحدث في سيناء من حوادث إرهابية يومية يسقط فيها الجنود المصريين الأبرياء فهو نتاج تنظيم إرهابي يكفر الدولة ويكفر الثوار أيضًا والمستفيد الوحيد من الإرهاب في سيناء إما الصهاينة الذي لا يريدون تنمية في سيناء ويريدون إخلاءها من سكانها بقدر الاستطاعة وهناك نظم في مصر وخارجها تستغل ما يحدث في سيناء لتبرير قمع شعوبها بزعم الحرب على الإرهاب.

مما سبق يتضح أن ثورات الربيع العربي لم تكن أبدًا سببًا في الخراب، بل نستطيع الجزم بأن الحرية وسيادة الشعب فعليًّا هي الباب الأكبر للرخاء والأمن. كما أن الخراب الذي حل بكثير من الدول العربية ليس سببه الثورات، بل يمكن أن نقول مطمئنين أن سببه هو الاستبداد والقمع وقهر الشعوب والعمالة والتبعية للغرب. ولو نظرنا للدول التي تتمتع شعوبها بالحرية والديمقراطية لوجدناها أكثر الدول أمنًا ورخاء واستقرارًا أيا كان موقعها على الكرة الأرضية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد