اعتدنا أن تكون الأساطير منافيةً للمنطق غالب الأحيان بعيدة عن التفسير العقلي، وما هي إلا قصص تروى عن محاولة القدماء منطقة الظواهر غير المفسرة بالنسبة لهم، لكن السلطة الفلسطينية وجدت في تلك الأساطير ما يمثلها من اللامنطقية والقصور العقلي، فاختارت أن تبقى حبيستها ترى في نفسها الآلهة ذوي البأس والحق المطلق في استخدام القوة حفاظًا على عرشها الإلهي منفصلةً عن الواقع بأصنام كهفها.

صعودًا من مبنى المقاطعة في رام الله إلى جبل الأوليمب في اليونان يجلس «زيوس» على عرشه غاضبًا من «بروميثيوس» بسبب حبه للبشر ومحاولاته إمدادهم بكل المعارف التي تنهض بهم معترضًا إرادة «زيوس» الذي يرى أن البشر عليهم أن يبقوا ضعفاء خائفين غير قادرين على تحديه يومًا ما، وعلى الرغم من تهديدات «زيوس» ومجلس الآلهة «لبروميثيوس» بأقصى العقوبات إلا أنه ظل يسعى دفاعًا عن البشر بتضحية أخيرة تمثلت بإعطائه البشر شعلةً من النار يستطيعون بها إنارة ليلهم وتدفئة أنفسهم، فأمر «زيوس» «هيفاستوس» إله الحديد بأن يصنع سلاسل صلبة يقيد بها «بروميثيوس» أعلى جبل في القوقاز، وأن ينهش نسر عملاق كبده كل يوم حتى الموت ويعود إلى الحياة، إلا أن «برومثيوس» ذا بعد النظر كان على معرفة بأن هناك من سيحرره من قيوده يومًا ما وبأن «زيوس» سيسقط لا محالة.

نزولًا من الجبل إلى منحدر سحيق بكل ما تعنيه الكلمة من معنى تجلس عصابة من ذوي ربطات العنق وبطاقات الشخصيات المهمة والبطون الممتلئة على حساب فقراء الوطن، صانعةً من نفسها آلهة لبقعة جغرافية متآكلة حدودها، من الشرق رأس المال ومن الغرب الفساد، يحاولون إيجاد عقوبة لشخص أعطى شعلة من النار لتضيء وعي الجماهير وتستنهضهم دفاعًا عن حقوقهم المسلوبة، فترسل العصابة قطعان كلابها إلى منزل الناشط السياسي «نزار بنات» لتغله في سلاسلها بعد شوط من العنف أمام عائلته دون أي ذنبٍ سوى أنه «بموجب قوانين جديدة يحكم زيوس بدون قانون» ليقضي «نزار» شهيدًا لكلمة الحق وشعلة الوعي في يده لن تسقط إلا بإحراق فاشيتهم ومزرعتهم السياسية، وموقظًا فينا صبيحة استشهاده عارنا وصمتنا وتغاضينا عن حقنا المسلوب في أن نعيش بكرامة وحرية.

قد ركزت السلطة الوطنية الفلسطينية منذ نشأتها على أن تبقى وتبقى فقط حتى لو سقطت منها فلسطينيتها ووطنيتها، متخذة من نفوذها طريقًا للثراء لا الثورة، بشعارات التحرير الكاذبة وخطابات الشرعية الدولية المقيتة حد الإستفزاز، لم تكن تلك المنظومة القمعية سبيلًا للتحرير وإنما هي باحثة عن فتات دولة باهتة المعالم والحدود تستثمر فيها رأس مالها ولن تكون أبداً سبيلاً للانعتاق من الاستعمار بل هي سبيلاً لتعميقه وتثبيت جذوره وقمع أي ممارسة وطنية تهدد استقرارها واستقرار شركائها.

ليست تلك المرة الأولى التي تبرز فيه السلطة الفلسطينية نهجها التصفوي باختلاف شخصياتها تجاه معارضيها، فالدماء على ثياب حنظلة الممزقة شاهدةً على اغتيال «ناجي العلي» ونبضات قلب «باسل الأعرج» التي عجزت أجهزتهم القمعية عن إسكاتها، والمعتقلات المليئة بمعتقلي الرأي لا لشيء إلا أن «زيوس» يحكم بدون قانون وبدون شرعية فقط حقه الإلهي بالحكم. لتكن كلمات «نزار بنات» ورسومات «ناجي العلي» وأدبيات «باسل الأعرج» بوصلتنا نحو تفكيك كل ما هو استعماري سبيلًا للخلاص وسبيلًا للكرامة الإنسانية، ولتبقى الشعلة متقدة وليعيش أولاد «نزار بنات» وأولادنا بحرية وكرامة لا عبيدًا للفسدة تجار الثورة، ولنأمن ألا يصطدم قلم الكاتب وريشة الفنان وكلمة الشاعر بدرع وعصا الأجهزة الأمنية التي ترى فينا خصومًا لها وتمجد ولي نعمتها.

رحل نزار جسدًا ولن يرحل صوتًا ولا فكرًا…

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد