الجهل والخبث والغدر والخيانة، أمراض تنتشر في المجتمعات التي تتخلى أنظمتها عن القيم السيادية فيها، وتفرط في مبادئ الرشد السياسي الذي يحمي الحريات والحرمات والحقوق، ولا يولي اعتبارًا لثوابت الأمة، ولا يعرف لعلمائها أقدارهم ومكانتهم، ولا يحاول الاستفادة الجادة من وجودهم، إلا فيما يدعم سلطانه ويبسط نفوذه ويوسع دوائر تغوله.

· وحين يترك ولاة الأمور الحبل على الغارب لبعض الفئات المملوءة حقدًا وكراهية، والمترعة بالجهل والفقر الثقافي في كل شيء، وضد كل شيء، وحتى ضد ذاتها وكينونتها. وتكبر الفاجعة ويعظم الخطب حين يتولى هؤلاء الحمقى منابر التوجيه وصياغة الرأي العام، حينئذ توشك هذه الأمراض أن تكون سببًا في هلاك الشعوب والأمم.

· ويذكر لنا التاريخ بيتًا من الشعر يعكس حالة الفوضى الفكرية والثقافية حين يتولى صياغة الرأي العام، وتكوين الوجدان الشعبي في مجموع الأمة نفر من هؤلاء.

· فالشاعر العربي بشار بن برد كان كفيف البصر؛ فسأله رجل عن دار رجل آخر فدله عليها ووصف له كيف يذهب إليها، فأصر الرجل أن يأخذه بشار بنفسه، فقال بشار بيته المشهور

أعمى يقود بصيرًا لا أبا لكم *** لقد ضل من كانت العميان تهديه

· إعلام المانيفستو من غلمان الماركسية وموالي بني علمان الذين أصيبت بهم مجتمعاتنا المسلمة تعودوا منذ فترة أن يعبثوا في العقل المسلم، وأن يثيروا حول الإسلام غبارًا يحجب الرؤية أحيانًا، وأحيانًا يزكم الأنوف، ساعدتهم الحظيرة الثقافية على هذا العبث، فالتقى الأدعياء كل وهواه، فكانت ظاهرة التطاول على ثوابت الإسلام، والتشكيك في مصادره، ومحاولات النيل من حصونه، وفي مقدمتها الأزهر ومناهجه الدراسية، وشيخه ورموز علمائه.

· والأزهر منذ نشأته على يد جوهر الصقلي بتوجيه من الحاكم بأمر الله المعز لدين الله الفاطمي عام (359- 361هـ) (970-ـ972م) وهو قلب مصر النابض بالعلم والفكر والثقافة، وهو روحها الخالدة وقوتها الناعمة في حماية الدين واللغة.

· وفي مجالس شيوخه وبين أيديهم تفتحت عيون علماء العالم الإسلامي على فهم كتاب الله، وعن طريق علمائه وشيوخه أدرك العالم قيمة منهج الإسلام رسالة ورسولًا، وفيه تعرف أبناء الأمة عإى تاريخ أمتهم وحضارتها ورجالها وأبطالها ومن صنعوا لها المجد.

· ومن علوم الأزهر أخذت المعايير الحقيقية التي يقيسون بها نبض الحياة، ويعرفون بها مقياس الصواب والخطأ، ليس فقط على مستوى السلوك الفردي في الحلال والحرام، وما يجوز وما لا يجوز، وإنما معيار الصواب والخطأ الحضاري والثقافي للأمم والشعوب والمجتمعات الإنسانية.

· والأزهر منذ نشأته يمثل الفكر الإسلامي الأصيل، ومن ثم فهو قبلة المسلمين العلمية، وهو الشريان الحيوي الذي ينتقل الإسلام من خلاله عبر الأجيال ليصل إلى الناس جميعًا في كل أرض الله الواسعة، في إطار من الوعي العلمي الصحيح الذي ينفي عن الإسلام تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، تصديقًا للحديث الذي رواه سيدنا عبد الله بن عمرو، وأبو هريرة رضي الله عنهما إذ قالا: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم-: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين».

· وظل الأزهر الشريف هو الحاضن والمكون الثقافي لكل عالم ضابط عدل ثقة عبر الأجيال، وحتى وهو في أضعف حالاته كان هو الملاذ العلمي الأمن لكل باحث عن الإسلام من العامة، أو متخصص فيه من الجامعيين أو المجمعيين.

· والأزهر بعلمائه وشيوخه هو المأمون على دين الله عقيدة ولغة وثقافة، ومن ثم فلا يمكن لجهة أو هيئة في أي مكان في العالم تستهدف التأصيل العلمي، وتبحث عن صحة الرواية وسلامة التوثيق إلا ويكون لها علاقة وثيقة بالأزهر الشريف جامعًا وجامعة، هذا فضلًا عما يقوم به الأزهر الشريف من ممارسة لدوره ورسالته العلمية، وضمنها إرساله لعلمائه وخريجيه من الدعاة والأئمة العلماء الذين يرسلهم دعاة يساعدون في التوجيه والإرشاد، ويسهمون في زيادة الوعي ومحاربة التطرف، ونشر الإسلام الصحيح لدى أبناء الجاليات الإسلامية، ذلك فضلًا عن العلماء المبعوثين من الأزهر بشكل دائم لبعض المراكز والمؤسسات الإسلامية للعمل في مجال الدعوة في كل دول العالم شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا، ومن ثم فالأزهر له فضل السبق في عبور القارات، وتخطي الحدود زمانًا ومكانًا برجاله وأبنائه وخريجيه من سفراء الدعوة.

· والأزهر بجانب كونه قلعة تحطمت عليها كل موجات الغرور الشريرة التي أرادت النيل من مصر تاريخًا وعقيدة واستقلالًا، هو أيضًا الحارس الأمين والمأمون على سلامة وصحة فكر الإسلام الصحيح، وهو الحارس الأمين والمأمون على نظافة وجدان المسلمين وعقولهم في كل بقاع الأرض من طوفان الغلو والتطرف والتعصب الأعمى والإرهاب المجنون. فكيف تسمح الدولة أو النظام الحاكم لفئة إعلامية ضالة وجاهلة أن تنتهك حرماته، وتتهمه بالمسؤولية عن الإرهاب الذي يحاربه الأزهر، وتحمله مسؤولية تقصير وإهمال أنظمة فاشلة على كل المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية.

· ولئن كان الأزهر قد بني في مصر، واتخذ من أرض الكنانة مستقرًا ومستودعًا، إلا أن مكانته تعدت حدود الجغرافيا لتصل إلى أعماق آسيا وإفريقيا وأوروبا وأستراليا والأمريكتين، وتشكل في تلك الأبعاد الجغرافية عن طريق الأخلاف بعثًا جديدًا لنشاط الأسلاف، كما تسطر تاريخًا جديدًا في الدعوة على بصيرة، تعي مشكلات الواقع، وتستوعب تحدياته، وتعرف كيف تبني الجسور والعلاقات بحكمة، كما تعرف كيف تعرض قضاياها بذكاء وأدب. وهذا كله مكسب يضاف إلى رصيد مصر الأزهر.

· وبالقطع إعلام الغواية والهواية ومن يشغلهم ويستخدمهم لا يعرف كل هذه الأبعاد، وأنى له ذلك، ومن ثم فكل عبث أو استهانة أو تتطاول على الأزهر ورموزه إنما يشكل إثارةً واستفزازًا لهذا العمق العميق في وجدان المسلمين عبر كل بلاد الله الواسعة، كما يشكل خصمًا من رصيد مصر، واستهانة بما تقدمه وما يقدمه أبناء الأزهر في الخارج.

· والأزهر برجاله وشيوخه ومنهجه يشكل جهاز المناعة الثقافية ضد موجات الشر التي تبدأ عادة في الخارج، ثم يتلقاها موالي وعبيد الماركسية وغلمان العلمانية ودعاة التغريب والالتحاق والانسحاق، ولذلك يريدون تحطيمه ويتجاوزون في حق شيوخه وعلمائه، ويتطاولون على إمامه ورموزه بضوء أسود ممن لا يحبون مصر، ولا يكنون لها إلا كل شر.

· إن هناك دولًا لا تربطها بمصر علاقات إلا بعثات أبنائها إلى الأزهر الشريف، وبعثات أبناء الأزهر إليها، وشيخ الأزهر في الوجدان القومي بالنسبة لهؤلاء، وحتى في البروتوكول يشكل «الشخصية الأعظم والرمز الأكبر في العالم كله» فلماذا نخسر هؤلاء حين نسمح للتافهين والتائهين والأدعياء والجهلة أن يحملوا على الأزهر شيخًا ورسالةً ومنهجًا.

· مصر حين تسمح لتلك الفئة – الضالة والتائهة والتي تنعق كالبوم- بالتطاول على الأزهر وشيخه تَُقطِّعُ أرحامها من جديد، وتحفر خنادق الخلاف وسوء الظن بينها وبين دول العالم الإسلامي وشعوبه، وغير مفهوم بالمرة وعلى مستوى أي عقل لماذا يصر مَنْ يُشَغِّلُ هؤلاء على خلق عداوات جديدة قد تعزل مصر عن محيطها العربي والإسلامي، وتخرب علاقاتها بتلك الدول في العالم شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا. ومن يتحمل مسؤولية تلك الحماقة الوطنية؟

· الأزهر هو الحصن الواقي للأمة من تذويب الهوية، ومسخ الشخصية، وتحويل الناس إلى مجرد أشباح تتحرك بلا روح، وتسعى بلا وعى، وتتخبط بلا بوصلة، أو توجيه رشيد، ولذلك يريد هؤلاء أن يسكتوا صوته، وأن يعلنوا وفاته.

· لقد ظن البعض – خطأ- أن الأزهر الآن أصابه الكبر وله ذرية ضعفاء، فإذا بالأزهر – رغم كل عوامل التجريف والاختراق- لا يزال عفيًا وعصيًا وقادرًا في الحق على قول «لا». فهل يا تري تلك هي مشكلة الأزهر وشيخه الطيب؟

· ولهذا يرى كل علماء العالم وهيئاته العلمية أن الهجوم على الأزهر والتطاول على شيخه – والتعريض بدوره ومنهجه وعلمائه ورموزه- إنما هي محاولة لتقزيم مصر وحرمانها من الحضور الحي في المحيط الإقليمي والدولي، وإسقاط وتفريط ليس للأمن القومي المصري فقط، وإنما هو إسقاط وتفريط لأمن الأمة ثقافة وحضارة وتاريخًا ورجالًا.

· وهذا في حد ذاته يشكل عارًا وطنيًّا وقوميًّا وهزيمة ثقافية وحضارية تُسَلِّم – في خزلان- أشد حصون عقيدتنا وثقافتنا لعدو يخطط لاختراق أجهزة المناعة الثقافية، ويسعى لتجريدنا دومًا مما تبقى لأمتنا من كل وسائل التحصين التي سقطت، ولم يتبق منها على الأرض وفي قلوب الناس وعقولهم غير الأزهر الشريف منهجًا وفكرًا ورجالًا.

· فلصالح من تهدمون الحصون؟ وكيف يسمح لإعلام الغواية والفتنة أن يمارس دور الخيانة بالدعوة إلى هدم الحصون؟ ومن هو هذا الذي يدفع للطبال والزمار؟

· ولكن، وبرغم كل المحاولات الفاشلة سيبقى الأزهر الشريف هو المصدر والمرجعية، وبيت الخبرة الكبير الذي يرفد الجميع بعطاياه الفكرية، ويقيم للثقافة والفكر والمعرفة ميزان العدالة والاستقامة، ومن ثم فلن تستغني عنه كل دول العالم الإسلامي، وحتى غير الإسلامي؛ لأنها ترى في أبنائه وخريجيه مشاعل للعلم والنور وصمام الأمان، وتنظر إليهم وكأنهم نجوم السماء وكواكب الهداية تضيء الكون ويهتدي بها الحيارى والتائهون، وأبناء الأزهر يستغنون عن الناس عفةً وسموًا، ولا يستغني الناس عنهم، يحل أحدهم في أي مكان فينطق لسان الحال في القوم منشدًا:

نزلت نجومُ الليل فوقَ رؤوسهم *** ولكل قوم كوكب وهاج

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد