إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعود بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا نظير له ولا مِثَالَ له وأشهد أن سيدنا وحبيبنا محمد عبد الله ورسوله وصفوته من خلقه وأمينه على وحيه ونَجِيبُهُ من عباده، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحابته المباركين الميامين، وأتباعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد.

يتخذ الإلحاد قلب الإنسان الغربي وعقله موطنًا له، وعلى الخصوص فئة الشباب، فعندما تسألهم عن حقيقة وجود هذا الكون العظيم وعن أنفسهم، تكون الإجابة واحدة وموحدة هي؛ الصدفة والعشوائية، لكن الغريب في الأمر أن معظم الشباب المؤمن بالفكر الإلحادي يعتقدون جازمين بأن أفكارهم نتيجة حتمية للتفكير العقلاني السليم المبني على أسس علمية محضة، ومنطق فكري متحضر! إلا أن الحقيقة الدقيقة على العكس من ذلك، فعند الاعتماد على العقل السليم المستوعب للعلم المتطور والفكر المنطقي المتحضر نجد «للأسف الشديد» أن الصدفة والعشوائية وكل التفسيرات التي تدور في فلكها معلومات غير دقيقة، غير منطقية، ليس لها أي تفسير، ولا تستند لا إلى أي حقائق علمية ثابتة، ولا يمكن أن يقبلها العقل ولا الفطرة السليمة التي فطرنا الله عليها جميعًا.

القرآن الكريم أخبرنا في كثير من الآيات الكريمات عن وجود الله، وقدم للبشرية حقائق ومعطيات علمية محضة، إن أحسن تدبرها واستعمالها، قادته لا محالة إلى الطريق الصحيح المستقيم، الذي يقود بدوره إلى الإيمان بوجود الله، أي إلى اطمئنان نفسي وسلام داخلي ثابت وسعادة أبدية.

قال الله تعالى في كتابه الكريم في سورة الروم الآية 25: «وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ۚ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ»، ومعنى الآية الكريمة، ومن آياته الدالة على قدرته قيام السماء والأرض واستقرارهما وثباتهما بأمره، فلم تتزلزلا ولم تسقط السماء على الأرض، ثم إذا دعاكم اللّه إلى البعث يوم القيامة، إذا أنتم تخرجون من القبور مسرعين.

ثم قوله سبحانه وتعالى في الآية الكريمة التي تليها: «وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ»، بمعنى الكل خلقه ومماليكه المتصرف فيهم من غير منازع ولا معاون ولا معارض، وكلهم قانتون لجلاله خاضعون لكماله.

ثم قوله تعالى في الآية التي تليها: «وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ۚ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَىٰ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ»، لفهم المعنى الدقيق لهذه الآية العظيمة سوف نقسمها إلى ثلاثة أجزاء، أي قوله – عز وجل- «وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ» بمعنى الإعادة للخلق بعد موتهم، وقوله تعالى أَهْوَنُ عَلَيْهِ، تعني من ابتداء خلقهم وهذا بالنسبة إلى الأذهان والعقول، فإذا كان قادرًا على الابتداء الذي تقرون به كانت قدرته على الإعادة التي أهون أولى وأولى، ولما ذكر من الآيات العظيمة ما به يعتبر المعتبرون ويتذكر المؤمنون ويتبصر المهتدون ذكر الأمر العظيم والمطلب الكبير، فقال سبحانه، وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، بمعنى وهو كل صفة كمال، والكمال من تلك الصفة والمحبة والإنابة التامة الكاملة في قلوب عباده المخلصين، والذكر الجليل والعبادة منهم. فالمثل الأعلى هو وصفه الأعلى وما ترتب عليه.

ولهذا كان أهل العلم يستعملون في حق الباري قياس الأولى، فيقولون كل صفة كمال في المخلوقات فخالقها أحق بالاتصاف بها على وجه لا يشاركه فيها أحد، وكل نقص في المخلوق ينزه عنه فتنزيه الخالق عنه من باب أولى وأحرى.

ثم الجزء الأخير من الآية الكريمة وَهُوَ الْعَزِيزُ الحكيم؛ أي له العزة الكاملة والحكمة الواسعة، فعزته أوجد بها المخلوقات وأظهر المأمورات، وحكمته أتقن بها ما صنعه وأحسن فيها ما شرعه.

وما زال البَيان القرآني متواصلًا في هذه السورة المباركة حتى هذه الآية 28 «ضَرَبَ لَكُم مَّثَلًا مِّنْ أَنفُسِكُمْ ۖ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ»، هنا سنقف قليلًا لنتأمل ونتدبر في معاني كلام المولى عز وجل، هذا مثل ضربه اللّه تعالى لقبح الشرك وتهجينه مثلًا من أنفسكم لا يحتاج إلى حل وترحال وإعمال الجمال، قول الله تعالى «هَلْ لَكُمْ ممَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِيمَا رَزَقْنَاكُمْ»؛ أي هل أحد من عبيدكم وإمائكم الأرقاء يشارككم في رزقكم وترون أنكم وهم فيه على حد سواء، ثم يسترسل سبحانه عما يصفون في خطابهم، «تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ»؛ أي كالأحرار الشركاء في الحقيقة الذين يخاف من قسمه واختصاص كل شيء بحاله؟

ليس الأمر كذلك فإنه ليس أحد مما ملكت أيمانكم شريكًا لكم فيما رزقكم اللّه تعالى.

هذا، ولستم الذين خلقتموهم ورزقتموهم وهم أيضًا مماليك مثلكم، فكيف ترضون أن تجعلوا للّه شريكًا من خلقه وتجعلونه بمنزلته، وعديلًا له في العبادة، وأنتم لا ترضون مساواة مماليككم لكم؟

هذا من أعجب الأشياء ومن أدل شيء على سفه من اتخذ شريكًا مع اللّه، وأن ما اتخذه باطل مضمحل ليس مساويًا للّه ولا له من العبادة شيء.

ما زلنا في الآية العظيمة نفسها ندقق في كلام الله تعالى الذي قال: «كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ»؛ أي بتوضيحها بأمثلتها، وبعد ذلك قال، «لِقَوْمٍ يَعْقِلُون»؛ بمعنى يعقلون الحقائق ويعرفون، وأما من لا يعقل فلو فُصِّلَت له الآيات وبينت له البينات لم يكن له عقل يبصر به ما تبين، ولا لُبٌّ يعقل به ما توضح، فأهل العقول والألباب هم الذين يساق إليهم الكلام ويوجه الخطاب.

وإذا علم من هذا المثال أن من اتخذ من دون اللّه شريكًا يعبده ويتوكل عليه في أموره، فإنه ليس معه من الحق شيء، فما الذي أوجب له الإقدام على أمر باطل توضح له بطلانه وظهر برهانه؟ لقد أوجب لهم ذلك اتباع الهوى.

الأن ننتقل إلى الآية 29 «بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ ۖ فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ ۖ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ»، كذلك سوف نقسها من أجل فهمها فهمًا دقيقًا جدًّا، فنقف عند قوله تعالى، «بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ»؛ بمعنى هويت أنفسهم الناقصة التي ظهر من نقصانها ما تعلق به هواها، أمرًا يجزم العقل بفساده والفطرة برده بغير علم دلهم عليه ولا برهان قادهم إليه.

ثم قوله تعالى «فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ»؛ أي لا تعجبوا من ضلالتهم؛ فإن اللّه تعالى أضلهم بظلمهم ولا طريق لهداية من أضل اللّه؛ لأنه ليس أحد معارض للّه أو منازع له في ملكه.

وأخيرًا ختم الله تبارك وتعالى الآية، «وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ»، أي ينصرونهم حين تحق عليهم كلمة العذاب، وتنقطع بهم الوصل والأسباب، فنختم هذا الهدي الرباني بالآية 30 من السورة نفسها، والتي يقول فيها المولى عز وجل، «فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ»، بمعنى، يأمر سبحانه وتعالى بالإخلاص له في جميع الأحوال وإقامة دينه، فقال «فَأَقِمْ وَجْهَكَ» أي انصبه ووجهه إلى الدين الذي هو الإسلام والإيمان والإحسان بأن تتوجه بقلبك وقصدك وبدنك إلى إقامة شرائع الدين الظاهرة، كالصلاة والزكاة والصوم والحج ونحوها. وشرائعه الباطنة كالمحبة والخوف والرجاء والإنابة، والإحسان في الشرائع الظاهرة والباطنة بأن تعبد اللّه فيها كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.

وخص اللّه إقامة الوجه؛ لأن إقبال الوجه تبع لإقبال القلب ويترتب على الأمرين سَعْيُ البدن، ولهذا قال حَنِيفًا، أي مقبلًا على اللّه في ذلك معرضًا عما سواه.

وهذا الأمر الذي أمرناك به هو فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ووضع في عقولهم حسنها واستقباح غيرها، فإن جميع أحكام الشرع الظاهرة والباطنة قد وضع اللّه في قلوب الخلق كلهم، الميل إليها، فوضع في قلوبهم محبة الحق وإيثار الحق وهذا حقيقة الفطرة.

ومن خرج عن هذا الأصل فلعارض عرض لفطرته أفسدها كما قال النبي – صلى اللّه عليه وسلم-: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه».

قوله سبحانه عما يصفون «لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ» أي لا أحد يبدل خلق اللّه فيجعل المخلوق على غير الوضع الذي وضعه اللّه، ذَلِكَ الذي أمرنا به الدِّينُ الْقَيِّمُ؛ بمعنى الطريق المستقيم الموصل إلى اللّه وإلى كرامته، فإن من أقام وجهه للدين حنيفًا فإنه سالك الصراط المستقيم في جميع شرائعه وطرقه، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ، فلا يتعرفون الدين القيم وإن عرفوه لم يسلكوه.

إذن الحقيقة الدقيقة هو أن الكائن البشري لم يخلق اعتباطيًّا عن طريق الصدفة والعشوائية كما يدعي الفكر الإلحادي، بل لا يوجد أي شيء في هذا الكون العظيم خلق بالصدفة أو من تلقاء نفسه، بل كل شيء خلقه الله سبحانه وتعالى بدقة وإحكام، مصداقًا لقوله تعالى في سورة القمر الآية 49 «إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ»، أي وهذا شامل للمخلوقات والعوالم العلوية والسفلية، أن الله تعالى وحده خلقها لا خالق لها سواه، ولا مشارك له في خلقها، وخلقها بقضاء سبق به علمه، وجرى به قلمه، بوقتها ومقدارها، وجميع ما اشتملت عليه من الأوصاف، وذلك على الله يسير.

وفي سورة البقرة الآية 29 يقول ربنا «هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ»، أي خلق لكم، برًّا بكم ورحمة، جميع ما على الأرض، للانتفاع والاستمتاع والاعتبار، وفي هذه الآية العظيمة دليل على أن الأصل في الأشياء الإباحة والطهارة، لأنها سيقت في معرض الامتنان، يخرج بذلك الخبائث، فإن تحريمها أيضًا يؤخذ من فحوى الآية، ومعرفة المقصود منها، وأنه خلقها لنفعنا، فما فيه ضرر، فهو خارج من ذلك، ومن تمام نعمته، منعنا من الخبائث، تنزيهًا لنا.

وقوله «ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ»، اسْتَوَى ترد في القرآن على ثلاثة معاني، فتارة لا تعدى بالحرف، فيكون معناها، الكمال والتمام، كما في قوله عن موسى وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى، وتارة تكون بمعنى علا وارتفع، وذلك إذا عديت بـ «على» كما في قوله تعالى ثم استوى على العرش، لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ، وتارة تكون بمعنى قصد كما إذا عديت بـ إلى كما في هذه الآية، أي لما خلق تعالى الأرض، قصد إلى خلق السماوات فسواهن سبع سماوات فخلقها وأحكمها، وأتقنها، وهو بكل شيء عليم، فيعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها ويَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ، يعلم السر وأخفى، وكثيرًا ما يقرن بين خلقه للخلق وإثبات علمه كما في هذه الآية، وكما في قوله تعالى: «أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ»؛ لأن خلقه للمخلوقات، أدل دليل على علمه، وحكمته، وقدرته.

لو افترضنا جدلًا بأن هذا الكون الشاسع أوجد نفسه بنفسه بمحض الصدفة تمامًا، كما يدعي المنطق والفكر الإلحادي، نجد أنفسنا أمام أسئلة كثيرة ومتنوعة معقدة جدًّا ليس لها أجوبة، فعلى سبيل المثال لا الحصر، وفي السياق نفسه، ما دام هذا الكون خلق صدفة وتطور طبيعيًّا من تلقاء نفسه، السؤال هو؛ لماذا لم يسجل العلم وعلى مر العصور ولا مرة واحدة أن شجرة الموز أثمرت تِينًا وزَيتونًا، أو بذرة القمح أنبتت شجرة العنب، أو أثمرت بطيخًأ أصفر وأحمر، أو شجرة الليمون أثمرت تمرًا وإجاصًا، أو بقرة ولدت حمارًا وحشيًّا أو سبعًا أو ضبعًا، أو قطة ولدت فيلًا! هكذا بالصدفة ومن تلقاء نفسها.

من خلال كل هذه التساؤلات وغيرها نريد فقط أن نرد على كل من يدعي عدم وجود الخالق سبحانه وتعالى ب منطقه وتفكيره نفسه، ونقارع ادعاءاته بالعقل والفكر والتفكير الصائب المتزن، معتمدين على العلم والمعرفة والتفكر في مخلوقات الله – عز وجل- والتدبر في كلام الله، كما أننا منفتحون على كل حوار عقلاني جاد يهدف إلى معرفة الحقيقة.

هنا سأستحضر كلمات غاية في الروعة قالها فيلسوف فرنسي اسمه رينيه ديكارت، بالفرنسيةRené Descartes، وباللاتينية Renatus Cartesius، الميلاد 31 مارس (آذار) 1596، الوفاة 11 فبراير (شباط) 1650، فيلسوف، ورياضياتي، وعالم موسيقي، وفزيائي، وعالم فلك، ومنَظر موسيقى.

قال: أنا أشك في وجود الله، إذن أنا أفكر، طالما أنا أفكر فأنا موجود، طالما أنا موجود فأنا قد خُلقت، إذن بما أنني لم أُخْلِقْ نفسي، إذن يوجد خالق خلقني وصورني.

هذا الخالق هو الله سبحانه وتعالى، فقاده الشك إلى الإيمان، والمثير للاهتمام أن تفكيره هذا يمكن اختصاره في آية قرآنية قصيرة جدًّا ودقيقة جدًّا، قال عليها الصحابي جٌبَيْر بن مطعم -رضي الله عنه- إنه كان داخلًا المدينة مع مجموعة من الأسرى في معركة بدر، قال فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بها في صلاة المغرب، قال الله تعالى في سورة الطور الآية 35: «أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ»، أي عن أمور الدنيا وأحوالها.

كثير من علماء الأحياء وعلماء الفيزياء يمكن أن يكونوا ملحدين، يقف أمامهم ويناظرهم باستمرار علماء الرياضيات لماذا؟

لأن الرياضيات تتعامل مع الحقائق الثابتة التي لا تتغير أبدًا، كما أن علوم الرياضيات تتعامل مع نظرية الاحتمالات، لتقريب مفهوم هذه النظرية إلى أذهاننا سوف ننتقل من المفهوم النظري إلى التطبيق العملي من خلال مثال بسيط جدًّا وهو كالآتي: لو قمنا بإحضار اثنتي عشرة (12) كرة بلياردو مرقمة من واحد إلى اثنتي عشرة (12) وقمنا بإفراغها كلها في صندوق غير شفاف، بعد تحريك الصندوق جيدًا قمنا بسحب أحد الكرات، إذن ما احتمال سحب الكرة التي تحمل الرقم واحد؟ الاحتمال هو واحد على اثني عشر (1/12)، نعيد الكرة المسحوبة من جديد للصندوق، ثم نسحب كرتين متتابعتين، ما احتمال سحب الكرة التي تحمل رقم واحد متبوعة بالكرة التي تحمل رقم اثنين؟ الاحتمال هو واحد على مائة وأربعة وأربعون (1/144)، بلغة الاحتمالات يلزمني إعادة عملية السحب مائة وأربعة وأربعون مرة من أجل تحقيق الهدف، إذن هل يمكنكم تخيل عدد الاحتمالات التي تخولني سحب جميع الكرات بالتتابع بدءًا بالكرة رقم واحد وانتهاء بالكرة رقم اثني عشر؟ الاحتمال هو 379 مليون مرة (379000000)، السؤال الذي يفرض نفسه؛ ما احتمال أن يكون هذا الكون بكل هذه العظمة، الدقة، التنوع، التناسق، التناغم والإتقان أوجد نفسه بنفسه هكذا من تلقاء نفسه بالصدفة؟ الاحتمال غير موجود، بمعنى أدق مستحيل الوجود.

لهذا فإن الدين الإسلامي الحنيف يوصي بطلب العلم والمعرفة من المهد إلى اللحد، دون كلل أو ملل، من أجل إدراك حقيقة وجود الخالق سبحانه، قال الله تعالى في القرآن الكريم سورة فاطر الآية 28: «وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَٰلِكَ ۗ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ»، بمعنى ومن ذلك، الناس والدواب، والأنعام، فيها من اختلاف الألوان والأوصاف والأصوات والهيئات، ما هو مرئي بالأبصار، مشهود للنظار، والكل من أصل واحد ومادة واحدة.

فتفاوتها دليل عقلي على مشيئة اللّه تعالى، التي خصصت ما خصصت منها، بلونه، ووصفه، وقدرة اللّه تعالى حيث أوجدها كذلك، وحكمته ورحمته، حيث كان ذلك الاختلاف، وذلك التفاوت، فيه من المصالح والمنافع، ومعرفة الطرق، ومعرفة الناس بعضهم بعضًا، ما هو معلوم.

وذلك أيضًا، دليل على سعة علم اللّه تعالى، وأنه يبعث من في القبور، ولكن الغافل ينظر في هذه الأشياء وغيرها نظر غفلة لا تحدث له التذكر، وإنما ينتفع بها من يخشى اللّه تعالى، ويعلم بفكره الصائب وجه الحكمة فيها.

ولهذا قال الله تعالى «إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ»، فكل من كان باللّه أعلم، كان أكثر له خشية، وأوجبت له خشية اللّه، الانكفاف عن المعاصي، والاستعداد للقاء من يخشاه، وهذا دليل على فضيلة العلم، فإنه داع إلى خشية اللّه، وأهل خشيته هم أهل كرامته، كما قال سبحانه وتعالى «رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ».

ليختم الآية 28 من سورة فاطر بقوله تعالى «إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غفور»؛ أي كامل العزة، ومن عزته خلق هذه المخلوقات المتضادات، وغَفُورٌ لذنوب التائبين، صدق الله العظيم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد