قراءة من كتاب

في كتاب فنّ الرواية، يشرعُ ميلان كونديرا في الإجابة عن أسئلةٍ دقيقةٍ لوصفِ الرواية؛

ما هي الرواية؟

ما الذي تحمله لنا؟

ما ضرورتها في هذا العالم؟

وهل هي وجهٌ آخرٌ للفلسفة؟

قَدمتُ في الجزءِ الأول من هذه السلسلة، التي تتكلم عن كتاب فنّ الرواية، بعض الإجابات المُستندة على نظرة ميلان كونديرا للأدب وفنّ الرواية، وسوف نُكمل بالجزء الثاني ما تبقى من أقسام الكتاب، الأقسام الأكثرَ تميّزًا.

طالما كان ميلان كونديرا مهووس بالأرقام، ولكن ما سرّ هذا الهوس بتقسيم الكتاب لأرقامٍ مُفصّلةٍ؟

يرى كونديرا أنَّ الرواية، أو تلك المقطوعة الموسيقيَّة كما يصفها، يجب أن يكون بها كل قسم مستقل بذاته في طريقة السرد، ولا يقصد هنا التغيريات الجذرية أو الانتقالية بالأحداث أو بالأماكنِ في الرواية، كما نعرفها بطريقة الكتابة الكلاسيكيَّة، بل يقصد وضع صيغة سردية خاصة لكل قسم، ليعيش القارئ جميع زوايا رؤية المُتخيِّل؛ السرد السببي، السرد البنائي، السرد الحلمي.

وهذا ما يسبب سرعة النبض في الرواية، مثل الموسيقى عندما تهدأ، وأنت تهدأ معها، ومن ثمَّ تعلو ويتسارعُ نبضك مع وتيرةِ الضجيج، برأي كونديرا أنه يجب على القارئ أن يعيش نفس ذلك الشعور مع الرواية، ويجب أن تُقسَّم الرواية بشكلٍ مُرقّم يوفّر له التعايش مع تفاصيلها وكأنه يستمع لمقطوعةٍ موسيقيةٍ لا تُنسى، تنسجمُ معها حتَّى النهاية.

القصيدة هي هُناك، مُتخفية في مكانٍ ما

يبدأ ميلان كونديرا هذا القسم بمقتبس من يان سكاسيل، ويقول به؛

الشعراءُ لا يبتكرون القصائد، القصيدة هي هناك، متخفية بمكان ما، هي هناك منذ زمنٍ طويلٍ جدًّا، الشاعر لا يعمل سوى أن يكشف عنها

وينتقل بنا من هذا المقتبس نحو رواية «جوزيه سكفورسكي» ليُكمل فكرته، ولتكون أيضًا مثال دقيق لشرح معنى الأدبِ الكافكويّ، إن كلمة «كفكاويّة» المُستنبطة من عمل فنّيّ روائيّ، والتي تمَّ تحديد معناها فقط بواسطة الصُّوَر التي ألّفَها روائيّ، تبدو وكأنها القاسم المُشترك الوحيد لحالاتٍ أدبيّة وواقعيّة على حدٍّ سواء، والمفتاحُ لتفهمها هو علمُ السياسة أو الاجتماع أو سايكولوجية الذات البشرية.

لكن لنشرح معنى كلمة الكفكاويّ بشكلٍ أدق، وهُنا قدّم لنا كونديرا أربعة مظاهر تصف الأدب الكفكاويّ.

المظهر الأول: هو وصف متاهة اللانهاية في العمل الروائيّ، نستطيع وصف ذلك، وبكلِّ دقّة، أنها الورطة التي يقع بها الإنسان دون بصيصِ أملٍ للخروجِ منها، وكأنهُ في متاهةٍ مظلمة، واشتهر الأدب الكافكوي بإسقاطه لهذه الفكرة على الأنظمة المخبارتيّة والاقتصادية والسياسية القمعية، وهذا تجسَّدَ بشكلٍ دقيق في رواية -المسخ- التي لم يكن الرعبُ بها بالنسبةِ للمسخِ أنه تحول إلى حشرةٍ غريبة، بل الرعبُ الحقيقيّ، وما كان يشغلُ باله، هو نظرة عائلتهِ ومديرُ العمل إليه، وكأن الرعب من هذا النظام الاستغلالي والرأسمالي كان رعبًا أشدُّ فتكًا من تحولهِ إلى مسخ، وكان هذا الطابع غالب على أغلب رواية كافكا، وروايات أُخرى نستطع وصفها بالأدب الكافكويّ.

المظهر الثاني: يُشَبِّه وجود بعض الشخصيات في الرواية، أنه يشبه وجود ظل خاطئ في المتاهة المظلمة، وهذا الظل يغلب عليه طبع المثالية في التعامل والنظرة للأمور، وبذلك يتم تقسيم العالم إلى قسم أفلاطونيّ يسعى وراء المدينة الفاضلة، وهم من يشكلون الظل الخاطئ، لعدم قدرتهم على تفهم حقيقة العالمِ العبثيّ، وقسمٌ مادي، بشري مادي، يسعى إلى حقيقة الحقيقة في هذه المتاهة.

 يُشير الأدب الكافكوي أن هذه الأقسام متصادمة بشكلٍ تام، فالإنسان الذي يعامل هذه الحياة على أنها يجب أن تكون مثالية بشكلٍ تام، مدينةً فاضلة، سوف ينتهي به الأمر بتعبٍ مُزمن من التصادُم مع القسم الآخر، كما أنه سوف يتصادم مع خقيقةِ الحقيقة -الحياة العبقية وغير العادلة- وإن صح التعبير، هو يتعب من انعكاسِ أوهامه الخاطئة في خيالهِ المَحدود.

حاول مفسرو الأدب الكافكويّ وصفه على أنّهُ أدبٌ لاهوتيٌّ، ولكن كونديرا عارض تلك الفكرة، بل وصفها بمصطلح «اللاهوتيَّة الزائفة» وهذا لأنه يرى أن كافكا قد لمس الواقع البشري والتفاصيل الإنسانية بشكلٍ كامل، دون الاستناد إلى الرمزية الدينية ومحاولة تفسيرها أو الاستعانة بها. وفسَّر ردّة الفعل تلك، من مفسري الأدب الكافكوي، على أنه تفسير للاهوتي -كما تم وصفه- بأنهُ؛ أينما تتألّهُ السلطة، تُنتجُ آليًا لاهوتها الخاص بها، وأينما تتصرفُ مثل إله، توقظ اتجاهك مشاعر دينيّة.

المظهر الثالث: يبدأ بشرح هذا المظهر بشرح شخصية راسكولينكوف في رواية الجريمة والعقاب للروائيّ ديستوفيسكي، وكيف تحمّل عبء ذنبه، ليستريح في أرضِ القعاب، وهي حالةٌ معروفة عندما تبحثُ الخطيئةُ عن العقاب، أمّا في الأدبِ الكافكويّ أسوأ من ذلك، فالضحيةُ مغلوبٌ على أمرها، والمُعَاقَب لا يعلمُ سببَ عقابهِ، وهذا يعيدنا للمظهر الأول من الأدب الكافكويّ، وهو المتاهة المُظلمة، متاهةُ المتاهة، حتَّى أنَّ الضحية تبدأ بالبحثِ عن ذنبها، ويودُّ لو يَشرح لهُ أحدهم سببَ العقاب، فيترجّى الجلادَ لكي يعترفَ لهُ ما ذنبه، ويرتاح.

يُذكرني هذا المظهر بأحد المقتبسات التي سردها ميلان كونديرا في النصف الأول من الكتاب، حيث يقول: من الصعب أن يكون المرءُ شهيد اللاشيء.

يشرح كونديرا ذلك من خلال مثال من رواية سكفورسكي؛

ما دام ك. لا يعرف التهمة الموجهة إليه، فإنَّهُ يقرِّر، في الفصلِ السابع، أن يستقصي حياته كلها، وكلَّ ماضيه، حتى في أدنى تفاصيلهِ أهميةً. آلة الشعور الذاتيّ بالذنب، شرَعت في الاشتغال، إن المتهم يبحثُ عن خطيئته!

المظهر الرابع: وهو ما وصفه كونديرا بالرعبِ الهزليّ، ويرافق ذلك من سرد من رواية سكفورسكي ذاتها، التي استخدمت مثالًا لشرح المظهر الثالث من الأدب الكافكويّ، فيقول كونديرا:

إن الكافكوي يقودنا إلى داخلِ المزحة، إلى جوفها، إلى الرُّعب الهزليّ.

في الرعب الهزلي، لا يتم تمثيل الكوميديا بذاتها «التراجيكوميدي» بل إن المأساويّ هُنا ليس ليجعل الرعب أقلَّ حدَّة وقابلية للتحمّل، بل يجعلهُ أكثر رُعبًا.

ستُّ وستّون كلمة

يشرح ميلان كونديرا في هذا القسم كيف بدأ بالتفكير بالكلمات المفتاحية للرواية، وتم ذلك بعد أن تُرجِمَت روايته «المزحة» بعدَّةِ لُغاتٍ مُختلفة، وهذا ما ترك أثرًا كبيرًا في نفسه، فشعرَ بضياع جزء كبير من عمق روايته بين تعدد الترجمات واختلافِ المصطلحات، وهذا ما كان الدافع الأول ليصنع قاموسه، وفي هذا القسم من الكتاب يعرض لنا كونديرا قاموسه بالكامل، وهو في القسم الأخير من الكتاب؛ الكلمات ذات الصدى القوي، الذي يصعب على القارئ تجاوزها دون أن يصله المعنى المقصود، ويرافق تلك الكلمات رؤية كونديرا لها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد