ما هي مواقع التواصل الاجتماعي؟ كما يظهر من الاسم، هي مجموعة من المواقع التي يُفترض بها أن تخلق حالة من التواصل الاجتماعي بين الأفراد، حيث يلتقي الأفراد هناك لتبادل كل ما يريدونه معًا. يبدو الأمر جيدًا في التعريف، ولعل هذا الغرض الأساسي الذي من أجله بدأت مواقع التواصل، لكن أين نحن الآن من هذه المواقع؟ وكيف ساهمت في الحفاظ على عملية التواصل الاجتماعي؟ هذا ما نحاول التعرف عليه سويًا في المقال.

فن اختيار «الإيموشن»

من المفترض أن مواقع التواصل الاجتماعي مثل الفيسبوك تجعل التواصل بيننا يصل إلى مستوى أعلى، لكن ليس هذا ما يحدث في الواقع حاليًا. فبدلًا من أن تصبح هي القناة الثانية، أصبحنا نقتصر عليها في العديد من الأوقات. بدلًا من الخروج وقضاء الوقت مع الأصدقاء، نلتقي سويًا على أحد المجموعات على «الواتس آب». عوضًا عن الذهاب إلى الأهل، في الأعياد مثلًا لصلة الرحم، نكتفي بمنشور على الصفحات الخاصة بهم، أو إرسال مجموعة من الرسائل المشتركة إلى الجميع. أشياء خالية من الإحساس، لا تقرّب ولا تصل، لكنها تخلق مسافات أكبر.

الدليل الأكبر على ذلك أن عدد كبير من الأشخاص يضع كل مشاعره على الفيسبوك، يغضب وينفعل ويفرح ويحزن في منشوراته. وإذا أراد أن يتشاجر مع أحدهم على سبيل المثال، يستخدم الوجوه التعبيرية أو ما نعرفه نحن باسم «الإيموشنز»، وهو مصطلح من اللغة الإنجليزية بالطبع، لكننا اعتدنا على استخدامه في محادثاتنا اليومية كثيرًا.

حتى أنه يحدث كثيرًا أننا نسأل الشخص الذي لا يستخدم هذه الرموز عن السبب الذي يجعله لا يعتمد عليها، فهي أصبحت تؤدي دورًا هامًا في تحديد فهمنا للحديث، فهناك جمل عديدة كلما تم استخدام رمز مختلف معها، كلما فهمناها بمعنى آخر. وأصبح التعبير عن المشاعر يقتصر على الرموز، دون تفريغ للمشاعر الحقيقية الموجودة في داخلنا. أصبح الشخص الذي لا يستخدم هذه الرموز مخطيء، والحق أنه مهما كانت أهمية هذه الرموز، فهي لا تساوي شيء بجانب تأثير المشاعر الحقيقية!

كيف يمكن تحويل التواصل إلى الواقع مرة أخرى؟

لا يعني ذلك أن نقرر الاستغناء عن مواقع التواصل للأبد، فما نتحدث عنه هنا لا يعتبر «روشتة علاج» يمكن اتّباعها فتنجح. فقد يكون الحل بالنسبة للبعض في الاستغناء عنها تمامًا، وقد لا يناسب هذا الحل البعض الآخر. الأهم في وجهة نظري هو التفكير في كيفية تحويل التواصل إلى الواقع مرة أخرى. بالنسبة لي يمكن الوصول إلى ذلك عبر هذه الخطوات التالية.

1- التفكير في العلاقات التي نحتاج إلى التركيز عليها في الواقع أكثر من العالم الافتراضي، مثلًا علاقة الأصدقاء أو الأهل، وبعد ذلك تحديد الطريقة البديلة التي سيتم اللجوء إليها. أما العلاقات الأخرى مثل علاقات العمل، أو الأشخاص الذين تعرفهم بشكل سطحي، يمكن لمواقع التواصل الاجتماعي أن تؤدي الغرض.

2- لا تواصل اجتماعي أثناء التواصل الواقعي: إذا ذهبت لرؤية عائلتك، أو كنت مع أصدقائك في الخارج، يمكنكم الاتفاق على ألا يستخدم أحدكم مواقع التواصل الاجتماعي أثناء الخروج، ما دام لا يوجد داعٍ لذلك. هذا الأمر سوف يجعلكم تنتبهون إلى بعضكم البعض، تمارسون أنشطتكم التي اعتدتم عليها دون أي مؤثرات أخرى.

3- التعبير عن المشاعر في الواقع: وهي في رأيي نقطة هامة جدًا، فنحن إذا قررنا الاعتماد على مواقع التواصل الاجتماعي فقط لتكون منصة لمشاعرنا، فإن ذلك سوف يجعل هذه المشاعر حبيسة في الداخل. أو مثلًا إن كنت تشعر بالحماس لعمل شيء ما، نفّذ في الواقع دون أن تجعل هذه الطاقة تذهب هباءً على مواقع التواصل الاجتماعي.

4- لا تفتعل المشاعر: وهذه النقطة تكمّل النقطة الماضية، فأحيانًا كثيرة عندما نتحدث مع الناس فإننا نستخدم رموز تعبر عن الضحك مثلًا، في حين أننا لا نضحك ولا نشعر برغبة في الابتسام حتى، وبالتالي لا يصل إلى الشخص الآخر الإحساس الحقيقي منّا. وعليك في هذه الحالة ألا تفتعل المشاعر أبدًا، فإن كنت تضحك حقًا، وقتها استخدم رمزًا يعبر عن الضحك.

5- تقليل التواجد في العالم الافتراضي: العديد منّا يقضي أغلب الوقت في العالم الافتراضي، دون وجود ضرورة لذلك، وبالتالي يقل التواجد في العالم الحقيقي، ويضيع الكثير من الوقت الذي يمكن استثماره في أشياء مفيدة من بينها التواصل الحقيقي. ولذلك فإن التقليل من العالم الافتراضي، سوف يمنحك مساحة للعالم الحقيقي.

يمكن أن نعتبر هذه النقاط الخمسة هي بعض الخطوات التي يمكنها أن تعيد التواصل إلى الواقع، وإلا فإننا سوف نظل دائمًا أسرى العالم الافتراضي، وسنظل نحاول إتقان فن اختيار «الإيموشن» دون أن نفكر في المشاعر التي تختبأ وراء ذلك.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد