“قتل الخميني من أفراد الشعب خلال عامين عددًا يوازي ما قتل الشاه طوال عهده، وهناك حوالي عشرة آلاف من المجاهدين في السجون، بينما لم يزد عدد المعتقلين السياسيين في أسوأ فترات عهد الشاه عن أربعة أو خمسة آلاف، لقد كان الشاه بالنسبة للخمينى رجلًا نبيلا ً”. مسعود رجوي متحدثا في أغسطس 1981.

نكص عن عهده بتشكيل مجلس تأسيسي ورد في قرار تعيين مهدي بازرجان رئيسًا للوزراء، وآثر أن يؤسس بدلًا منه مجلسًا للخبراء يتبع أهواءه، كما حال دون القضاء على دعامة الدكتاتورية ممثلة في جيش الشاه النظامي مستخدمًا إياه في تدعيم أركان سلطته، وأضف لذلك انصرافه عن الجماهير بإصداره أمرًا بإنهاء الإضراب قبل أن تتحقق المطالب الاجتماعية والسياسية للمضربين، وقام بحماية البرجوازية من السقوط الحاسم، فتواه المشينة بفرض الجهاد ضد الجماهير الكردية المطالبة بالحكم الذاتي كشفت اللون الحقيقي لنظامه، كما أنه أعاد تشكيل السافاك ولكن من قادة حراس الثورة وأتباع حزب الله، جميع تلك الأسباب السابقة تُمثل دوافع الكفاح المسلح ضد نظام الخميني لعدة جماعات أشهرها مجاهدو خلق وجماعة الأقلية التابعة لفدائيي خلق، فكيف وقع ذاك التصادم العنيف وما هي أبرز محطاته؟ وما الأدوات التي استخدمها النظام لكبح جماح الناقمين؟

حركة “مجاهدي خلق” مجاهدو الشعب، تأسست في منتصف الستينات لمناهضة الشاه الديكتاتور، خاضت حرب العصابات على مدار ستة عشر عامًا ضد نظام الشاه في البداية ثم ضد الجمهورية الإسلامية بزعامة الخميني، صُنفت في عهد الشاه كحركة “ماركسية إسلامية”، يعود إليها فضل حسم الثورة في أيامها الأخيرة 9 – 11 فبراير 1979، فهي من ركعت معسكرات ومقرات الأجهزة الأمنية في العاصمة طهران بعد استيلائها على مصنع البنادق، ومنذ ذلك الحين رفضت الحركة تسليم سلاحها، تفاصيل أكثر عن أيام الحسم الثوري من هنا

تجفيف ينابيع المعارضة

عقب سقوط الدولة الشاهنشاهية أتى الخميني ومن خلفه الحزب الجمهوري الإسلامي – الأكثر تشددا بين رجال الدين – لتوطيد دولة ثيوقراطية جامحة الطموح رأس حربتها ولاية الفقيه وسلطاته المطلقة، تململ العديد من فصائل الثورة جراء سياسة الحزب الأوحد التي اتبعها متشددو الحزب الجمهوري الإسلامي المدعوم خُمينيًا، إلا أن أحلام الإمام لم تكن لتضيع وقتًا في الإنصات لهولاء، فكان الحل الأمثل من وجهة النظام الجديد خنق تلك الحناجر.

آية الله شريعتمداري، يُعد واحدًا من أكثر الرموز الدينية سطوعًا، يملك الرجل فوجًا من المناصرين لأفكاره داخل مدينة قم، كما لعب دورا هامًا في التعبئة ضد نظام الشاه، رأى في سياسات الخميني انحرافًا عن الدور المركزي لرجال الدين، فسبب أتباعه داخل حزب الشعب الجمهوري الإسلامي متاعب قاسية للسلطة الوليدة، جرت تفاهمات بين الطرفين في بداية النزاع، إلا أن الخميني باغت الحزب بإجراءات عنيفة، تم إعدام أربعة وخمسين من قيادات حزب الشعب الجمهوري وتم ملاحقة غالبية أعضائه وأٌجبر شريعتمداري على الصمت، كذلك رجال الدين المُناوئين للخميني أمثال آية الله القمي وآية الله الشيرازي عمل النظام على تحجيم فاعليتهم واضطهاد أنصارهم ليُغلق بذلك بابًا شكل تهديدًا حقيقيًا لوجوده.
المعارضة الكردية “الحزب الديمقراطي الكردي”، عقب سقوط نظام الشاه بدأت الأقليات العرقية في تحدي النظام الجديد، وقد أبدى الأكراد مقاومة عنيدة للحكومة المركزية وظلوا – دون سائر الأقليات العرقية الإيرانية – على تمسكهم بالحكم الذاتي، رغم تعاطف الخميني إبان حكم الشاه مع المطالب الكُردية إلا أنه تنكر لها بعد قبضته على زمام الحكم، لم يكن مُستغربًا أن تدفع القوات المسلحة بأربع من وحداتها التسع إضافة إلى أربعين ألفًا من أفراد الحرس الثوري لقتال الأكراد موقعين مايزيد عن عشرة آلاف بين قتيل وجريح، فالتحديات التي فُرضت على الحزب الجمهوري الإسلامي المتشدد على قمتها الحرب مع العراق لم تكن تحتمل التهديد الكردي فسارع بقصفه مبكرًا.

أتباع بازرجان والقوى العلمانية، كان مهدي بازرجان أول رئيس وزراء لإيران ما بعد الشاه، إلا أنه استقال على إثر أزمة رهائن السفارة الأمريكية وسياسات النظام تجاه الغزو السوفيتي لأفغانستان، أما السيد أبو الحسن بني صدر ذو الخلفية العلمانية فإنه أول رئيس للجمهورية الإيرانية بعد الثورة، فشل بني صدر في تحويل انتصاره الساحق في الانتخابات الرئاسية إلى حزب سياسي منظم، فاستفرد به الحزب الجمهوري فارضًا عليه أحد رموزه – محمد رجائي – كرئيسًا للوزراء، ما كان لسياسة الحزب الجمهوري الإسلامي – المسيطر على مجلس الثورة ومن بعده المجلس الاستشاري القومي – التصادمية مع الغرب أن تلتقي في طريق واحد مع بني صدر، ولم يُكتب للرئيس والحكومة الجمهورية أيام عسل على الإطلاق، كما أن ثورة الخميني الثقافية أرقت العلمانيين كثيرًا، أضف لذلك أن فشل القوات الإيرانية في بداية الغزو العراقي الدفاع عن سيادة الأراضي الإيرانية أنزل جحيم الانتقادات على الرئيس، كل هذا وعوامل أخرى منحت الحزب الجمهوري فرصة ذهبية للوشاية ببني صدر لدى الخميني مُتهمًا إياه بالخيانة، وبالفعل نجح الحزب في إزاحة بني صدر ليفر هاربًا برفقة مسعود رجوي زعيم حركة مجاهدي خلق المسلحة قبل الفتك بهما.

جماعات اليسار، مثل الطيف اليساري رُقعة واسعة من جماهير الثورة، ارتمى بعضها في أحضان النظام الجديد كحزب توده الموالي للسوفييت، برر الحزب ارتماءه ذلك بسبب مُعاداة النظام للولايات المتحدة وتعاطفه مع المستضعفين (البروليتاريا)، بينما رأى المطلعون الإيرانيون أن خدمة الحزب للمصالح السوفييتية العامل الأساسي وراء مُجاراة الحزب الجمهوري الإسلامي، سلك مسلكه أيضًا ما يُسمى بجناح الأغلبية لفدائيي خلق، بينما على النقيض تمامًا، شرع مجاهدو خلق وجناح الأقلية لفدائيي خلق في شن الكفاح المسلح ضد النظام الرافض لأي صوت معارض يُغرد خارج سياساته، ويُعد عزل بني صدر الشرارة التي أطلقت حرب العصابات وإليك أبرز محطاتها.

النضال المسلح ضد النظام الخميني

وقعت مجموعة من الاغتيالات قُبيل الوصول لمشهد عزل بني صدر، نفذتها مجموعة تسمى “فرقان” تُعارض الجمهورية الإسلامية بسبب سيطرة الشيعة على النظام، أبرز عملياتها، إطلاق الرصاص على محمد علي قراني أول رئيس لأركان حرب القوات المسلحة الإسلامية، اغتيال مرتضى مطهري وهو عضو قيادي بالمجلس الثوري، اغتيال تقي تركاني وهو تاجر ثري موالٍ للخميني، محاولة قتل علي أكبر هاشمي رافسنجاني إلا أنه نجا من الموت بأعجوبة، وبينما كانت أعمال العنف الفردية هذه تسهم في تصعيد حالات التوتر والخوف إلا أنها لم تكن تعني بداية نضال مسلح تنظيمي يهدف إلى الإطاحة بالنظام، فأمر كهذا يحتاج إلى إحدى التنظيمات القتالية المتمرسة كمنظمة المجاهدين.

التاسعة والربع مساءً الموافق 28 يونيو 1981، بينما كان محمد بهشتي قاضي القضاة والسكرتير العام للحزب الجمهوري يُلقي كلمة الافتتاح في مقر قيادة الحزب ضمن الاجتماع غير العادي والذي عُقد لمناقشة قضايا عاجلة، كتحديد مرشحي الانتخابات الرئاسية عن الحزب بعد عزل بني صدر، ومناقشة أعمال العنف المتزايد بعد صدامات 20 يونيو الدامية – في 20 يونيو وقعت حرب عصابات في الشوارع بين أنصار بني صدر وعلى رأسهم المجاهدين وبين الباسدران – حدث انفجار عنيف أدى لتدمير مقر قيادة الحزب، راح ضحية ذاك الانفجار مجموعة كبيرة من قيادات النظام الجديد وصل تعدادها اثنين وسبعين مسؤولًا بالحزب، في مقدمتهم بهشتي وأربعة وزراء فضلًا عن سبعة عشر عضوًا بالمجلس الاستشاري القومي، ليفقد بذلك الثالوث “رافسنجاني – بهشتي – رجائي” أحد أضلاعه – يمثل الثلاثي السيطرة على البرلمان والقضاء والحكومة – كما تلقى الحزب الحاكم ضربة قاصمة أفقدته مجموعة من خيرة قياداته.

الأحد 30 أغسطس 1981، أثناء انعقاد مجلس الدفاع الأعلى بمكتب رئيس الوزراء في وسط طهران، وقع انفجار عنيف زلزل أرجاء المبنى، وكان نتيجته مقتل كل من محمد رجائي رئيس الجمهورية القادم بعد بني صدر، جواد باهنر رئيس الوزراء القادم بعد اغتيال بهشتي، الكولونيل وحيد دستكردي قائد الشرطة ليتقلص بذلك الثالوث الجديد “رافسنجاني – رجائي – ياهنر” إلى شخص واحد.

استمر الصدام بين النظام الحاكم وحركات النضال المسلح بعد هذين الانفجارين أيضًا، وجدير أن نشير إلى اغتيال أية الله علي قدوسي المدعي العام للمحاكم الثورية، ومحاولة قتل علي خاميني – مرشد الثورة الإيرانية الحالي – السكرتير العام للحزب الجمهوري حينها والذي نجا من الموت بشكل لا يُصدق، ولم يتوانَ النظام في الرد العنيف على تلك الأعمال، فقد تحدثت الإحصائيات عن إجمالي عمليات الإعدام الواقعة بين شهري يونيو وديسمبر 1981 في حق أعضاء الحركات المسلحة بلغ 1800 طبقا للمصادر الحكومية و3700 طبقًا لمصادر المعارضة، وفي نفس الفترة قُتل حوالي ثمانمائة من أنصار الخميني، من بينهم مائة وعشرين من القادة الحكوميين وزعماء كبار في الحزب الجمهوري الإسلامي، وبقدر نجاح هذه التنظيمات في التخطيط والتسلل إلى أقدس محارم الحكومة والحزب الحاكم مستخدمين العمليات الانتحارية والهجوم بالقنابل والاغتيالات السياسية، إلا أنها لم تنجح في إشعال ثورة كبرى على غرار ثورة فبراير.

أدوات النظام في مواجهة الكفاح المسلح

يُقاتل النظام الجديد في تلك الأثناء على جبهات ثلاث، فهو يسعى لطرد العراقيين من الأراضي الإيرانية، يبذل قُصارى جهده لإقرار الأمن في كردستان وسيستان وبلوتشستان بجنوب شرق إيران، أما الجبهة الثالثة فهي الحرب على تنظيمات وميليشيات المدن المسلحة والتي تسببت في تعريض قدرة النظام على البقاء لأقصى درجات التمحيص في أعقاب كل عملية اغتيال كُبرى تطال رموز وقادة النظام، ورُغم تلك الجبهات الثلاث الطاحنة فقد استطاع النظام الصمود جراء إصراره وتمسكه بالمحافظة على السلطة، فعقب كل حادثة تودي بحياة مسؤول ما، يُسارع الحزب بوضع البديل، وقد صرح الخميني ذات مرة “أننا لدينا صف طويل من المخلصين الذين يرتضون الاستشهاد في سبيل الثورة”، كما أن شعبية الخميني الجارفة لدى قطاع عريض من الإيرانيين لم تكن لتهتز ببساطة، فعقب كل عملية اغتيال تقتنص روح أحد المسؤولين يخرج المشيعون بأعداد مهولة تحدث البعض عن بلوغها المليون مشيع في جنازة باهنر.

 

 

احتمى النظام بستار الشرعية الدستورية المُكتسبة بعد الثورة، منحه ذلك أفضلية بقاء المؤسسات المهمة كالجهاز الإداري والجيش على ولائها له، فلو نظرنا للجهاز الإداري القائم بالأنشطة الحكومية لرأينا إحجامه عن تحويل ولائه عن أية حكومة تحميها الشرعية الدستورية، كما أنه كان آخر المؤسسات التي انضمت إلى الحركة الشعبية المُعادية للشاه، لذا انتقلت تلك المؤسسة الضخمة من غرفة نوم الشاه بعد يقين رحيله إلى غرفة نوم الخميني ولم تغادرها رغم تلك الاضطرابات.

الجيش، تمكن الخميني من خفض هالته المتوحشة خلال أيام الحسم والثورة ومابعدها، فقد تم إعدام عدد كبير من القيادات كما طال النفي البعض والتسريح من الخدمة البعض الآخر، هناك محاولة فاشلة للانقلاب على الجمهورية الإسلامية قام بها مجموعة من ضباط السلاح الجوي والقوات المسلحة في قاعدة همدان الجوية، إلا أن نبأ تدبير الانقلاب تسرب إلى الخمينى مبكرًا وألقى القبض على عدد كبير منهم وتم إعدامهم، صفعة كتلك أجبرت الجيش على توخي الحذر الشديد في التعامل مع الشأن الداخلي، ومع تصاعد مكانة الباسدران “فرق الحرس الثوري” المولود من رحم النظام الجديد أضحى للقوات المسلحة خصم عنيد ربما تتفوق قوة إعداده وتسليحه على ما بيد الجيش النظامي.

أثبت الخميني براعة فائقة في السيطرة على وسائل الإعلام من إذاعة وتلفزيون وصحف واستغلها بشكل رائع، فعقب كل حدث مهم وحين الحاجة إلى تعبئة جماهيرية يصدر نداءً بشخصه فتحتشد الحشود الضخمة من الجماهير، ولإدراكه أهمية تلك الأداة قام بتعيين فرق وحدات خاصة من الباسدران لحراسة منشآت الإذاعة والتلفزيون بالعاصمة، لذا لا تتعجب عندما أخبرك أن مبنى التلفزيون خضع لحراسة مشددة لا تضارعها إلا تلك التي ضربت حول بيت الخميني بشمال طهران!

إخضاع الاقتصاد الإيراني أداة لا يمكن إغفالها، فقد سيطر الخميني على الخزانة بمصادرها الداخلية والخارجية، وأضف لذلك التهامه لما يسمى بـ “سهم الإمام” وهو تبرع يتلقاه رجال الدين يصل إلى مبالغ طائلة، كما ذكرنا سالفًا أن هناك عدد من آيات الله انقلبوا على الخميني ورفضوا ممارساته، فأجبر الإمام تجار البازار وسائر المانحين المؤيدين لهم على دفع هباتهم لأئمة الجمعة الذين يُعينون من قبله مباشرة لتصب نهاية في يده.

 

كل هذا مُزينًا بالقبضة القمعية المهولة مكن النظام من إحكام سطوته على السلطة، فيكفيك أن تعلم إعلان حجة الإسلام حسين موسوي المدعي العام أن المحاكم ستعقد في الشوارع وشهادة اثنين من الباسدران كافية لتنفيذ حكم الإعدام على الفور بحق المعارضين بدءًا من تهمة توزيع منشورات تناهض النظام وصولا إلى إطلاق النار على رجال المؤسسات الأمنية، وأخبرك أخيرًا بحادثة جمعت مزيج السيطرة الإعلامية مع القمع الأمني مُغلفا بالهوس الخُميني، فقد أبلغت إحدى الأمهات محاكم الثورة عن ابنها مُدعية انتماءه لحركة مجاهدي خلق، ليتم إلقاء القبض وتودعه قائلة “صل أولا ثم واجه العدالة المطلقة”، وبالفعل تم تنفيذ حكم الإعدام بحق الصبي لاتهامه بحيازة زجاجات المولوتوف! فاحتفت وسائل الإعلام بالأم الشجاعة مُطالبة أبناء الشعب بالحذو حذوها.

نخلص من هذا المشهد أن الكفاح المسلح وحده ليس كفيلًا بإسقاط نظام يملك جُل تلك الأدوات، إنما صناعة الرموز المُلهبة لمشاعر الجماهير إضافة إلى إمتلاك وسائل إعلام قادرة على اقتحام كل منزل وترجيح كفة مؤسسات هامة تمثل ركيزة النُظم الحاكمة لصالح حِراك الجماهير، جميعها أدوات قوة تُستخدم في الصراع، ومن بيده جذب تلك الأدوات تجاهه فحتمًا سيحسم الصراع لصالحه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد