عالم ثالث هكذا أطلق علينا مع بزوغ فجر القرن العشرين، أقنعونا وأقنعوا أنفسهم أننا لا نستطيع العيش دون هيمنتهم ودون وجودهم في أراضينا، ونهبهم ثرواتنا، واستلابهم لوجودنا ولذاتنا، هم سموه تنويرًا وسموه حماية وعدة تسميات أخرى، وهو في الحقيقة ليس إلا استعمارًا وغزوًا، وجرائم بشعة ضد الإنسانية، الإنسانية التي ادعوا أنهم حماتها في هذه الأراضي، وهم لم يكونوا إلا مرضى نفسيين وساديين، يستمتعون بالقتل والتشريد والتنكيل، بشعوب ذنبها الوحيد أنها أضاعت مجدًا وعظمة، بكل سذاجة وغباء وصراعات تافهة حول السلطة.

لكن تشاء الأقدار، وشاءت هذه الشعوب -في النصف الثاني من القرن العشرين- أن تخلص نفسها من هذا المستبد وتعيد بعث ذاتها من جديد وكان لها ذلك، فمع نهاية الستينات لم تبق دولة عربية تخضع للاحتلال، إذا استثنينا فلسطين التي تكالبت كل القوى العالمية على دعم عصابات صهيونية لم تكن لها أرض ولا وطن يجمعها، ولأن أوروبا أذكى بكثير من أن تسمح لأقليات عرقية عرف عنهم ما عرف عبر التاريخ من مكر وخداع وانعدام للضمير بالتعايش معها، لهذا آثروا أن يدعموهم بكل ما يملكون على ألا يبقى يهودي واحد فوق الأراضي الأوروبية، واستغلوا بذلك ضعف العرب ووهنهم، ولعل نكسة 67 كانت تتويجًا لهدفهم والقشة التي قسمت ظهر البعير للعرب.

حتى تلك الفترة كانت الدول العربية تلملم أجزاءها، وتجمع شظايا ومخلفات الاحتلال الغربي، فبين صراعات على السلطة داخل الوطن الواحد وبين صراعات على الحدود والأراضي، استطاعت هذه الدول أن تسترد تركة الرجل المريض، وتؤسس كيانات داخل تقسيمات سايكس بيكو، ونشأت حكومات ودول، منها ما خرج من تحت الأنقاض وبدأ مشاريع التنمية والبناء، ومنها ما تخبط كثيرًا في وحل الصراع على الكرسي الأول والأوحد باسم الشرعية الثورية، ولهذا شهدت المنطقة العربية عدة انقلابات وحروب أهلية وإقليمية، أخرت المشاريع التنموية التي كانت تلك الشعوب تتمناها، بعد أن خسرت ما خسرت لتصفية القوى الغربية، عاد الاستقرار إلى الدول العربية لكن بعدما ماذا، بعد أن شهدت الأقطار العربية عدة مواجهات مسلحة وتصفيات لرجال الثورات، وآلت السلطة لإحدى القوى المتناحرة. وتظاهرت الدول العربية بتأسيس دول وأنظمة، وفق النموذج الحداثي.

لكن الإشكال الحقيقي هنا أن مفهوم الدولة وقتها، إما أنه لم يتبلور بعد في الذهنية العربية أو أساءوا فهمه، فالخطأ الأعظم الذي ارتكبه هؤلاء بعد الاستقلال، أنه كان الأولى أن تكون هناك مرحلة انتقالية، يسمح فيها بتشكيل الأحزاب وفق الرؤى المختلفة، ثم تنظيم انتخابات حرة ونزيهة تختار فيها الشعوب التيار الأنسب للمرحلة الجديدة، بدل الصراعات التي كادت تشتت مجتمعاتنا بعدما توحدت لأول مرة منذ قرون غابرة، أما الخطأ الثاني فهو اعتقاد بعض الساسة العرب أن الحكم الراشد هو خطابات رنانة ووعود فارغة في محتواها، غرضها الأول إلهاء الشعوب، عما كان يخيطه الساسة العرب وقتها في الخفاء، فالسلطة المسروقة وغير الشرعية، لابد أن يخاف صاحبها من أُن تسلب منه في أي لحظة، لذلك كانت السمة الأبرز للحكم العربي في الستينيات والسبعينيات، هو تصفية كل صوت معارض لأصحاب القرار بل وصلت حتى لتدمير مدن بكاملها.

كل هذا ليتيقن كل مقارن بين ديكتاتورية الأمس واليوم أن الديكتاتورية ليست سوى قهر لكل ما هو إنساني في أي زمان وفي أي مكان كانت، ربما الطرق قد اختلفت، فديكتاتورية الأمس كانت قائمة على التضليل الإعلامي، والسرية التامة، وتشويه صورة أي معارض، وتقديمه للعامة على أنه يريد بالأمة شرًا وأنه يتآمر على بلده مع قوى الإمبريالية الفاشية، في حين أن دييكتاتورية اليوم لم تعد بحاجة لكل هذا، فهناك اليوم ما يعرف بالوصاية، التي تقوم على تبادل المصالح، فأنت في حمى إحدى القوى العالمية ما دمت ترعى مصالحها داخل بلدك وافعل ما تشاء شريطة ألا تتعطل مصالح هذا الحامي، وبالطبيعة فهناك من سيلمع صورتك ويقنع العامة بأن كل ما تفعله لصالحهم حتى لو كانت خيانتك وعمالتك للغربي واضحة كوضوح الشمس، بل الأدهى من هذا هو تقديسه ليس من طرف العامة فحسب بل حتى من بعض تجار الدين الذين يحاولون تطويع الدين لما يناسبهم ويناسب سياسة الاستبداد الني ينحوها ذاك الحاكم، في حين فأنت ملحد وكافر وعلماني فقط إذا قلت كلمة حق في وجه هذا الحاكم، الذي لا يتجلى الدين في حكمه سوى في السماح للمساجد برفع الآذان، وحتى التقويم الهجري تدخلوا فيه وانتهكوا أعياد المسلمين ومقدساتهم فقط لخدمة مصالحهم، فكيف ينصر حاكم ظالم باسم الدين وهو يرجح كفة أمريكا على كفة مقدساتنا الإسلامية.

أتيقن يومًا بعد يومنا أننا فطمنا على الذل والمهانة، وجبلنا على العيش تحت الظلم والدكتاتورية، فأصبحنا نرى الحرية عيبًا، وأي سعي لأن تكون حرًا في بلداننا هو إما خيانة للأمة، أو كفرًا عند من جعلوا الدين جبة ولحية، وركوعًا لولي الأمر، بل شعارهم الأول متى حررتم الناس وهم عند أنظمتهم عبيدًا.

فقمة الجهل أن ترى أن حاكمًا يستعبد شعبه بكل الطرق ويطبق أقذر المنظومات لإذلاله، ثم تجد من يحاول إقناعك بأن زواله يعنى زوال الدولة، حينها فقط تدرك أن من شب على الديكتاتورية شاب بل ومات عليها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد