هل المجتمع هو من يحدد شكل الفن؟ أم أن الفن هو من يغير في شكل المجتمع؟ أو بعبارة أخرى هل الفن مرآة المجتمع؟ أم على النقيض المجتمع هو انعكاس للفن؟

لقد شهدنا هذا الجدل بين التساؤلات السابقة كثيرا، فأزمة المهرجانات ليست بجديدة – في مضمون القضية – فدائمًا ما يوجد من يملأ الدنيا صراخًا بأن الذوق العام في خطر والأجيال القادمة في خطر ودائمًا ما يظهر أناس يدعون إلى وقف وحجب عدد من الأفلام أو الأغاني، وفي كل مرة يتجدد الخلاف نفسه.

من يطالبون بالمنع حجتهم في ذلك أن هذا النوع من الفن يهدد الفن الحقيقي أو «الهادف» بالانقراض، كما يؤثر على المجتمع بشكل سلبي وينحدر به، بل ويسير به نحو الهاوية؛ لأنه لا يؤثر فقط على الذوق العام، ولكنه يؤثر كذلك على سلوك أفراد المجتمع، وخاصة صغار السن منهم.

فهم يرون أنهم بمنعهم له ينقذون المجتمع وقيمه وذوقه. كما أن بعضهم لا ينظر إليه على أنه فن، فهو لا يرقى لذلك.

هذا في حين يرى رافضي قرارات المنع أن هذا يعد نوعًا من القمع وأنه لا يجب التعامل مع كل ما لا يروق لنا بالمنع فنحجب المواقع والأفلام والأغاني، خاصة أنه لا يجب أن تتواجد قيود على، الفن فالفن يجب أن يكون حرًا، فما هو إلا انعكاس لما يحدث في الواقع وما هو إلا نتاجه.

ويستمر الجدل على هذا المنوال لبعض الوقت، ثم يعتاد الجميع، ويُنسى الأمر حتى يخرج نوع آخر من الفن يحدث ضجة ويثير الجدل حوله.

لكن هذه المرة الجدل أوسع وردود الأفعال مختلفة، فهذا النوع من الغناء – المهرجانات – أصبح منتشرًا بشكل كبير على نطاق واسع، ليس داخل مصر فقط بل خارجها أيضًا، فقد أصبح له جمهوره العريض في العالم العربي أيضًا.

أعتقد أن المجتمع والفن متأثران ببعضهم البعض، تربطهما علاقة تبادلية، فكل منهم يؤثر ويتأثر بالآخر، وهنا أود أن أضرب مثالًا بالثورة والفترة التي سبقتها والفترة التالية له؛ فنجد أن عددًا من الناس عبروا عن استيائهم وانزعاجهم من ركود الفن وانحطاط الذوق، وأنه لم يعد هناك فن في مصر، فكل الأعمال تتشابه وتتكرر، وأن الفن في تدهور والذوق العام في انحدار، والجيل الحالي لا يعرف شيئًا عن الفن الحقيقي، ولن يتسنى للأجيال القادمة معرفة ما هو الفن من الأساس. ولكن عندما قامت الثورة تفاجأ الجميع بأن المتظاهرين يتغنون بأغان متنوعة بعيدة كل البعد عن الذين انتقدوهم لاستماعهم لها، وأن ما هو قديم ليس بغائب عنهم، بل إنه ربما لم يكن يسمح الوضع بتداولها – الوضع السياسي أو الاجتماعي أو النفسي – لذا لجأ البعض منهم إلى هذا النوع من الفن كشكل من أشكال الهروب.

وتغير شكل الفن المتواجد على الساحة بعد الثورة، سواء على مستوى الأفلام أو الأغاني أو حتى الإعلانات، فأصبح هناك بعض التنوع، وبدأت تظهر ألوان جديدة من الفن. وأصبح الفن في تطور حتى وإن كان بطيئًا.

وبعد فترة عادت الأمور إلى ما كانت عليه، بل ربما أسوأ، على كل الأصعدة، وهنا تفجرت ظاهرة المهرجانات حتى وإن كانت لها جذور قد ظهرت من قبل، فإنها أصبحت متواجدة بقوة وتفاعلت معها قطاعات كبيرة، حتى أن البعض الآن لا يتذكر ون كيف كانت احتفالاتهم قبل ظهورها.

وعلى الرغم من كل هذه التطورات التي طرأت، ما زالت الدولة تتعامل مع كل جديد بنفس أسلوبها القديم والمعتاد، أو الأسلوب الوحيد الذي تعرفه، وهو المنع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد