قد يكون المحتوى غير مقبول من البعض، بل إنه لن يكون مقبولًا على الإطلاق كما أعتقد؛ فالخلط بين الفن والإبداع هو من الأشياء الشائعة، وضحدها ليس بالشيء المقبول بالنسبة للأغلب، لكن عليك أن تعلم أنني كفرد فأنا أحب السينما والمسرح بحق، لكن هناك فرق بين كوني أحبها واحترمها هي والقائمين عليها، وكوني لا أحترمها كفن.

ماهية الفن

لست هنا كي أضع مفهومًا تامًا للفن؛ فبين جادامر وفوكو وسوريو وجون ديوي وغيرهم من عمالقة الإستاطيقا في تعريف الفن، لكنني سأطرح بعض التفاصيل المتفق عليها، ومنها سنصل في النهاية إلى غاية المقال الأساسية.

في مجموعته القصصية أن والقانون والفن يقول توفيق الحكيم (واسمحلي أن اقتصد من الحوار ما يهمنا):

هنالك خاتم من ذهب وآخر من نحاس، قد يصنعهما صانع واحد بعين الشكل وعين البراعة، ولكن النحاس يصدأ بعد وقت والذهب يبقى، الفوارق بين الذهب والنحاس هي فوارق في الإشعاع والزمن .. والأمر كذلك في الإشعاع والزمن.. والأمر كذلك في الفن.. فهناك عمل فني بارع جدًا ولكن إشعاعه ضعيف. والإشعاع غير البريق.. فقد يكون له بريق خاطف حقًا، كبريق النحاس المجلو، ولكنه يصدأ بعد حين. وتاريخ الفن يدلنا على أعمال فنية كانت غاية في البراعة والبريق في عصرها، ثم صدئت وانطفأت بعد ذلك انطفاءة الأبد، كما يدلنا غلى أعمال فنية أخرى لم يكن لها مثل تلك البراعة والجاذبية واللمعة وقتها، ولكنها استطاعت أن تحتفظ بما لها من إشعاع داخلي على مدى العصور التالية. إن البريق وحده يخطف الأنظار، أما الإشعاع فقد لا يخطف الأبصار كثيرًا، ولكنه ينفذ إلى أعماق النفس وإلى أبعاد الزمن: أي طبفات الأجيال.. الزمن هو البعد الرابع عند أينشتاين، ولكنه ربما كان البعد الأول في الفن الحقيقي.

لن استدل على قلة القيمة الفنية للسينما بكونها ذات بريق عظيم، فليس معنى كون الشيء له بريق أنه ليس له إشعاع، لكن دعنا هنا نعلم ماذا يجعل للعمل الفني إشعاع ما؟ هل هو الهدف؟ دعني أؤكد لك أنه ليس بالعامل، هل تعلم للموناليزا هدف؟ للوحات فان جوخ؟ هل أعمال شكسبير لها من الهدف مثل أعمال إسحاق باشيفيس سنجر على سبيل المثال؟ هل أعمال إسخولوس التي كان يكتبها لرزقه كأعمال داريو فو أو أندريه جيد؟ وبالتأكيد ليس البراعة كما أخبرنا توفيق الحكيم؛ إذا هل الصدفة؟.. كما يقول جادامر الفن يعتمد في أساسه على عنصرين: المخرج، والمشاهد. هل إذا أريت لوحة لفيلهو لامبي لطفل ما، أكان ليقدرها ويحترمها؟! هل إذا أريت ناقدًا فنيًا لوحة لطفلة في مدرسة ابتدائية لاهتم؟ قد تفهم دور المخرج من إبداع ووضع هدف، لكن ما هو دور المشاهد؟

المشاهد

دور المشاهد لا يقتصر على استيعاب العمل، هناك مشاهدون يرون لوحات لـفرانشسكو جويا أو لـبيكاسو ويفهمونها ولا ترى فيهم من الانبهار أو الانتشاء شيء كما مشاهد آخر قد لا يصل استيعابه حتى لفهم اللوحة!

أيضًا لم لا نُسمي الطبيعة فيما حولنا بفن؟ نحن نسعد بها وعايشنا فيها حياتنا وبها من المناظر والإتقان ما يكفي ليُذهب أدمغتنا، لها المخرج (أكنت صاحب دين أو لا، أكنت ملحدًا أو لااكتراثيًا، فالله أو الرب أو الصدفة هم  مخرجون) ولها المشاهد الذي هو أنت، لم لا تدعوها بفن؟.. لأن الفن هو محاكاة لها، الأدب محاكاة للنفسيات والمجتمعات، اللوحات هن محاكاة للمشاعر الإنسانية وللطبيعة، و هكذا، والمحاكاة تحتاج لطرفين، شيء يحاكي، وشخص يحاكي المحاكاة، بمعنى أن المشاهد هو مخرج في نفسه، يُمثل أن العمل الذي أمامه هو حقيقة تتجلى فيها الحقيقة بقيمة مادية بعد تخلص الطبيعة من عرضياتها، وكي تفهم بمعنى أوضح، المحاكي (أعني العمل الفني) ليست مهمته تصوير الطبيعة (أو المشهد الإنساني أو أيما يصور)  كما هي، بل أن يتخلص من الزوائد؛ ليتجلى الهدف أو الفكرة فيها بصورة أوضح للمحاكى (أي المشاهد)، ولأن الهدف أو الفكرة لم يكن ظاهرًا للمشاهد في صورته الأصلية في الطبيعة، ولأن الَشاهد الجديدة خلابة؛ يقف أمامها المُشاهد منبهرًا!

 لكن ماذا لو فهم المشاهد أن ما يشاهده هو من وحي خيال المخرج فقط وليس له وجود؟ أو لنسأل السؤال بطريقة أوضح، ماذا لو وضع المشاهد فكرة أن ما يشاهده هو مجرد خيال في عقله، هل سيستمتع بما يرى؟ بالطبع لا، وأزعم أن هذا ما يحدث مع من لا يشعرون بالفن.

فالقيمة الفنية والإشعاع يخرجان فقط إذا كان المشاهد يحاكي، وإذا كان العمل الفني قابلًا للمحاكاة، وكلما على دور المشاهد  كلما علت القيمة، فكلما شارك المشاهد في العمل الفني كلما بقي بريقه؛ فلا يستطيع الشخص نسيان ما فعله هو!

السينما والــ3D وأشياء لعينة غيرهما

في عصر تطور فيه الفن رسمًا من عصور النهضة (لعينة القيمة الفنية من نظري) حيث لم يبق من لوحات عصور النهضة إلا ما يعد على الأصابع (مجازًا لعدد اللوحات المهول في هذه الفترة) – مع أن لوحات عصور النهضة كانت أكثر واقعية وبراعة من كل العصور – إلى المدارس الرومانتيكية، ابتداءً من التعبيرية إلى الانطباعية وما بعد الانطباعية والتكعيبية تعظيمًا لدور المشاهد، ثم انتقال الفن إلى ما فوق الواقع مع السريالية ومحاكاة السريالية للعقل الباطن، ثم أخيرًا إلى التجريدية وتطوريها مع فاسيلي كاندينسكي لتعظيم دور المشاهد أكثر وأكثر، وفي عصر صعد فيه الأدب كذلك، فبعد أن كان الأدب مستوحىً من التاريخ، أصبح من خيال الواقع، ثم إلى الواقعية السحرية ثم إلى الرومانتيكية، ثم إلى الفانتازيا ليُذهب عقل المشاهد أكثر وأكثر ويُعظم من دوره، وفي عصر صعدت فيه الموسيقى من مجرد غناء مسارح إلى موسيقى خالصة على آلات منفردة إلى سيمفونيات مليئة بالآلات، ثم إلى آلات لا تُحصى عن طريق الـproducers، نرى السينما تندثر بعد مجاراتها لباقي الفنون، فبعد ثورة فانتازيا الأفلام في ثلاثينات القرن العشرين حتى السبعينات، وجدنا الواقعية تعود ووجدنا تقنيات المخرج تكبر وتكبر، حتى وصلنا للـ3D والـ7D وغيرهما، أصبحت السينما الحديثة مجرد وسائل للتسلية إلا القليل، ومن لا يستند للتسلية يستند للواقعية. انحط دور المشاهد وأصبح المخرج يسهُل عليه خداع المشاهد بتقنياته.

لكنني في النهاية أزعم وأتفاءل أن السينما في طريقها للتطور، فبعد أفلام مثل The Hobbit وMother وبعد مساراة السينما للأدب فتحويل الروايات إلى أفلام، وبعد رواج أفلام الـanimation الخيالية، أرى بوادر تطوير واحترام لدور المشاهد أكثر وتعلية من شأنه.

قد لا تقتنع في النهاية، لكن ستقتنع عندما ترى الجيل القادم لا يأبه بالأفلام الحالية، جيل لا يحترم Shawshank Redemption ولا The Dark Knight، ستقول إنهم حمقى، أنهم لا يفهمون ما الفن، لكن في حقيقة الأمر، العيب ليس منهم هم، بل من هذه الأفلام ذاتها، من سخافتها وقلة تقديرها للمشاهد. المشاهد هو مشاهد مهما تغير الزمن، لكنك أنت يا عزيزي من ذقت بريق أفلام جيلك فقط!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

#سينما, فلسفة, فن
عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!