يقول الله عز وجل فى كتابه العزيز: الله يصطفى من الملائكة رسلًا ومن الناس.

والاصطفاء معلوم، هو اختيار رباني للمرء بالصلاح والإصلاح، ورأس هذا الأمر النبوة والرسالة، وعليه فإن كل صاحب رسالة هو مبعوث للنبي ومحل اصطفاء من الله؛ فقد يصطفى المرء بمنحة، أو محنة معًا، وقد يبدو الأمر بأنه كرب، لكنه في جوهره اصطفاء، والقرآن تحدث في أكثر من موضع عن كم الاصطفاء للصالحين ونجاتهم من الظالمين في صورة محن، لكنها كانت منحًا كما في قصة سيدنا موسى والخضر.

والسيرة النبوية كذلك؛ فالحديبية كانت شدةً وتنازلًا في ظاهرها، لكن جوهرها منحة ربانية، واعتراف بالدولة الإسلامية وقوتها.

والخندق كذلك، حصار وتجويع ومؤامرة محكمة على الرسالة ورجالها، لكن تحولت لوعود ربانية، وفتح من الله بحكمة صاحب الرسالة وفطانة القائد في تحويل الطاقة السلبية لإيجابية، مع الأخذ فى الاعتبار تأييد الله لعباده الصالحين.

كذلك في التاريخ الحديث كانت المحن كثيرة لعباد الله وأصحاب الرسالة، لكنها لم تزدهم إلا إيمانًا فوق إيمانهم، فرغم تجبر وبطش الظالمين، كان الثبات لأصحاب الرسالات سمتًا، ولازال التاريخ يسطر بين جنباته حتى الآن ملاحم العزة بالرسالة، والفخر بالفكرة، مع حتمية المراجعة، وأهمية التطوير؛ حتى يكتمل البنيان شموخًا، ويتماشى مع الواقع المتغير، وشدة المكر المركب للطغاة وجنودهم.

إن تبعة حمل الرسالة والعمل لها يقتضى فهمًا شديدًا ومبدعًا؛ فمحن الأمس ليست كمحن اليوم؛ فكما أن الطغاة تتبدل وتتحول أساليبهم في التعامل مع كل داع إلى الله، وكل صاحب فكر همه تعبيد الناس لرب العالمين، وتحرير الأرض من كل الاستعمار الخارجي بشموله وتنوعه وتعدده، كذلك على صاحب الرسالة أن يوقن فهمًا متطورًا، حتى يتسنى مجابهة الباطل، وغزوه وتجبره، ورأس هذا الأمر هو إعداد رجال، والسعي للاحترافية والتخصص في كل مناحي الحياة شمولًا وعملًا وفهمًا.

والبعد عن تقديم أهل الثقة عن أصحاب الرسالة الأكفاء، فهذا الأمر بالذات أوردنا المهالك، سواء بحسن ظن أو عدم تقدير للأمور، لكنه إجمالًا ليس هناك ملائكة في الأرض، ولا وحي بعد رسول الله؛ فكلنا نجتهد، وقد نصيب أو نخطئ، لكن هناك من الاجتهاد ما يكلف الأتباع ثمنًا باهظًا مع كامل التقدير لأصحاب الفضل والسبق والدعوات.

إن صاحب الرسالة اليوم يعاني من التنكيل والبطش، لكنه مُرٌ سيمر؛ فمهما طال الظلم سيندثر، ومهما عظمت الشدة ستزول، والتاريخ القريب يبلغنا بأن القامة التربوية، الحاج أحمد البس، الذي سقط جلده من التعذيب فى سجون الناصرية العفنة هو نفسه الذي أصبح لاحقًا أحمد بك البس، عضو البرلمان المصري، والشاهد أن دوام الحال من المحال، وكل هذا التجبر الذي تراه قد يذهب بين عشية وضحاها.

لقد مدح الله العاملين لدينه فقال: ومن أحسن قولًا ممن دعا إلى الله وعمل صالحًا وقال إنني من المسلمين. فليس هناك أشرف من الدعوة إلى الله والعمل لدينه. وقال أيضًا موضحًا الطريق إليه ومعالمه: والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر.

والآيات ترجمة لحياة صاحب رسالة بين المحنة والمنحة، وكأن الله يقول له: إذا أوصيت وسعيت بين الناس بالصلاح والإصلاح، فعليك أن تتواصى بعدها بالصبر؛ لأنه سيصيبك أذى، وهذا ديدن كل صاحب رسالة، فلا تمكين إلا قبله ابتلاء، كما أجاب الشافعي حين سئل: أيمكن المرء أم يبتلى؟ قال لا يمكن حتى يبتلى.

ونحن يقينًا لا نسعى أن نمتدح المحنة، ولا نحبها ولا نتمنها، لكن إن جئت فعلى صاحب الرسالة أن يعي أن هذا هو الطريق، وتلك معالمه، وأن يكون على ثقة منه، كما قال شهيد الإسلام سيد قطب في قصيدته: أخي أنت حر وراء السدود.

إن صاحب الرسالة مهما تعرض لمحن في طريقه إلى الله، فهي ترجمة لصلاح الطريق، والمنهج، وحسن الفهم، ومهما تعرض من مظالم في دنياه، فهو مأجور عليه، المهم أن يكون صادقًا في بيعته مع ربه واتباعه للنبي، وملمًا بمسيره ومساره في الحياة، ومقدرًا حجم وشرف التكليف الرباني، والاصطفاء له وعليه، فالعمل فرض ولا مناص منه تحت أية دعاوى، والحذر من القعود والتكاسل بدافع غياب الرؤى والنزاعات؛ فوالله إن الأمر أوضح من الشمس، فمن أراد العمل، فسيعمل، ومنافذه كبيرة ومتعددة، لذلك على كل صاحب رسالة أن لا يألف المحنة، ويشتهي الكسل تحت دعوى الأمان والأمن، فالظالمون – والتاريخ يؤكد – لن يتركوا كل صاحب فكرة وغاية حتى لو أغلق عليه بابه.

ختامًا المحنة مهما قست وتشددت وتملكت من الأجساد فهي زائلة؛ لأن القلوب عامرة بالرضا الإلهي، عاشقة لطريق المؤمنين، ثابتة على البيعة، وصادقة فيها  وعليها، فإن أي محنة تهون على صاحب الرسالة، وتصبح منحة بفضل الله، وعندها يقول: ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله.

ثم يردد: وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنًا.

فهذا وعد مقدور منذ الأزل لا يؤخره ظلم طاغية، أو تكاسل صاحب رسالة، فهل وصلت الرسالة يا صاحب الرسالة؟

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

فكر
عرض التعليقات
تحميل المزيد