إن أبشع جريمة ارتكبت ضد الشعب المصري، هي الجريمة التي ارتكبتها الأنظمة المتعاقبة على حكمه، وهي جريمة اغتيال فكر المجتمع وتجريف عقلية الشعب المصري، فقد تعرض الشعب المصري لأكبر عملية غسيل مخ جماعي يمكن أن تحدث لمجتمع في تاريخ الشعوب، فلم يحدث في التاريخ تجاه أي مجتمع آخر مثلما حدث تجاه المجتمع والشعب المصري، خاصة خلال الفترة التي أعقبت ثورة 25 يناير 2011.

وهنا نجد أنه في الجرائم التقليدية غالبًا ما تكون الضحية عبارة عن جثة هامدة، أما في جرائم تجريف العقول وقتل حرية الفكر والرأي فإن القتيل هنا هو الكلمة والموؤود هنا هو إبداء الرأي والمنع من مجرد التفكير للمشاركة في بناء المجتمع.

وتأثير جرائم اغتيال الفكر وتجريف العقول دائمًا ما تكون أشد أثرا وأكثر فتكا من جرائم القتل الجسدي، فالمقتول هنا والضحية ليس فردا بل هو المجتمع بأكمله، فالمجتمع الذي يفتقر إلى حرية الرأي، والمجتمع الذي يفتقر إلى القادة الملهمين والذين يوجهونه إلى الحكمة والعلم، مثل هذا المجتمع لا تنتظر منه أن يخرج لك علمًا أو علماء بل سيخرج لك عبيدًا، أيضًا لا تنتظر انتشار الثقافة والأدب ووجود الأدباء، فالأدب الجيد لا يكتبه أدباء جبناء.

إن ما ننتظره من مثل هذا المجتمع هو وجود مواطن جبان في مواجهة ماضيه ومستقبله، جبان في مواجهة حاكمه بل أيضًا منافق في اختياره لحاكمه، وذلك بحكم جبنه، وبالضرورة هنا أيضًا أن يكون جبانا في مواجهة عدوه فالشخصية أبدا لا تتجزأ، فلا يجتمعان الجبن والشجاعة في آن واحد في شخصية واحدة، ولا يجتمعان في مجتمع تربى على العبودية والخوف من مجرد التفكير وإبداء الرأي.

إن حرية التفكير هي الدماء التي تجري في عروق أي مجتمع هي عقله وحياته ومستقبله، فإذا نزعتها يصبح مجتمعا كالقطيع ويصبح شيئا بلا قيمة، يصبح جسدا بلا عقل، بل يصبح مجتمعا له ماضيه، ولكن ليس أمامه أي مستقبل.

وهذا تماما ماأراده الحكام المتعاقبون على الشعب المصري، فقد أدركوا جيدا أن سر قوة الشعب المصري يكمن في شغفه بالعلم وقدرته على الإبداع والثراء العجيب في إخراج العقول المفكرة في مختلف المجالات وعلى جميع المستويات سواء الفن والأدب والعلوم والرياضة وغيرهما مما يثري المجتمع ويساعده على التقدم والازدهار.

لذلك نجد الشعب المصري منذ عقود وهو يتعرض لعملية منظمة وممنهجة تستهدف إحداث تغيير جذري في عقليته وطريقة تفكيره، وذلك من خلال العمل على إحداث تشوهات في علاقاته الاجتماعية وعاداته وأعرافه المجتمعية.

وقد اعتمدت الأنظمة الحاكمة لتحقيق ذلك على الكثير من الأمور الحيوية والخطيرة والتي تؤثر بشكل مباشر في تحقيقها لأهدافها، فقد تعمدت نشر الجهل في المجتمع المصري من خلال إنهاك بل وتدمير المنظومة التعليمية، وذلك بداية بتدمير الصورة الذهنية حول قيمة شخصية المعلم، وانتهاءً بالمدرسة وعدم توفر المناخ الجيد والسليم ليتلقى الطالب العلم، مرورًا بالإقلال من قيمة العلم والعلماء فنجد إهمال تكريم العلماء والمتفوقين وعدم منحهم الرواتب التي يستحقونها، في الوقت نفسه يتم تكريم من هم أدنى مثل لاعب الكرة فيحصل على الملايين وكذلك الراقصة ويتم الإعلان والتشهير بذلك وجعل مثل هذه الشخصيات القدوة والأمنية لكل شاب وشابة مما يؤثر ويوجه المجتمع بشكل غير مباشر إلى ما يريده لهم حكامهم، أيضًا تم إغراق المجتمع وإنهاكه بمشاكله الاقتصادية فانتشر الفقر بين الشعب واختفت الطبقة المتوسطة من المجتمع المصري تقريبا وذلك لإلهائه بالعمل والكد في أكثر من وظيفة في محاولة لتوفير الحد الأدنى من متطلبات الحياة، أيضا انتشر المرض في المجتمع المصري فتجد أن مصر الأولى عالميًّا في الكثير من الأمراض على سبيل المثال الكبد الوبائي والأولى في مرض البلهارسيا والكثير من الأمراض، مع عدم توفر غطاء للتأمين الصحي الذي يوفر للمصريين العلاج الجيد.

كل ذلك جعل هناك مناخًا طاردًا للعقول المتميزة والمبدعة من البقية الباقية داخل المجتمع المصري مما جعل معظمهم يهاجرون إلى مختلف بلدان العالم فنجد حاليا أكثر من 86000 عالم مصري متواجد حول العالم يشارك في نهضة تلك البلدان التي استقبلته، ويساهم بإيجابية في تقدمها، فأصبح المجتمع المصري مجتمعًا طاردًا للعلماء ومستقطبا للراقصات وأنصاف الموهوبين مدعي الفن الساقط.

وفي ظل وقوع المجتمع المصري فريسة للثلاثي المدمر لأي مجتمع وهو الجهل والفقر والمرض، بالإضافة إلى هجرة العقول المتميزة والمفكرة، فكان ذلك مناسبًا جدًّا للأنظمة الحاكمة للدخول بالآلة المرعبة والموجهة وهي آلة الإعلام وتجنيدها لصالح أهدافها فأصبح من السهل عليها توجيه أفراد الشعب إلى ما تريده وما تتوق إلى تحقيقه وهو مايحدث في الوقت الحالي من توجيه وعمل غسيل مخ للمجتمع بأكمله خاصة بعد أحداث ثورة 25 يناير.

ومن المؤسف أننا في مجتمعنا المصري اعتدنا في الجرائم ضد الفكر وحرية الرأي وتجريف العقلية المصرية أن تقيد هذه الجرائم ضد مجهول، بالرغم من كونها جرائم قتل مع سبق الإصرار والترصد، وبالرغم من أن الجاني معلوم للجميع، إلا أنه يخرج مع كل جريمة دون أي عقاب، فلم يسبق في المجتمع المصري أن شهدنا محاكمة أحد قام بمصادرة رأي أو فكر أو تسبب في تجريف عقل المصريين وذلك على مدار العقود الماضية كاملة.

لذلك فإن الجريمة الحقيقية التي يجب أن يحاسب عليها أي حاكم مصري مضى ليست اختلاس أموال أو استغلاله نفوذه وسلطته في سرقة ونهب البلاد فكل ذلك يمكن تعويضه، لكن الجريمة الحقيقية التي يجب أن يحاسبوا عليها هي جريمة تدمير الإنسان المصري وتغييب وعي وعقل المجتمع بأكمله، فأصبح مجتمعًا خاويًا غير قادر على الحكم السليم على أبسط الأمور التي قد تبدو أحيانا كثيرة واضحة وضوح الشمس .

ولكن السؤال هنا هل تحقق المراد وتم تدمير الشعب المصري كليًّا؟ بالقطع الإجابة لا، فالتاريخ دائمًا ما يعيد نفسه، فالمصريون دائما ما يستمدون قوتهم من ضعفهم.

والحضارة المصرية مهما بعدت فلها تأثيراتها الواضحة على أبنائها، والجينات التي ورثها المصريون من حضارتهم العريقة بموروثها الثقافي القوي ستظهر للجميع وتخرج في الوقت المناسب وستبهر العالم أجمع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الفكر, مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد