على طول التاريخ العربي كثير من المواقف تبعث في نفسك العزة والفخر التي تجعل من كل إنسان عربي واعيًا بتاريخه يفهم ويقارن بين الماضي والحاضر، فما من أحداث اليوم إلا مشابه لأحداث الأمس فهي مرت علينا هي هي من قبل، ولكن «من لا يسمعون صوت التاريخ، يدهسهم التاريخ»، اجتمع فريقان يتبارزان بالشعر فكان فريق منهم يمثل الأسود أما الآخر فكان يمثل فريق الخراف فبدأت الأسود.

Untitled

وردت الخراف:

1

أما عن الشعر فهو للشاعر «أحمد مطر» أما عن الأسود والخراف فلن نتحدث عنهم، كثيرًا ما أبحث بين كتب التاريخ عن مواقف للحكام العرب تثبت وتحدث عن كرامة العرب وقت أن كنا نحكم العالم وسأبدأ بالحديث عن تبادل الحكام والأمراء العرب مع أعدائهم أو أصدقائهم من الملوك الأجانب رسائل كثيرة تعكس لك قوة ووحدة العرب والمسلمين في ذلك الوقت، ولعل جمعها يُذكرنا – ولو قليلا – بأننا أمة كان فيها أبطال وأنها قامت في القديم على أكتاف رجال.

1- ألفونسو السادس وحكمنا في الأندلس

ألفونسو السادس يُعد من أكثر الملوك خطرًا على المسلمين وقت ضعف ووهن لهم ولحكامهم فكان يعتمد على أخذ الجزية من ملوك المسلمين مقابل بقائهم على العروش وإعطاء الولاء والمنح والخزي والعار لشعوبهم، أرسل ألفونسو سفارة على رأسها وزير يهودي لأخذ الجزية من المعتمد بن عباد – حاكم إشبيلية في ذلك الوقت – وكان المعتمد قد تأخَّر عن موعد دفع الجزية لانشغاله بغزو ابن صمادح صاحب ألمرية، فغضب ألفونسو وطلب فوق الجزية أن يتسلم بعض الحصون، ثم بالغ في طلباته فطلب أن تلد امرأته جنينها في «مسجد قرطبة»، وأن تسكن في الزهراء؛ بحجة أن الأطباء أشاروا عليه بنقاء الهواء في الزهراء، كما أن القساوسة أشاروا عليه بهذا الموضع من الجامع، فرفض المعتمد هذه الطلبات، وهنا ولأول مرة تظهر النخوة والشجاعة في عروق هذا الحاكم وقطع رأس الوزير اليهودي ورد علي رسالة ألفونسو.

بعدها فرض ألفونسو حصاره على إشبيلية (478هـ=1085م) بعد أن خرب أعمالها حرقًا ونهبًا، ثم بعث برسالة للمعتمد بن عباد يريد استهزاءه وسبابه فكان حصاره تجاوز أيامًا كثيرة:

«كثُر بطول مقامي في مجلسي الذِّبَّان، واشتدَّ علي الحرَّ فأتحِفْنِي من قصرك بمروحة أُرَوِّح بها عن نفسي، وأطرد بها الذباب عني».
ويقصد أنه لا يأبه للمعتمد ولا لجيشه وإنما يأبه للذباب فهم أقل شأنًا من الذباب.

وكان أثر الرسالة على المعتمد بالغ الأثر وخاف أن تصل الرسالة إلى جنده فسارع بالرد:

«قرأت كتابك وفهمت خيلاءك وإعجابك وسأنظر لك في مراوح من الجلود اللَّمْطِيَّة، في أيدي الجيوش المرابطية، تُريح منك لا تروّح عليك إن شاء الله».
ويقصد أنه سيستعين بالمرابطين، فقال له ابنه: «يا أبت إن المرابطين إن جاؤوا لن يخرجوا، وإن سيفان لا يجتمعان في غمد» فرد عليه المعتمد: «لأن أرعى جمال أمير المسلمين يوسف بن تاشفين، خير لي من أرعى خنازير ألفونسو».

وكانت هي نهاية كلمات الشجاعة له فهذه النخوة ما لبثت أن فارقته فعاد لمكاتبة ألفونسو ودفع الجزية إليه بعد انتصار الزلاقة – معركة من أشرس المعارك بين ألفونسو وبن تاشفين – فما كان من ابن تاشفين إلا أن قضى على ملكهِ ووحد الأندلس ونفاه إلى أغمات في جنوب المغرب وسجنه فيها مع أهله خمس سنوات إلى أن وافاه القدر، لم يكن المعتمد ينطوي على الخير المطلق ولا الشر المطلق، وكان يراوح بينهما إلى أن جاء أمر أذاقه طعم الردى ولم يجعل ليومه غدًا.

كُثر هم أسود العرب سأتحدث عنهم واحدًا تلو الآخر في مقالاتي فيكفينا أن نعرف ولو القليل عن رسالة نقفور إلى الرشيد ورده بالغ المجد والعنف عليها، أو رسالة صلاح الدين الأيوبي وريتشارد البعيدة عن معارك القدس، يمكنك أن تذهل رسالة الحاجب المنصور إلى البشكنج، مليء هو عالمنا برسائل التاريخ ولكن لمن يعتبر.

رغم كل ما يمر علينا من أحداث ونكبات إلا أن أبيات حافظ إبرهيم في قصيدته «تحية الناشئين» تلتصق في ذهني هذه الأيام:

لا تيأسوا أن تستردوا مجدكم … فلَرُبَّ مغلوب هوى ثم ارتقى

مَدت له الآمال من أفلاكها … خيطَ الرجاءِ إلى العُلا فتسلَّقا

فتجشَّموا للمجد كلّ عظيمة … إنّي رأيت المجد صعبَ المرتقى

من رام وصْلَ الشَّمس حاك خيوطها … سببًا إلى آماله وتعلَّقا

فتعلموا فالعلم مفتاح العُلا … لم يُبقِ بابًا للسعادةِ مغلقا

ثم استمدوا منه كلّ قُواكمُ … إن القويّ بكلّ أرضٍ يتّقى

إلى اللقاء في دعوة جديدة من التاريخ في صحبته .

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أسود
عرض التعليقات
تحميل المزيد