هل جربت إخافة طفلك بتهديده إن لم يستجب لك بأنك ستأخذه إلى الطبيب، أو المضمد لتعطيه حقنة؟ هل تعلم أنك صنعت في مخيلة ابنك عدوًا من حيث لا تعلم؟ هل تعي أن الطفل سيعادي الحقنة وسيعادي من يعطيها ومن يحرض على استخدامها؟ هل تعلم أنه سيوجه عداءه إلى العلاج والمعالج ولن يفكر بالمتسبب وهو المرض؟ هل تعلم أنك حميت المسبب من الكراهية لأنك عاجز عن إخافته منه؟ فماذا لو أخفته من المرض؟ وما يسبب المرض؟ فهل سيعتبر الطبيب والمضمد عدوًا؟ أم صديقًا يحاول المساعدة أو أداء عمله وواجبه، وإن كان بأجرة وليس بالمجان؟

في الحقيقة أنا لست بصدد الكلام عن صناعة العدو للأطفال، وإنما الحديث سيتناول فن صناعة العدو عند الكبار، وفي أوساط مجتمعية متفاوتة الثقافات، والطوائف والقوميات، فهذا الموضوع بحاجة إلى عدة عوامل؛ ومنها العامل الإعلامي، والذي يسوق للجمهور صورة عن الهدف المراد صناعته، مثل العدو والذي يكون قادرًا على خلق الكراهية تجاهه، فيصبح في مخيلة الناس مثل الحقنة في مخيلة الطفل، لا ينظرون إلى جانبه الإيجابي بل إلى جانبه السلبي فقط، وهذا هو حالنا الحالي، وتستطيع مشاهدته من خلال شاشات التلفاز، ولا سيما ما حصل في مباراة جرت بين فريقين عربيين على أرض عربية، إلا أن ردود أفعال الدولة والجمهور كانت لا تتناسب مع أواصر القرابة والصلات بين الشعبين؛ وكل ذلك كان بسبب تسخير الإمكانيات الحكومية لتوجيه الكره والغل على أبناء الشعب الآخر، والذي ظهر على تصرفات الأفراد.

أعداء العراقيين

العراقيون ينقسمون إلى عدة اتجاهات، ولكن أبرزها اتجاهين؛ أحدهما يكره إيران، ويعتبرها العدو اللدود؛ وذلك بناءً على معطيات تاريخية قديمة، منذ أن كانت بلاد فارس تدين بالمجوسية، ووصولًا إلى اتهامها بزرع الميليشيات، وإفساد البنى التحتية للعراق، واستنزاف خيراته، إضافة إلى تحميلهم جرائم الحرب التي جرت خلال ثمانينيات القرن المنصرم.

أما الجانب الآخر فهو يكره دول الخليج بشكل عام، وعلى رأسها السعودية، وكذلك يشمل البعض الأردن، وهذا الكره والعداء ناتج عن ممارسات طائفية قديمة، تراكمت حتى وصلت إلى اتهامهم بتصدير الإرهاب إلى العراق، والتسبب بالحرب الطائفية، وقتل الأبرياء من أبناء الشعب العراقي، وتشريد الآخرين.

لكن عندما نتكلم عن أمريكا وحلفائها، فهناك تعاطف شعبي معهم، وإن كانت الأفواه تصدح بما لا يصدح به القلب، فهم يعلنون عدم حبهم وبغضهم لأمريكا، في الوقت نفسه فإن أي عراقي يعرض عليه الجواز والجنسية الأمريكية، أو الكندية، أو أي دولة من دول حلف الناتو فإنه لن يرفض ذلك؛ وهذا بسبب أن الحياة في تلك الدول توفر له السكينة والاطمئنان، والحماية، والعيش الرغيد.

ولكن لو قارنت الضرر الذي تلحقه إيران والسعودية بالعراق لا يقاس إطلاقًا بالضرر الذي صنعته وتصنعه أمريكا والدول الحليفة معها، ورغم كل ذلك لا يستطيع من يكره إيران أو السعودية أن يكره أمريكا بقدر كرهه لهما، والسر يكمن في أن أمريكا استطاعت أن تصنع بفنها الإعلامي عدوين يغطيان على جرائمها التي ارتكبتها بحق العراقيين.

نسي العراقيون جنودهم الذين أحرقتهم الطائرات وهم منسحبون من أرض الكويت، ونسوا أيضًا الحرب الدفينة والتي تلت انسحاب العراق من الكويت، حيث كانت الطائرات الأمريكية تقصف المدن باستمرار، وتسقط الضحايا من المدنيين العزل، ولعلهم تناسوا أو يتناسون ما صنعته قنابلهم المشعة بالأجيال التي تأثرت به؛ لتجد أطفالًا يعانون من السرطان، بسبب تعرضهم إلى الإشعاع، من غير أن نذكر الذين توفوا في فترة ما قبل سقوط نظام البعث، ولن أذكر ما فعلته أمريكا بعد عام 2003 من انتهاكات بحق العراقيين، ولكن سأكتفي بأن نستذكر كيف صنعوا الإرهاب والقاعدة في العراق مثلما صنعوها في أفغانستان؟ فهم فنانون في صناعة البعبع المخيف، وفنانون في التخفي، وإظهار صورتهم الجميلة الإنسانية، وحسن تعاملهم واحترامهم للإنسان، ناهيك عن سرقاتهم العلنية، واستنزافهم لخيرات العراق، وفرضهم للعملاء ليحتلوا مناصب في الدولة.

علينا أن نحذر هذا الفن، وأن نقيّم عدونا الحقيقي، والذي يريد أن يدمرنا بشكل كامل، ونحن منخدعون بعداء أشباح لا نفع بهم ولا ضرر، أعداء في مخيلتنا، لم يحققوا عُشر ما فعلته أمريكا من القتل والسرقة، حتى حكومتنا الحالية هي هجينة، ومن فيها يمتلكون جنسيات مختلفة، كلها ترجع إلى أمريكا، ومن يحالفها ويساندها، وهم يفعلون ما يؤمرون به، فهم أصنام الشطرنج يتحركون كما يشاء اللاعب.

هل إيران والسعودية دول صديقة؟

لا صداقة عندما تتضارب مصالح البلد مع مصالح بلد آخر، كل واحد يريد لنفسه المنفعة والنجاة، وهذا هو واقع حال الدول الجارة للعراق، تريد أن تنجو بأي طريقة، وإن أضرت مصالحنا، ولكنهم ليسوا بأشر أعدائنا، فهناك من هو أكثر شرًا وخطرًا منهم، هم يتحركون بحسب حركات أمريكا، فلو ضغطت على إيران فإنها بالنتيجة ستتدخل في شأن العراق، وإن ضغطت على السعودية فإنها أيضًا ستتدخل مثل إيران، فكلاهما ليس مصدر المشكلة، ولكنهما السلك الموصول مع المصدر.

والحمد لله رب العالمين!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد