اجتمع حكام العرب يوم 31 مارس (أذار) في تونس في إطار القمة العربية، الإطار المكاني للقمة له رمزيات عديدة؛ حيث انطلقت منه شرارة الربيع العربي التي هددت عروش الحكام العرب، وأطاحت بأربعة منهم.

صورة جماعية للقادة العرب في تونس

تمر أجواء القمم العربية عادة بشكل كلاسيكي، حيث تستعد الدولة المضيفة لاستقبالها لوجستيا، وتعمل الجامعة العربية على إعدادها مضمونًا، لتخرج تلك الصورة الجميلة من اجتماع «زعماء الأمة» وتنتهي القمم ببيان ختامي يتضمن جملة من الشعارات الرنانة، ويعود العرب إثرها إلى التشرذم والفرقة والهوان.

كان متوقعًا أن لا  تخرج قمة تونس 2019 عن المألوف،  إلا أنه – ونظرًا لخصوصية مكان انعقادها -شهدت بعض الاستثناءات.

الاستعداد الرسمي

عملت مؤسسة رئاسة الجمهورية التونسية بالتعاون مع جامعة الدول العربية منذ شهر يناير (كانون الثاني) على حسن الاستعداد للقمة واختارت قصر المؤتمرات وسط العاصمة مكانًا لها، كما وفرت كل العوامل المريحة لاستقبال ضيوفها من حكام ودبلوماسيين وإعلاميين، وقد راج أنها تلقت دعمًا ماليًا من الإمارات والكويت والمملكة العربية السعودية والتي ستتواصل إقامة ملكها في تونس لفترة بعد انتهاء القمة للسياحة.

تعهدت السلطات الأمنية التونسية، كذلك بحسن تأمين فعاليات القمة وحماية ضيوفها وقد تمت القمة في أحسن الظروف.

كما تكفلت جامعة الدول العربية بالتعاون مع وزارة الخارجية التونسية ومؤسسة رئاسة الجمهورية على الإعداد المضموني للجلسة.

ما قبل القمة

الجامعة الزيتونية تحرج الملك سلمان

قدمت رئاسة الجمهورية التونسية للجامعة الزيتونية – وهي أقدم الجامعات في تونس – مقترحًا بتقديم شهادة دكتوراه شرفية للملك سلمان فكان رد رئيس الجامعة الزيتونية الدكتور هشام قريسة بالرفض، حيث صرح بأنه ليس من تقاليد الجامعة الزيتونية إسناد الشهادة الفخرية، وذلك احترامًا للقيمة العلمية لشهائدها الأكاديمية.

أحرج رد الجامعة الزيتونية والحملة الإعلامية التي رافقته الأطراف السعودية والجهات الرسمية التونسية؛ مما جعل مؤسسة الرئاسة تبحث عن جامعة أخرى لتجد ردًا إيجابيًا من قبل جامعة القيروان التي قدمت للملك سلمان الدكتوراه الفخرية في الحضارة العربية والإسلامية تقديرًا لجهوده في دعم مدينة القيروان.

المغرب تقاطع القمة؟

سلم كاتب الدولة للشؤون الخارجية التونسي، صبري باش طبجي، وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة رسالة من الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي تحمل دعوة للعاهل المغربي الملك محمد السادس للقمة العربية، إلا أن القمة شهدت غيابًا ملحوظًا للمغرب، ويبدو أن هذا الغياب كان تعبيرًا عن موقف، ومن المرجح أن يكون خلافات المغرب مع المملكة العربية السعودية سببًا في هذه المقاطعة.

السيسي يعتذر ثم يحضر متخفيًا

تزامنت القمة الثلاثون للحكومات العربية مع ضغط شعبي في مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام الخاصة، وحتى العمومية، وكذلك في الشارع، حيث لم يتنكر الشعب التونسي لمسار سلكه منذ 2011، فشنت حملات إعلامية ضد قدوم السيسي بسبب انقلابه الدموي، وممارساته المتعارضة مع قيم الحرية والديمقراطية ومبادئ حقوق الإنسان في مصر.

اعتذر السيسي في البداية وفق تصريح مستشار رئيس الجمهورية التونسية نور الدين بن نتيجة مما جعل المتابعين يعتبرون ذلك هربًا من مصير محمد بن سلمان منذ أشهر خلال زيارته لتونس، إلا أن هذا الاعتذار كان مجرد تمويه، حيث حضر السيسي يوم القمة، وكان في استقباله وزير الدفاع التونسي، كما ألقى كلمة خلال أشغال القمة.

خلال القمة

غياب جملة من القادة

تميزت قمة تونس بغياب ملحوظ لجملة من القادة، وهم أساسا الرئيس الجزائري بوتفليقة، الرئيس السوداني عمر البشير، الملك المغربي محمد السادس، سلطان سلطنة عمان قابوس، ملك البحرين، رئيس الصومال، رئيس جمهورية جزر القمر.

مغادرة أمير قطر

الأمير تميم بن حمد

غادر أمير قطر تميم بن حمد آل ثاني قاعة القمة والبلاد مباشرة إثر الافتتاح الرسمي للقمة من قبل رئيس الجمهورية التونسية الباجي قائد السبسي.

تعددت القراءات حول أسباب مغادرة الأمير تميم وذهب البعض إلى اعتبارها حركة احتجاجية على كلمة الأمين العام لجامعة الدول العربية في إشارة إلى استهداف تركيا وأصدقائها.

وكان رد وزير الخارجية التونسي بأن مغادرة الأمير تميم لا تمثل إشكالًا باعتبار حضوره افتتاح القمة، لكن الأرجح أن سبب المغادرة يحمل رسائل للمجتمعين مفادها أنه حضر تقديرًا للدولة المضيفة، وأنه يعتبر في القمة مضيعة للوقت، خاصة وأنها لن تتناول الأزمة الخليجية.

اللغة الخشبية تغلب على خطابات المتدخلين

غلبت اللغة الخشبية على كلمات المتداخلين حيث لم تغادر أغلب الخطابات معجم التنديد والإدانة والشجب كما لم تخل من إعلان النوايا بالعمل المشترك والتصدي للتهديدات المشتركة.

خلت مداخلات جل القادة من التأكيد على حق الشعوب العربية في الديمقراطية والحريات باستثناء كلمة الرئيس الموريتاني الذي أشار فيها لذلك.

استغل محمود عباس، رئيس السلطة الفلسطينية، كعادته القمة لتوجيه التهم لحماس بتعطيل المصالحة الوطنية، وضرب مجهودات السلطة في تحقيق استقلال فلسطين، وفرض الأمن والسلام في المنطقة.

ضيوف القمة وإشارات مهمة

ضيوف القمة العربية

حضر القمة جملة من الضيوف، أبرزهم الأمين العام للأمم المتحدة والممثلة العليا للسياسة الخارجية والأمنية بالاتحاد الأوروبي ورئيس المفوضية الأفريقية.

تضمنت خطابات ضيوف القمة إشارات مهمة يمكن تلخيصها في تطابق مواقف الجهات التي يمثلها هؤلاء الضيوف مع مواقف القادة العرب في علاقة بالقضية الفلسطينية وأيضًا من موقف رئيس الولايات المتحدة الأمريكية دونالد ترامب في الاعتراف بسيادة الاحتلال الصهيوني على الجولان المحتل.

مواقف طريفة خلال الجلسة الافتتاحية

لم تخل الجلسة الافتتاحية للقمة العربية من مواقف طريفة حيث التقطت عدسات المصورين جملة من القادة وهم نيام أثناء المداخلات.

مثل تدخل رئيس القمة الباجي القائد السبسي الذي طالب فيه الحاضرين بالكف عن التشويش موقف طريف أثار سخرية رواد مواقع التواصل الاجتماعي.

 مخرجات هزيلة

لم تخيب القمة الثلاثون للقادة العرب أمالنا، حيث جاء بيانها الختامي هزيلًا – كالعادة – ومنمقًا باللغة الخشبية التي يجيدها موظفو جامعة الدول العربية.

تضمن البيان الختامي تأكيد القادة العرب على أهمية تعزيز العمل المشترك بينهم وتجديد اعتبارهم القضية الفلسطينية القضية المركزية للأمة والقدس عاصمة فلسطين الأبدية كما أدان قرار ترامب الذي اعترف خلاله بالقدس عاصمة لإسرائيل وقراره بشأن الجولان متمسكين في ذلك بالقوانين الدولية وقرارات الأمم المتحدة متخذين من مبادرة «الأرض مقابل السلام» مرجعيتهم في ذلك.

تضمن البيان الختامي أيضًا تهجما على إيران تدخلها في شؤون الدول العربية ومطالبتها بسحب ميليشياتها من المنطقة كما أدان الهجمات الحوثية على السعودية.

تعهد القادة في بيانهم بدعم الجهد الدولي لإنهاء الأزمة السورية وفق مسار جينيف الداعي إلى إيجاد حل سياسي للأزمة كما أكدوا على دعم لبنان والصومال وجمهورية القمر وختم البيان بشكر الدولة المضيفة ورئيسها على حسن تنظيم القمة.

مفاجآت القمة

وإن كان البيان الختامي للقمة وافق بيانات القمم السابقة في الانبتات عن واقع الأمة، وانتظارات شعوبها الحقيقية، فإنه:

تضمن جملة من المفاجآت مقارنة بتوقعات الملاحظين، حيث كان من المنتظر أن تصادق القمة على عودة سوريا لجامعة الدول العربية، إلا أنه لم يحصل اتفاق على ذلك.

خلا البيان الختامي أيضا من توجه كان حاضرًا في القمة الماضية، وأشار له الأمين العام لجامعة الدول العربية، ودعت له بعض الأطراف والمتمثل في التهجم على تركيا، كما لم يشر للحراك الحاصل في السودان، ولا الحراك الحاصل في الجزائر.

من المفاجآت الأخرى التي تبين حالة المرض التي بلغته الأمة، وعدم انسجام ما أعلن مع حقيقة الوضع أن البيان الختامي لم يتضمن الإعلان عن الدولة التي ستستضيف القمة القادمة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد