لم أكن أعلم ما معنى أن تغتال مدينة بأكملها، أن ينسف تاريخ يعود لآلاف السنين في غمضة عين، أن تتهاوى قطع الحجر المعتقة عزًا وإباءً على وقع الضحكات الحاقدة والمؤامرات الخبيثة، لكني علمت، نعم أصدقائي علمت، وخبرتُ كل هذا بنفسي.

على مرمى بصري انتهت حضارات سحيقة، وروايات مديدةٌ مديدة، كنت شاهدًا على رموز مدينتي وهي تتهاوى تباعًا، على نهاية تاريخ مدينتي المجيد والإرث الإنساني ككل.

من أين أبدأ وعن ماذا أحدثكم ؟ عن منارة الحدباء أم عن جامع النبي يونس، أم عن كنيسة الساعة، أم عن الثيران الأشورية المجنحة؟

أدوّن هذا لتبقى وثيقة تاريخية على جبن المتآمرين، وشاهدًا على الغدر العالمي المقصود الذي تعرضت له هذه الكنوز النفيسة بتنوع تواريخها ومذاهبها وانتماءاتها.  هذه قائمة بما دمروه منها:

من المدن والمواقع التاريخية:

مدينة نمرود التاريخية وهي مدينة آشورية أسست في القرن الثالث عشر قبل الميلاد، وأصبحت في القرن التاسع قبل الميلاد عاصمة الإمبراطورية الآشورية الحديثة.. تم نهبها وتدميرها بالكامل.

مدينة الحضر الأثرية من أقدم الممالك في العراق، تعود إلى القرن الثالث الميلادي، تم تجريفها بالكامل.

موقع بوابة نركال من الحقبة الآشورية، وهي بوابة محاطة بالثيران المجنحة، تم تدمير أحد الثيران وفك الاخر بطريقة احترافية ونقله إلى جهة مجهولة.

أما المساجد والكنائس والأديرة فكان لها النصيب الأكبر من التدمير:

منارة الحدباء رمز الموصل الأشهر وتحفة إبراهيم الموصلي نصّت المصادر أنه قد بدء البناء بها عام 1172 أي القرن السادس الهجري في عهد نور الدين زنكي فيكون عمرها بذلك ما يناهز تسعة قرون سحيقة. أنهى وجودها ولم يتبقَ سوى ركامها رفقة الجامع الكبير.

مرقد النبي يونس رمز آخر من الرموز العظيمة للمدينة والذي يعود تاريخه الى القرن الرابع الهجري على الأقل وقد ذكره ابن بطوطة الرحّالة الشهير في كتبه.. تم تفخيخه وتفجيره.

دير مار إيليا في جانب الموصل الأيمن تم بناؤه في القرن السادس للميلاد يقيم المسيحيون فيه كل عام موسم احتفالات الخريف، لم يتبق منه سوى ركامه.

مرقد النبي جرجيس يعود تاريخ بنائه إلى القرن السادس الهجري، تم تفجيره بالكامل.

دير الشهيدين مار بهنام وأخته مارت سارة شرق الموصل يعود تاريخ بنائه إلى القرن الرابع عشر الميلادي تعرض عبر التاريخ لهجمـات الفـرس والمغـول واجهز عليه بالكامل عام 2015.

كنيسة الساعة بنيت في عام 1866، رمز مهم من الرموز المسيحية في المدينة تم تفخيخها وتفجيرها بالكامل.

مرقد الشيخ قضيب البان العريق بتاريخه، والذي بدأت أعمال البناء فيه عام 1177م، تم تفخيخه وتفجيره .

قبر البنت الذي تم تدميره، والذي يعود تاريخه لأكثر من 200 سنة.

قبر المؤرخ ابن الاثير الموصلي أحد أعلام العصر العباسي وصاحب كتاب الكامل في التاريخ، توفي في الموصل سنة 1233م/ 630 هـ ودفن في مرقده الذي تم تفجيره ونسفه.

مرقد الشيخ فتحي في الموصل يعود للعام 220هـ/835م أحد الشواهد التاريخية للمدينة ويشهد زيارات مكثفة من شتى أنحاء العراق وبعض دول العالم الإسلامي، في موقعه المطل على الجسر الخامس بالساحل الأيمن تم تجريفه بالكامل.

ومراقد أخرى كثيرة مثل مرقد عبد الله بن عاصم حفيد عمر ابن الخطاب ومرقد أحمد الرفاعي وضريح يحيى أبي القاسم وعون الدين، تم نسفها بالكامل.

ومن المعالم الحديثة التي طالها الدمار وهي أكثر من أن أحصيها:

المكتبة المركزية في جامعة الموصل التي احرقت بمئات الآلاف من الكتب والبحوث في شتى أنواع المعرفة، فضلًا عن 100 ألف مخطوطة ووثيقة نادرة تم فقدانها من ضمنها مخطوطات ووثائق مسجلة لدى اليونسكو في قائمة النوادر.

تمثال الشاعر العباسي أبي تمام، وكذلك تمثال ملا عثمان الموصلي الشاعر والقارىء والموسيقي الشهير بموشحاته وأغانيه.

متحف الموصل الحضاري ثاني أهم متحف في العراق  تأسس في العام 1952م، يضم آثارًا من الحضارة السومرية والحضارة الأكدية وقطعًا من الحقبة الهيلينية التي سبقت المسيحية بثلاثة قرون والحضارة الأشورية التي تمتد لسبعة قرون قبل الميلاد والتي كان أبرز ملوكها سرجون الثاني وآشوربانيبال وسنحاريب. وصفت اليونسكو تخريب المتحف بمحتوياته هذه بالمأساة الثقافية.

فهل كان ذلك محض صدفة وعبث! أترك لكم الجواب أصدقائي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد