الأنمي هي كلمة مختصر من الكلمة الإنجليزية ( Animation)، والتي يقصد بها الرسوم المتحركة، ولكن عندما نسمع كلمة أنمي أو مانغا (يقصد بها الرسوم المتحركة فقط)، فلا بد أن نذكر اليابان صاحبة السبق والريادة في هذا المجال، ففي سنة 2001 حقق فيلم المخطوفة أعلى إيرادات في تاريخ السينما في اليابان متفوقًا على فيلم تايتانك، وهذا الفيلم من إخراج أحد أبرز أعلام هذا الفن ويدعى ميازاكي، كما أن 50% من الأفلام في السينما اليابانية هي عبارة أفلام أنمي.

ومن أسباب ريادة اليابان في هذا المجال وجود أكثر من 450 أستوديو مثل: بييور وغيبلي وتوي أنميشن والكثير والكثير منها، والحقيقة أن الأنمي ليس مجرد عرض تليفزيوني، بل هو عالم متكامل، إذ يوجد بين مشاهدي الأنمي مصطلحاتهم الخاصة مثل: أوتاكوا، والتي تعني المعجبون بالأنمي لدرجة الإدمان حيث إنهم لا يغادرون منازلهم، ولفظة (أو) في اليابانية: للتفخيم، و(تاكوا) تعني: منزل، ويتم إنتاج الأنمي ليناسب جميع الأعمار تقريبًا، فالأنمي الخاص باستهداف فئة الشباب والذكور غالبًا ما يطلق عليه: الشونين، ويتميز بالمغامرة والأكشن كوجود النينجا وغيره.
ويطلق على الذي يستهدف الشباب وخاصة الإناث ويتعرض للدراما والرومانسية والموسيقى والطبخ وقصص الحب:الشوجو.

وعلى الأنمي الذي يستهدف الأطفال: مايكا، وعلى الفئات العمرية الكبيرة والذي يحتوي على محتوى منحرف: هنتاي، وياوي: وهذا جمهوره من الشواذ إذ يمثل قصص الحب بين الذكور، يوري: هو للشواذ أيضًا ولكن للنساء ويمثل قصص الحب بين الإناث، وتحقق هذه الأستوديوهات أرباحًا خيالية بمليارات الدولارات، ويتحول الكثير منها لألعاب وأفلام كفيلم Death Note الأخير، المأخوذ من مسلسل الأنمي الشهير Death Note.

الشباب العربي والأنمي

ولقد لاقى الأنمي في الآونة الأخيرة رواجًا كبيرًا ملحوظًا بين فئة الشباب في العالم العربي، وخاصة من تتراوح أعمارهم من 18:27، فأنا شاب في المرحلة الجامعية وأعرف الكثير من أصدقائي يشاهدون الأنمي وأنا أيضًا أشاهده، فأنا لا أنكر روعته وكيف يغوص في دقائق العلاقات البشرية، والخواطر النفسية، والفكر الإنساني، والصراعات بين الإنسان ونفسه، وعلاقة الجنود ببعضها البعض، يمكنك فقط مشاهدة أنمي هجوم العمالقة أو ناروتوا، وصدقني سوف تصيبك الدهشة، ولكن الظاهرة المقلقة أن الكثير منهم أصبح مدمنًا له، وقد يرجع ذلك إلى عدة أسباب أولها: أن هذه الفئة العمرية قد عاصرت وشاهدت في طفولتها الكثير من هذه الأنمي فعادات لها هربًا من الواقع المرير، إذ تذكرها بطفولتها وذكرياتها الجميلة في هذه المرحلة العمرية، وإن كانت جودتها آنذاك متدنية، ولكن من ينسى صوت رشا رزق، هذا الصوت القوي الندي، الذي يبعث فيك حيوية كالماء المتساقط يشق طريقه في الأرض ليروي الحب، وقناة سبيس تون، وأستوديوهات مركز زهرة التي كانت تقوم بدبلجة لا يوجد مثلها الآن، فهي كانت تقوم بعملية مونتاج في الحقيقة أكثر منها دبلجة، وتغير في الكلام حتى يناسب فئاتنا العمرية وديننا وعاداتنا، وتضع مفاهيم مثل الإيمان والتوحيد، والآن قلما تجد مثل هذا.

وثانيها: أن هذا الجيل مر بما لم يمر به أي جيل آخر، من ثورات الربيع العربي والثورات المضادة لها وكيف وئدت هذه الثورات، التي كان هو مُسعرها الأول، وأول من قدح شرارتها، وروى الميادين من دمائه الطاهرة، فلما حدث ما حدث، وفشلت الثورات، وآلت الثورات العربية إلى هذا المصير، ووصل المجتمع إلى حالة من الجمود يحتقر فيها كل إنسان أخيه على صمته وعجزه، انكفأ الكثير منهم على نفسه، وقرر أن ينسى هذا المجتمع، وأن يعيش في عالمه الخاص، تاركًا الواقع لمن رضي بالذل وساعد على شد أوتاده ونصب خيمته، وأنه لن يضحي مرة أخرى من أجل الأغلبية التي رضت بخيمة الذل والعبودية على الحرية والعزة وخوفًا من العراء، وأنا شخصًيا أعرف الكثير من هؤلاء كانوا ثوارًا يملؤهم الأمل والتفاؤل سعاة للتغير والإصلاح، أصبحوا كالزومبي لا يعبؤون بأي شيء نهائيًا، وإذا ما حدثتهم كان جوابهم: إليك عني لم أعد أهتم، ويصاحب هذا تدن في الدرجات الجامعية ملحوظ وانعزال عن أي نشاط مجتمعي.

ثالثها: انعدام القدوة المجتمعية، أو الفصيل الجاذب للطاقات الشبابية، فبعد الثورة في مصر على سبيل المثال، انفرطت جماعة الإخوان المسلمون التي كانت عامل جذب لكثير من الشباب للانخراط فيها، وأصبح قادتها في واد وشبابها في واد آخر، والسلطات تحصد من هذا ومن ذاك ما استطاعت وتخزنه بسنبله في السجون والمعتقلات، فاختفى تأثير الجماعة من المجتمع، واختفى معها الدور الذي كانت تقوم به على التغير في هذا المجتمع، والجماعة السلفية أيضًا التي أصبحت عارًا على كل منتسب لها بعد مواقفها في الثورة وأثناء افتراس جماعة الإخوان والتنكيل بها، فلم يعد الشباب يثق نهائيًا في أي فصيل، أصبح يكره أكثر ما يكره التصنيف، وإعلان الانتماء لفصيل ما، فالكل عنده خونة متواطئون بطريقة ما، فأصبح كل منهم قائد لنفسه ولا يعبأ بأي شيء آخر.

وفي النهاية نخلص إلى نتيجة أن الشباب العربي قرر أن ينفض يده من الواقع، وأن يعيش لنفسه في عالم له خاص، ولا يجازف بحياته لأجل للآخرين، أن يخرج نفسه من هذا الواقع المرير الأليم، في بضع ساعات يقضيها أمام الشاشة تنسيه كليًا ما يجري حوله، يرقب مجتمعًا آخر ولكن في عالم افتراضي جميل مثير، وتختلف درجة الانعزال من شاب إلى شاب آخر على قدر الضرر الذي تلقاه، أو قدر حبه لهذا العالم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد