من الصعب جدًا أن تحاول وصف مذاق الحلوى إلى طفل مسكين لم يجربها قط، غاية ما يمكنك فعله هو أن تقول له: طعمها لذيذ جدًا جدًا، وتكرر كلمة «جدًا» على قدر حلاوتها.

 

هكذا طعم الإيمان، يأبى بطبيعته أن يُوصف، اللهم إلا إذا استشعرت النقص الذي يعتريك إذا كنت عاريًا منه.

 

أو ذُقت بنفسك معنًى من معانيه، وشكرت الله مُجمَلًا على مجرد وجوده، فضلًا عن شكره تفصيلًا على آحاد آلائه.

 

وعلى الرغم من أن الكثير من الشباب المتحمسين لمحاورة الملاحدة والمتشككين، يتلقَّفون الأدلة العقلية والعلمية التجريبية؛ ليُعضدوا بها استدلالهم على وجود الله وضرورة الدين، إلا أنني أثناء نقاشي مع أكثر من مُلحد ومتشكك، لم أكن متحمسًا أثناء مناقشة هذا النوع من الاستدلال، وكم كنت أتمنى لو فتح أحدهم قلبه ولو للحظات ليستشعر معنًى من المعاني الإيمانية التي يجدها المؤمن في قلبه ضرورةً حين سلَّم بوجود الله ابتداءً.

 

فأرى أن الساعات الطوال اللاتي نجادل فيها في فكرة العدم أو السبيبة أو العلة التامة أو التسلسل والدَّوْر الممتنعين، لا تُضاهي في فاعليتها خمس دقائق نذوق فيها معنى التوكل على الله مثلًا!

 

فأحاول جاهدًا أن أصف له حال خروجي من بيتي فجرًا مُستقبلًا طريق سفرٍ طويل، ويقيني بأن من بيده ملكوت كل شيء معي ويُيسر لي مشقة السفر، ولولا شعوري بأنه معي لمَا خرجت من مجرد تصور معاناة الطريق.

 

فإيمانك بوجود الله ومعيته لك يمنحك شعورًا بالتوفيق في اختياراتك والسداد في طريقك، فإنَّ أحدًا لا يخلو من أوقاتٍ عصيبة، تلمع أمامه حينها الاختيارات المتقابلة، ويحتار أيما حيرة، ويتمنى أن لو خُلِق كالريشة في مهبِّ الريح، بحيث لا يملك القدرة على الاختيار، لشدة الموقف! زواجًا كان أو طلاقًا، سفرًا أو عملًا جديدًا.

 

في هذه الظروف، يشعر الإنسان كم هو ضعيف، هو يتمنى أن يختار الأفضل والأخيَر له، ولكنه لا يعلم الغيب، ويوقن أنه لا يملك تغيير قوانين الكون، لكي تُفضي في الأخِير إلى ما يحب.

 

وحين تعجز كل أدوات الاختيار لديه، ويتذكر معية الله له – وما نسي – يرفع يده ويهمس للقريب السميع: «اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك، فأنت تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم يسر لي الخير حيث كان ثم رضّني به».

 

والله ما همست بها في حيرةٍ قط، إلا وأتبعني شعور أغرب من الخيال، بأن التوفيق حيثما سارت بي قدماي، والخذلان أشد الخذلان فيما انصرفت عنه.

 

ولله دُر الأستاذ عباس محمود العقاد، عندما وصَّف أصالة وجود الله في النفس البشرية، فقال:

 

«ومن أدلة الواقع على أصالة وجود الله: أنك تلمس هذه الأصالة عند المقابلة بين: فردٍ يؤمن بعقيدة من العقائد الشاملة، وفرد مُعطل الضمير، مضطرب الشعور، يمضي في الحياة بغير محور يلوذ به، ولا يعتصم من الله بركنٍ شديد..

 

ولهذا الفارق بين الفردين، كالفارق بين شجرة راسخة في منبتها، وشجرة مُجتثة من أصولها!

 

وقلَّ أن ترى إنسانًا مُعطل الضمير ولا يعرف الله، على شيءٍ من القوة واستقرار النفس، إلا تخيلته أقوى من ذلك وأعظم، إذا حلَّ الإيمان مكان التعطل والحيرة» انتهى بتصرف يسير.

 

ولابد من التأكيد على أن هذا الحكم إنما هو على جملة الحياة، لا عن فرد فرد فيها، فلا شك أن من المؤمنين من يعاني من اضطراب في حياته وقلق، ولكن الحديث ليس عن هذا الجانب ولكن عن جملة الحال والأمر الغالب لا على الأفراد.

 

ويسرد ابنُ القيم بعض هذه المعاني وأثرها في نفس المؤمن فيقول:

«فلا حياة لقلب الإنسان ولا فلاح ولا نعيم ولا سرور إلا برضاه – الله – والأنس به والقرب منه، فبه يطمئن، وإليه يسكن، وإليه يأوي، وبه يفرح، وعليه يتوكل، وبه يثق، وإياه يرجو، وله يخاف.

 

فإذا حصل إليه ربه؛ سكن إليه، واطمأن به، وزال ذلك الاضطراب والقلق، وانسدت تلك الفاقة، فإن في القلب فاقة لا يسدها إلا الله تعالى أبدًا، وفيه شعث لا يلمه إلا الإقبال عليه…».

 

وفي الأخير، أنا لا أدعو لأن يكون مُرتكزنا – نحن المؤمنين – في نقاشنا مع الملاحدة والمتشككين = هو هذا النوع من المعاني الإيمانية، لأن بديهيات علم الجدل تفرض علينا البحثَ عن أرضية مشتركة مع المخالف، ومحاولة الاستدلال عليه بما هو مُعتبر عنده، ولكن ما دفعني لإثارة تلك القضية، هو حاجتنا – نحن المؤمنين – لاستشعار مثل هذه المعاني، والاتكاء عليها والاستئناس بها، فهي مما يغنينا كثيرًا عن آلاف الأدلة المادية الأخرى، وتخيلتُ في نفسي، ماذا لو آمنَ الملحدُ لحظات، وذاق فيها معنى التوكل على الله؟!

هل كانت ستغنيهِ عن سفسطات لا نهائية ودورانه المُطرد في حلقاتٍ مفرَّغة؟!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد