قد تلاحظ الكثير من السياسيين والنشطاء يقارنون بين محاولة الانقلاب علي الشرعية في تركيا، وانقلاب السيسي ورفاقه في مصر، ويطرحون التأويلات التي تفسر نجاح الأخير، وبقاء الاول مجرد محاول فاشلة.

وبالتأكيد ستصادف تأويلات مثل: لأن القوي السياسية المعارضة والمؤيدة في تركيا وقفوا صفًّا واحدًا، ولأن الإعلام والشرطة وقفوا بجانب الرئيس أردوغان ورفضوا الانقلاب، على عكس ما حدث في مصر، ولأن الشعب التركي احتشد في الميادين ليواجه العسكريين فوق جسر «البسفور»، وفي مطار «أتاتورك» الدولي، وهذا أيضًا عكس ما حدث في مصر حين نزل جموع الشعب المصري ليرقصوا ويهللوا بجانب الدبابات في 30 يونيو.

بالطبع كل هذه الأسباب صحيحة، ولكن -في وجهة نظري- كان السبب الأهم هو تفوق تخطيط الانقلابيين في مصر على تخطيط انقلابيي تركيا، ودعونا نتناول الجانب المصري أولًا.

فالانقلابيون في مصر طيلة فترة حكمهم قبل ضياع الحكم منهم بعد ثورة يناير، كان الهدف الأساسي عندهم هو إعداد جيل من الجهلة والسّذج لا يفكر أبدًا، ولا يعُمل عقله أبدًا، ولا يملك وعيًا، بل لا يدرك معني الكلمة أصلًا، وبالتالي لن يفكر أبدًا في الثورة، وإن فعل ذلك فسوف يكون من السهل امتصاص هذه الثورة والانقلاب عليها بسهولة، وإعادة الحكم مرة أخرى إلى حظيرتهم. وسعوا لتحقيق ذلك الهدف من خلال عدة وسائل مثل:

– إعداد أجيال لا تفقه في حياتها شيئًا سوى البحث عن الطعام والشراب، من خلال إنشاء دولة لا تقدس العلم ولا تهتم بالمتعلمين والمثقفين أصلًا، بل وتزدريهم.

– وضع أنظمة تعليم تدحض أي محاولة للتفكر وتحث على الحفظ دون إدراك، حتى لا يرقى عقل المواطن ويبدأ في البحث عن حقوقه.

– جعل حياة كل مواطن صعبة مليئة بالمعضلات التي يبثها النظام، فيُفني حياته كلها وهو يحاول حلها، وبذلك يتم إلهاؤه عن مراقبة أداء حكومته.

– تجنيد مؤسسات الدولة المحورية من شرطة وقضاء واقتصاد لصالحهم من خلال جعل أبناء هذه المؤسسات أعلى طبقات المجتمع البيروقراطي، وإغداق ثروات الدولة عليهم، فيستميتوا في الدفاع عن النظام ليبقوا على ذلك الوضع.

– السيطرة على الإعلام وتأميم الصحف للسيطرة على عقول البسطاء من خلال نشر إنجازات وهمية تـُشعر الناس بتقدم وهمي، وتبرير أي عمل يقوم به النظام، وإظهار الحاكم كملاك لا يخطئ ولا يجوز نقده، وقد اتضح ذلك أكثر بعد الخطاب المسرب للواء يعمل نائب رئيس جهاز أمني في الدولة إلى مدير إدارة الإعلام بجهاز أمني آخر، والذي نشره الأديب «علاء الأسواني».

– منع أي محاولة للتعبير عن الرأي أو النقد في سياسة الحكومة، والتعامل مع من يقوم بذلك بالاعتقال والتعذيب والمعاقبة بالحبس مدى الحياة، أو الإعدام أحيانًا.

كل هذه الوسائل حققت الهدف المرجو، وأعدت أجيالًا ساذجة لم تفرح حتى بعودة الديمقراطية والحرية في بلدهم بعد الثورة، ولم يحافظوا على أول رئيس مدني منتخب منهم، بل وصدقت كل ألاعيب الجيش وإعلامه بكل سهولة، وفرحت بالانقلاب أكثر من الانقلابيين أنفسهم.

أما الانقلاب في تركيا كان انقلابًا رخوًا، خاليًا من الحنكة والتخطيط، ويعتمد على العنف واستخدام السلاح فقط، وهذا بالطبع لا يجدي نفعًا مع شعب يملك من الوعي ما يجعله يدرك معنى الديمقراطية، ومعنى الانقلاب العسكري. شعب على علم بتجارب الحكم العسكري في معظم بلدان العالم. شعب تربى وتعلم في مدارس وجامعات راقية -مقارنة بمدارس وجامعات مصر- تربيهم على إعمال العقل.

هناك أيضًا سبب مهم جعل محاولة الجيش في مصر محاول ناجحة، وهو عدم وجود مانع لديهم لسفك الدماء وتسوية المجازر والمذابح في كل من يقف في طريقهم مثل مذبحة رابعة والنهضة ومسجد الفتح، على عكس انقلابيي تركيا الذين انسحبوا قدر المستطاع عندما تظاهر المدنيون ضدهم، ورفضوا الانقلاب. وأظن أن اختلاف الإستراتيجية -في التعامل مع خصوم الانقلاب- هنا نابع من اختلاف التربية العسكرية التي يتربى عليها الضابط أو المجند. ففي مصر يتم تربيه الشخص المنتمي للمؤسسة العسكرية على أنه أعلى من الجميع، وأنه السيد، والباقون ما هم إلا عبيد، ويترتب على ذلك كثير من الاعتداءات، وترى القتل أصبح بالنسبة لكثير منهم أمرًا عاديًا، وهذا بالضبط ما حدث في تسعينات القرن الماضي أثناء الحرب بين قبيلة «الهوتو» الحاكمة وقبيلة «التوتسي» في روندا عندما صور إعلام الهوتو أعداءه بأنهم حيوانات بشرية لا تستحق العيش، فترتب على ذلك مجازر راح ضحيتها آكثر من 800 آلف شخص من قبيلة التوتسي فقط.

 

الخلاصة هي أنه إذا أردت أن تقوم بمحاولة انقلاب ناجحة، فعليك أن تعد له بإنتاج أجيال من الأغبياء حتى يؤيدوك ويساعدوك، وأنت تنقلب على إرادتهم واختيارهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد