يسعى الدعاة من مختلف مواقعهم إلى نشر الرسالة الربّانية التي جاء بها الأنبياء جميعا عليهم السلام، ووفّى بها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وهذه الرسالة لا يتم الوصول إليها إلاّ برؤية واضحة وهذا ما يسمى بالبصيرة بمفهومها الدعوي الشامل أو ما يسمى في العصر الحديث بعلم التخطيط بمختلف مراحله الضرورية، فلابدّ على كلّ داعية نذر نفسه على العمل على حمل هذه الأمانة العظيمة سواء في جماعات منظّمة ومهيكلة أو العاملين في حقل الدعوة الفردية أن يفقهوا هذا المجال جيّدا لأنه الضمان نحو السير الصحيح على طريق الدعوة إلى الله.

ويعرّف التخطيط على أنّه التفكير اللازم قبل تنفيذ الأعمال وتصميم المستقبل المأمول انطلاقا من تشخيص الواقع وبناءً على معرفة دقيقة بالإمكانات والوسائل المتاحة.

فحاجة الدعاة إلى التخطيط اليوم حاجة ملحّة وليست ثانوية، لأنه يسهم في النهوض بالأعمال الدعوية والارتقاء بها حتى تتحقق الأهداف المرجوّة بإذن الله تعالى، ثم بجهود الدعاة الصادقين المخلصين.

فالتخطيط مهارة تساعد على تحديد أهداف وغايات البرامج والمشاريع الدعوية، ويفيد في حسن الأداء أثناء التنفيذ والتقييم، وفي اختيار طرق الدعوة المناسبة والملائمة لكل عامل بحسب قدراته وإمكاناته والمتوافقة مع طبيعة البرنامج والأهداف المرسومة له، وبحسب بيئته المحيطة به، حيث كل بيئة تختلف عن أخرى.

كما يجعل توقّع المعوقات أثناء التنفيذ أمرًا ممكنًا وسهلًا، حتى لا يتفاجأ بها الدعاة أثناء أو قبل تنفيذ البرنامج، وحتى يكونوا بإذن الله أكثر أمانًا وأقلّ عرضة للمفاجآت التي قد تُذهب جهودهم أو تضعف ثمار هذا العمل، إضافة إلى أنّه يساهم في معالجة الخطأ في الوقت المناسب وقبل أن يتراكم فتصعب الرؤية أو تصبح مستحيلة.

كما يسهم في ترتيب الأوليات لدى القائمين على الخطة الاستراتيجية مما يساعد في اختيار الأهم منها عند حدوث تضارب أو تداخل، أو عند الحاجة لتقديم برنامج على الآخر أو إلغاء أحدهما أو غير ذلك، كما يساعد على توفير كثير من النفقات المالية والجهود البشرية التي توضع في غير موضعها بسبب ضعفه أو انعدامه (التخطيط)، ويفيد في التنسيق بين المؤسسات الدعوية وبين العاملين في الساحة الدعوية بأشكال مختلفة.

وفي حقيقة الأمر فإنّ هذا الأمر (وضوح الرؤية) لازال غائبًا في كثير من المؤسسات الدعوية وعند كثير من العاملين فيها لعدّة أسباب، أبرزها جهل الكثيرين به وبخطواته اللاّزمة، وعدم معرفة أهميته في تحقيق الغايات، أو لعدم القناعة بفنّ التخطيط أصلًا والشعور بأنّه مضيعة للوقت، بل قد يراه البعض قيودًا موضوعة على أنفسهم فقط، كما أن بعض العاملين لا يصبرون على الأهداف الطويلة المدى فتراهم يغرقون في الأمور العاجلة والطارئة ويستسلمون لتفاصيلها فيحسبون أنفسهم أنهم يقومون بواجبهم وبأنهم منشغلون دومًا متناسين أنهم يعملون في خانة الطوارئ فقط. وبهذا فإنهم لا يفرّقون بين المهّم والأهم، ولا بين العاجل والمستعجل.

ويجب على كل عامل في حقل الدعوة إلى الله أن يدرك خطوات التخطيط الضرورية بدءًا بمرحلة التشخيص التي تساعد في مرحلة وضع الأهداف ثم التجسيد الميداني وصولًا إلى التقييم الشامل والدقيق للخطط والبرامج الدعوية.

أوّلًا: مرحلة التشخيص وهي أولى مراحل التخطيط، بل هي أساسه، ونجاح عملية التخطيط كلّها مرهون بنجاح مرحلة التشخيص، فهذه المرحلة تمثّل 50% من نجاح العملية كاملة، فلا يعقل للمؤسسة الدعوية أو لمجموعة العاملين أن لا يدركوا مواطن الضعف ومكامن القوّة في بيئتهم الدعوية وفي أنفسهم أن ينجحوا في تحقيق أهدافهم وإيصال رسالاتهم، ولا يمكن لهم أن يغفلوا عن جملة الفرص المتاحة لهم ولا عن مجموعة التحدّيات التي قد تواجههم أثناء سيرهم على طريق تنفيذ برامجهم السامية.

حيث وجب إنجاح عملية التشخيص الدقيق من خلال تحديد نقاط القوة ونقاط الضعف ثم تحديد الفرص المتاحة والمعوقات الممكن مصادفتها على الطريق.

ثانيًا: مرحلة التهديف، وهي وضع الأهداف بمحاولة تلافي مكامن الخلل والضعف والتركيز على تثبيت مكامن القوة، مستعينين في ذلك باستغلال كل فرصة متاحة لهم في محيطهم الدعوي من برامج وكفاءات ووسائل وتقنيات… إلخ، ومتجنّبين في ذلك للمعوقات التي قد تفاجأهم على الطريق.

ووجب أن يحمل كلّ هدف دعوي مجموعة من المواصفات حتى يسهل تطبيقه وتقييمه كأن يكونّ مربوطًا بأجل زمني معيّن، وأن يكون قابلًا للتطبيق في بيئتهم وأن يبيّن طموح الدعاة بأن يكون هدفًا كبيرًا يحلم الآخرون برؤيته يتحقق على أرض الواقع، وأن يكّمل كل هدف بقية الأهداف الأخرى من أجل تحقيق الرؤية الواحدة.

كما أنّ هذه المرحلة مهمّة جدًا، حيث تحدّد فيها المهام وتعيّن فيها المسؤوليات وتوضّح فيها كل الإمكانيات والوسائل – المادية والبشرية – التي يحتاجها هؤلاء لتحقيق كل هدف حتى يسهل التقييم في نهاية أجال هذه الرؤية الطموحة.

ثالثًا: مرحلة التنفيذ، وفيها يبدأ العاملون في تجسيد شعار (نحن قوم عمليون) وهذه العملية تحتاج إلى الصبر والنفس الطويل وأن يلتزم فيها العاملون بالشعار القرآني الكبير (إنّه من يتق و يصبر فإنّ الله لا يضيّع أجر المحسنين).

رابعًا: مرحلة التقييم، وهنا يحاسب العاملون أنفسهم دون تراخ أو جلد للذات، بل هو تقييم موضوعي من أجل معرفة نسبة التقدم في الخطة المرسومة سلفًا، ومن أجل معرفة كل الاختلالات وأسبابها حتى يكون الأمر سهلًا في الرؤية التالية التي يبنيها العاملون من أجل إنجاح مشاريع الدعوة إلى الله عزّ وجلّ.

ويفضّل أن يتم إشراك جميع العاملين في حقل الدعوة بمختلف مستوياتهم ومواقعهم الدعوية في عملية التخطيط خاصة في مرحلته الأولى (التشخيص) وهذا حتى يحسّ الجميع بأنّهم ساهموا في صناعة هذه الرؤية وبأنّ هذه الأخيرة أصبحت جزءًا من برامجهم وخططهم الشخصية، وبأنّهم ملزمون تجاهها بالتنفيذ والمتابعة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!