فرق تسد من جديد

اللعبة أصبحت أكثر وضوحًا للجميع، الولايات المتحدة تُمارس لعبة فرق تسد بين الأشقاء؛ فقطر وذراعها الاستثماري تمادى كثيرًا في السنوات الخمسة الأخيرة في شراء حصص شركات ومؤسسات عالمية في شتى المجالات العقارية والصناعية وحتى الرياضية، وأصبحت تملك ثروة مالية وقوة اقتصادية هائلة أزعجت الغربيين كثيرًا، واللوبيات المتشددة ضد العرب والمسلمين، كما مثلت قطر وقناتها مصدر إزعاج دائم جدًّا للآلة الإعلامية الغربية التي استطاعت الجزيرة منافستها، والحد من سطوتها العالمية، الجزيرة التي ما لبثت تبث تقارير وأخبارًا حتى ضد بعض أشقائها، وهو الطعم الحقيقي الذي استطاع الأمريكان النفاذ منه لضرب الأشقاء «السعودية ومصر والإمارات والبحرين» بقطر عن طريق مد القناة القطرية بأفلام وثائقية وتقارير استخباراتية، ما لبثت القناة أن بثت تلك الأفلام التي أثرت في العلاقات السياسية، وما جلبته من قطيعة شاملة سياسيًّا واقتصاديًّا.

الأشقاء الأربعة وقطر

أما السعودية فقد استطاع الأمريكان جرها لحرب على حدودها الجنوبية، أقل ما يمكن وصفها بالحرب الاستنزافية لمقدرات المملكة وإمكاناتها تحت غطاء المد الفارسي، وكلنا يعلم من الذي مكن إيران في العراق وسوريا وحتى لبنان، من الذي سمح للإيرانيين بالتوغل عقب 2003 وسقوط بغداد، إنها الولايات المتحدة تحت مخطط واضح وسياسة معروفة، لعبها الغرب قديمًا، ثم بث روحها من جديد «فرق تسد».

فالأمريكان على علم، وربما تساهم بطرق غير مباشرة، بمرور السفن المحلية بالصواريخ والأسلحة للمتمردين الحوثيين، وهذا ما يفسر رفض الولايات المتحدة «المجتمع الدولي» من دخول التحالف مدينة الحديدة، بل حتى منعهم من دخول صنعاء التي كانت قاب قوسين وأدنى من قوات الشرعية التي لا تبعد عن صنعاء سوى 30 كم، منذ أكثر من سنتين، وحتى لو زحف جيش الشرعية اليمنية زحف السلحفاة كل يوم مترًا واحدًا لدخلوا صنعاء منذ سنة، وتحررت صنعاء وانتصر التحالف، ولانتهت الحرب من وقت مبكر، وما تحدث العالم عن المجاعات في اليمن، لكن هنالك إصرارًا على استنزاف الخليج، وخاصة السعودية والإمارات وقطر التي حققت طفرة اقتصادية ومالية ضخمة إبان الطفرة النفطية الثالثة، حينما وصلت أسعار النفط إلى حاجز 140 دولارًا، وارتفع حجم الصناديق السيادية لحاجز التريليون دولار.

أما الإمارات فبالمثل، ورطت في الحرب للأسباب نفسها، مع إضافة أن الإمارات توسعت كثيرًا في بناء جيش محترف قوي يوازي أعتى جيوش العالم تدريبًا وحرفية وتكتيكيًّا، بل تمادت أيضًا في السعي إلى الحصول على أسلحة نوعية متفوقة من شتى دول العالم «روسيا وفرنسا، وحتى الولايات المتحدة نفسها»، ولعلنا نعلم أن أحد أهم أسباب حرب الخليج الثانية واحتلال العراق لدولة الكويت هي صفقة المقاتلة إف 18 التي سعت لها الكويت وكادت تتسلمها في ذلك الوقت المبكر، الذي لم تكن المقاتلة فيه سوى بحوزة الأمريكان وأستراليا، ورفض الكونغرس بيعها لأي دولة في العالم، إلا أن الكويتيين تمكنوا من عقد تلك الصفقة التي أزعجت الأمريكان؛ مما اضطرها لخلق تلك الحرب العبثية التي كانت وما زالت السبب في ما آل إليه العرب اليوم من مآس وصراعات وحروب هنا وهناك، وشتات للشعب العربي، وتشريدهم في كافة بقاع العالم.

أما مصر، حاولوا ويحاولون أن يجروها إلى حرب داخلية مع التنظيمات الإرهابية، الشماعة الجديدة للاستعمار الجديد، الاٍرهاب الذي صنع في كواليس السياسة الغربية، الاٍرهاب الذي أرادوا منه الوجود والسيطرة على أهم المواقع الاستراتيجية العربية «مصر وسيناءها– اليمن وباب مندبها ومدينة عدن- سوريا وساحلها الروسي وجنوبها الإيراني».

ذلك التنظيم الذي صار يتخذ من «سيناء» ملعبًا له في ضرب مصالح مصر، وهي لعبة لاستفزاز المصريين وإعطاء ذريعة لإسرائيل أن مصر جعلت من سيناء مرتعًا وأرضًا للإرهابيين لضرب مصالحها، ولا بد من نشر قوات دولية، ولعبة لابتزاز الحكومة المصرية وتذكيرها باستمرار باتفاقية كامب ديفيد، التي أبعدت مصر تمامًا عن قضايا الأمة العربية، ولم تعد تلعب الدور القوي نفسه كما في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، تلاشى دور مصر بفعل فاعل، مصر رائدة الأمة العربية وعنوان السياسة العربية العامة، مصر حاضنة العروبة وكلمتها، والأخ الأكبر لكل الدول العربية، لم تعد كذلك.

أما البحرين، فمنذ سنوات طويلة على خلاف مع قطر، حتى قبل الأزمة الحالية، أزمة حدود صنعها المستعمر البريطاني قبل مغادرته المنطقة، الذي لم يغادرها وإنما ما تزال بريطانيا عراب المنطقة العربية، والتي يجب الاستعانة بها في كل أزمة عربية- عربية؛ فهي من تملك معظم الوثائق والمعاهدات والخرائط، هي الحكم والقاضي ومن يملك الفصل في كل مشاكل الأمة العربية وأزماتها التي صنعها الإنجليز لمثل هذا اليوم، حتى تعود للاستشارة وتساعد في وضع الحلول الترقيعية لأزمات وصراعات داخلية في القطر الواحد، وبينية بين الدول العربية منذ عقود، وأزمات الحدود ما تنفك تطفو على السطح باستمرار، لم يغادر البريطانيون فهم موجودون لحاجة العرب لها في حل الخلافات والأزمات والصراعات؛ فالمستعمر القديم لم يغادر، وهذه الحقيقة مع دخول المستعمر الجديد صاحب كلمة الفصل المستعمر الأمريكي والروسي، الذين أقاموا قواعدهم العسكرية في المنطقة العربية.

خلاصة المؤثر الأمريكي الروسي الإسرائيلي

الخلاصة أن العرب واقعون تحت المؤثر الأمريكي، ومن خلفه اللاعب الإسرائيلي الذي تفوق على الجميع وحتى على أساتذة «فرق تسد» لتفتح المجال للكل؛ حتى يلعب ويعبث في المنطقة، روسيا من جهة، وتركيا التي دخلت على الخط، وإيران البعبع الذي يخوفون به العرب، وهي أعطت الغرب الفرصة كاملة حتى يستنكر العرب تصرفاتها الرعناء، واليوم لا توجد مشكلة في المنطقة وإلا لإيران اليد الطولى؛ فالعراق ابتلع كاملًا ولحقتها سوريا، ومن قبلهم لبنان، وتحاول أن تبتلع اليمن.

والغريب أن الولايات المتحدة تقف موقف المتفرج من بعيد، تاركة إيران تطحن في الشعب العربي بذريعة واهية، الاتفاق النووي الذي قيد الأمريكان وحمى إيران وأعطاها مجالًا لزعزعة استقرار البلدان العربية الأكثر استقرارًا وأمنًا لعقد صفقات سلاح بالمليارات مع الأمريكان، بحجة التمدد والرعب الإيراني الذي يؤدي دوره باحترافية، خدمة للمصالح الدولية لابتزاز العرب في أموالهم واستقرارهم ومعيشتهم وصحتهم وتعليمهم وأمنهم ورفاهيتهم، والأهم في إسلامهم وإيمانهم بعدالة قضيتهم كأمة الحق والعدل.

فالإرهاب لم يكن إلا شماعة وطعمًا وكذبة جديدة، تعطيهم ذريعة للتدخل في الشأن الداخلي العربي، وهذا ما حصل فعلًا، وما نشهده اليوم خير دليل على ذلك، ومثلما احتلت البلدان العربية في القرن الماضي بسبب ذرائع وأوهام كاذبة، ومثلما دمر العراق بسبب وهم وذريعة السلاح الكيماوي، ومثلما يدمر سوريا واليمن وليبيا باسم الاٍرهاب.

والأدهى أن قطبي العالم اتفقا فيما بينهما على التناوب في تدمير مقدرات الشعب العربي، بالأمس دمر الأمريكان العراق بأشد وأفتك الأسلحة، واليوم يأتي الدور على روسيا في تدمير سوريا، وكله في خدمة الكيان الإسرائيلي فاليهود على علم بأن من ألقاهم في البحر قبل 5 آلاف سنة جاء من جهة الشمال الشرقي، ولذا كانت المهمة الأولى تدمير هذه المنطقة، بلاد الرافدين والشام، ثم الأمور ستصبح أسهل؛ فالكبرى مصر مقيدة باتفاقية ومنطوية على نفسها وهمومها المعيشية الصعبة.

ولم يعد أمام العرب من خيار سوى البحث عن لاعب دولي جديد وقوي ومؤثر، يصنعه العرب بأنفسهم لخدمة مصلحية مشتركة، ولا يوجد لاعب ظاهر على الساحة العالمية أبرز من «الصين» التي تميل الكفة لصالحها تدريجيًّا حتى تصبح القوة الأكبر في العالم خلال العقد القادم.

أو أن يجد العرب ويثابروا على امتلاك أسباب القوة العسكرية والردع المناسب، إلى جانب امتلاك القدرة الاقتصادية المؤثرة، ولا خيار آخر غير ذلك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد