حتمالات الأزمة وإمكانية الحل

صرح قائد أركان الجيش الجزائري خلال بيانه الأخير ليوم 26 مارس (آذار) على وجوب إعلان حالة شغور منصب الرئيس وتفعيل أحكام المادة 102 من الدستور التي تقضي بإعلان المجلس الدستوري، وبعد التثبت من استحالة أداء الرئيس مهامه نتيجة مرض مزمن وخطير، لحالة شغور منصب الرئاسة، وهو بذلك يكتب فصلًا جديدًا في يوميات صراع الشارع والنظام أو ما يسميه ناشطو الحراك العصابة، وبين متفائل بالخطوة ومتخوف من الالتفاف على مطالب الشعب، تطرح مجموعة تساؤلات حول مآلات الصراع بعد تحرك المؤسسة العسكرية التي انتظرت خمسة أسابيع من انطلاق مسيرات الكرامة لتقول كلمتها.

القايد يرى.. فهل يستجيون

بيان الجيش الشعبي الوطني كان واضحًا أنه دعوة للمجلس الدستوري في التحرك لإثبات عجز الرئيس والبدء في إجراءات قانونية دقيقة، تنتهي بتولي رئيس مجلس الأمة مهام رئيس الجمهورية لمدة تصل إلى 135 يومًا تنظم من خلالها انتخابات رئاسية، ولغاية كتابة هاته الأسطر لم تحدث استجابة من الهيئة الدستورية، فهل تستجيب لطلب قائد الجيش؟ أو بالأحرى هل تستطيع أن ترفض ذلك؟ فمن الناحية القانونية لا شيء يجبر رئيس المجلس الدستوري على بدء هاته الإجراءات فهناك فراغ دستوري يحف هاته المسألة، غير أن الطفل الصغير الذي يلهو في حواري الجزائر يعلم يقينًا أن الطيب بلعيز رئيس المجلس الموقر والذي هو من أقرب الشخصيات إلى آل بوتفليقة وينتمى إلى نفس المنطقة التي تعود أصولهم إليها، لن يجرأ على التفكير في رفض طلب القايد صالح، فالجيش يملك ملفات عن الجميع والدوائر المحيطة بالرئيس تعيش في مستنقع الفساد منذ مدد طويلة مما يجعلها فرائس سهلة للتهديد، إضافة إلى ضعف شخصية مساعدي الرئيس عمومًا فلقد كان الشرط الرئيسي لاعتلاء المناصب هو الولاء والتزلف لا الكفاءة، فالمنطق يقول إن طلب قائد الأركان مجاب لا محالة ولو وقع العكس، فالأكيد أن الجزائر ستدخل منعطفًا خطيرًا لا أحد يمكن أن يعرف نهايته إطلاقًا.

هل يفرح الشارع أم لا

الأكيد أن إتمام هاته الخطوة سيقضي على حلم التوريث المباشر أو غير المباشر لحكم العائلة، أو العصابة كما يحلو للبعض تسميتهم، فالصراع مع العسكر لا يبقي ولا يذر، وخاصة لمن لا يملك شعبية أو فئة من الشعب يستعصم بها، وانتهاء الحكم البوتفليقي في ذاته إنجاز كبير قد يمكن الجزائر من تجاوز عقدين من الدكتاتورية الناعمة، ولكنه في نفس الوقت يوقظ الهواجس من عودة حكم العسكر وخاصة أن آخر تدخل مباشر لهم كلف البلاد عشرية سوداء يعلم الجميع ضريبتها، يضاف إليها النظر بعين الريبة إلى الفريق قايد صالح وتصرفاته على أنها التفاف على المطالب الشعبية ومحاولة لتشكيل النظام بصورة جديدة بأسماء قديمة كرئيس المجلس الدستوري ورئيس مجلس الأمة عبد القادر بن صالح.

البوتفليقيون.. هل سيرضخون

يتعلق الكثير ممن يسكنون أروقة الحكم منذ عقدين أو أكثر بوجود الرئيس بوتفليقة على الكرسي، فتواجده في قصر المرادية -مكان إقامة الرئيس- هو الضامن الوحيد لهم بالاستمرار في مناصبهم والاستفادة من مزايا نادي الصنوبر -إقامة مسؤولي الحكومة- ومن استطاع منهم القفز من السفينة التي توشك على الغرق قد فعل ذلك علانية وصرح بأعلى ما فيه أنه من المغرر بهم، أما البقية وعلى رأسهم أخو الرئيس سعيد بوتفليقة وهو مستشاره الخاص، وقد يضاف إليهم أعداء رئيس الأركان بحكم أن تفوقه في معركته سيقضي على أمل لهم بالتواجد في دواليب الحكم، سيستميتون في الدفاع والتكلم باسم الرئيس المغيب والتوقيع عنه، ودون أن ننسى أنه سيستعملون وسائل المخابرات والدفع بآلتهم الإعلامية بكل قوة ممثلة في قنوات تلفزيونية كالنهار مثلا، ومواقع إلكترونية، مع احتمال التحالف مع جناح الجنرال المتقاعد توفيق الذي يملك أذرعًا ما تزال تنشط في الشارع.

غير أن المواجهة المباشرة احتمال ضعيف لكون الهبة الجماهيرية تعتبر جناح البوتفليقيين الخطر الداهم على البلاد وتنظر إليهم كالعدو الأول، مما يجعل أي اصطفاف معهم يمثل انتحارًا محتومًا، إضافة إلى قوة المؤسسة العسكرية وتماسكها نتيجة لإنهاء مهام جميع الضباط المحسوبين على أخ الرئيس السعيد بوتفليقة، ومن المحتمل جدًا أن القايد صالح لم يقدم على هاته الخطوة إلا وهو متأكد جدا من ضعف إمكانات خصومه.

الحراك في مواجهة الجيش.. المخاطرة الكبرى

أخطر احتمال يمكن أن يقع هو أن تفعل المادة 102 من الدستور مع عدم إجراء أي تغيير على الخريطة السياسية، بحيث يبقى الوزير بدوي رئيسًا للوزراء، ونتيجة لما جاءت به المادة 104 من نفس الدستور التي تمنع الرئيس المؤقت الذي يحكم البلاد نتيجة لشغور منصب الرئيس من إجراء أي تعديل وزاري، فبالتالي سيكون نور الدين بدوي الوزير الأول المعين أخيرًا والذي أشرف على وزارة الداخلية سابقًا -ابتداءً من 14 مايو (أيار) 2015 إلى غاية تنحية محمد أويحيى من رئاسة الوزراء في 11 مارس (آذار) 2019- وشهدت فترة وزارته كوارث في تزوير الانتخابات لا مثيل لها، هو الوزير الأول وهو شيء مرفوض رفضًا قاطعًا من الشعب الجزائري.

والخطير في الموضوع أن المؤسسة العسكرية وقائد أركانها ستصبح متهمة من طرف الجماهير بأنها التفت على مطالب الشعب، الذي خلال مسيراته الخمسة لم يمس المؤسسة العسكرية أو يتهمها بأي سوء أو النيل من قائدها على الرغم من كون -القايد صالح يعتبره البعض مسؤولا عما وصلت إليه البلاد- وعلى العكس كانت شعارات «الجيش الشعب خاو خاوة» تدوي في المسيرات، وانكسار الحاجز بين الطرفين سيؤدي بالضرورة إلى المواجهة وهو خطر داهم على البلاد، وعلى المسيرة الديموقراطية التي يريدها الشعب.

إن المرجو من هاته الخطوة إن تحققت، أن تسبقها تغييرات في رأس الجهاز الحكومي بتعيين شخصية توافقية يقبلها الحراك الشعبي، حتى لا تدخل البلاد في معضلة إيجاد حلول غير دستورية أو في مواجهة مباشرة مع المؤسسة العسكرية والأمنية، فبقاء الوضع السياسي على ما كان عليه قبل الحراك هو انتحار جماعي، وعودة العسكر للحكم هو تكرار للفشل الذي تعرفه البلاد من 57 سنة، وتواجه الشعب وجيشه لن يؤدي إلا لكارثة لا تحمد عقباها، نحن أمام محطة تاريخية لا تعترف إلا بطريق واحد «إما أن ننجح جميعًا، أو نضيع ونضيع البلد معنا».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد