بعيدًا عن رثاء واقع الحال العربي المتميز بالصراع والفرقة والصدامات التي يضيع بين تفاصيلها الحق ومعه الأمل في الإصلاح، ويرمي بنا في حروب هامشية المضمون واسعة الهالة وغالية السعر، تلهينا عن الحروب الحقيقة، حروب البناء والترقي الإنساني، يمكننا أن نركز فيما نملك من صفات إنسانية حسنة، تجعل لوجودنا قيمة أساسية في العالم.

لماذا يكرهنا كثيرون في الغرب؟ السؤال حقيقي ومن يرى أن المودة هي ما يحملها لنا العالم فهو متجاهل للتاريخ، ومتعام عن الواقع. أول الجواب أن ما نعتبره تاريخًا هو وقود رؤية العالم المتحضر للمستقبل، فهم يوقنون أن تدافع الحضارات سنة الحياة. أدركوا من التاريخ أن السيادة هي للعدل فحاولوا بناء ثقافة الحق والحفاظ على قداستها. يعرفون أن منطقة الشرق الأوسط وبلاد الفرس والأتراك كانت موطن حضارات حقيقية ومدركون أن وهج البناء سيعود إليها عاجلًا أم آجلًا، ولذلك فكثيرون يدفعون بهوة الفرق الحضاري نحو الاتساع بغية تأخير هذه العودة الحتمية وفق منطق التاريخ.

أول مشاكل الغرب مع العرب هو الأنفة التي تغزوا نفوسهم، وما لا يفهمونه هو أن تكون صامدة لا تحترم التراتب الحضاري الحالي. الإحساس الذي يملأ العرب بأنهم يستحقون واقعًا أحسن وإيمانهم بمساهماتهم في الموروث الإنساني وأملهم في عودة للسياق التاريخي للرقي هو منطلق مشاكلهم مع الآخرين. فالثقة لا يمكن أن توضع في غريم حضاري احتمالات تعافيه غير عديمة. هذه الأنفة تجعل أي مساس بالكرامة من الخارج خطًا أحمر لدى الرأي العام العربي، ولنا أن نتخيل لو كان الكيان الصهيوني قد اختار أية دولة في العمق الأفريقي لبناء وجوده ما كان سيكون واقعه اليوم، لكنه فضل قدسية دينية على سلام أكيد وربما ريادة قارية سهلة ولم تفلح مراهنته على مرور الزمن في كسب مودة العرب لليوم.

العرب جزء حي من العالم، يؤثرون في واقعه بالملموس إيجابًا وسلبًا، وهم فاعل حقيقي في صياغة الأحداث. والأمل في تعافي حالهم قوي تثبته محاولات صناعتهم لواقع أرقى، الأمل نراه في نجاحات العرب خارج بلدانهم، في جمال إنتاجاتهم الفنية والأدبية، نراه في التعايش اللبناني والإنسانية العمانية، نلمسه في قوة قيمة المملكة السعودية وفي الاستثمارات العالمية القطرية، تجسده ثورة البناء والنماء الإمارتية وتعكسه مصر كقوة العرب الفكرية. الأمل تحمله محاولات النهضة المغاربية ذات الوجود القائم لليوم في بلاد الأندلس شاهدًا على حضارة تستحق كل احترام، الأمل في البناء يرى أيضًا في كل الصراعات الأليمة التي تعيشها بلدان العرب، في العراق والشام واليمن وليبيا، فحيث يوجد الصراع تختفي رغبة تغيير هي دليل حياة أي أمة. الأمل في صناعة نهضة عربية جديدة هو نابع من الأنفة نفسها التي تزعج الغير فهي الدليل على حياة القلوب وإيمانها بوجودها.

العرب يملكون من الخصال الحميدة الكثير، ولكن بعضها في قاموس (الغير) سذاجة وربما تخلف أحيانًا. هم يستحقون كغيرهم بناء حياة أكثر قيمة ورقي وعدل، ولكنهم يكتفون بطلب المودة والاحترام فقط دون فرض هذا الاحترام عبر الإنتاج بمختلف أشكاله. وأول مفاتيح الإنتاج هو وضع كل الخلافات جانبًا وتقديم ما يوحدنا على كل شيء مع أن الأمر صعب في ظل سيادة خيارات الفردانية التي لا تخدم غير مصالح من لا تروقهم فكرة نهضة عربية جديدة. المسار قد يكون طويلًا، لكن الأمم التي تصحوا يومًا لا يمكنها أن ترقد بعد ذلك للأبد، تمامًا ككل البراكين الخامدة المنتشرة عبر العالم. جعل الله بلوغ يوم الصحوة جزءً من حياتنا، وعجل من مقدمه رأفة بنا من سبات بات ثمنه باهظًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

: سياسة, العرب, رأي
عرض التعليقات
تحميل المزيد