لا يختلف اثنان على أن الحلقة الأخيرة من حكم العسكر والجنرالات لمصر هي التي يعيشها المصريون اليوم، ولكن لم يكن أحد يتوقع أن تصل بشاعتها إلى هذه الصورة المتوحشة الكائنة عليها الآن؛ فالقتل داخل وخارج إطار القانون، وانحدار العدالة وسقوطها في بئر سحيق، والتشريد والتعدي على الملكيات الخاصة، وتضييع حقوق العباد عمدًا، وتجويع الشعب، وإفقاره وتواصل جباية الضرائب منه صباح مساء لم يصل ذروته ولا حتى في عصور الاضمحلال السحيقة من أيام الفراعنة، مرورًا بكل الأمم التي تعاقبت على حكم مصر، ولقد حكم عدد من المستبدين مصر وجلسوا على كرسي عرشها، وأودت سياسة تجريب الأفكار الاقتصادية ونظمها المختلفة بالبلاد إلى انهيار الاقتصاد، وانخفاض قيمة العملة، وضياع رأسمال السوق، وهروب المستثمرين، وإنفاق أموال الميزانية فيما لا يفيد الأمة.

لقد أصبح اليوم الذي نعيشه في ظل حكم الجنرال الحالي وصمة عار على جبين كل مصري حي الآن؛ لأن إفساد البلد وتدميره وتضييع ثرواته التاريخية من النيل والجزر والأراضي ليس شيئًا عفويًّا أو جنونًا أو سفهًا من القيادة السياسية، بل هو أمر متعمد وممنهج ومخطط ومرتب ومعد مسبقًا والسكوت عليه أصبح جريمة يشترك فيها الجميع.

لقد أضحى تقنين الفساد، ودسترة الاستبداد، وإدارة حياة العباد بالحديد والنار شيئًا عاديًّا وغير مستغرب، وكان في عهد مبارك من يتكلم في الصحافة أو الإعلام أو يتناول الرئيس بالنقد كان يرسل له إفاده بالتهديد من قبل أجهزة الأمن أو حتى يتم الاعتداء عليه بالضرب غير المبرح إذا تعدى مستوى النقد المسموح به.

أما الآن فمن الممكن أن تتكلم وبعد أن تخرج الكلمات من فمك لا تجد رأسك بالكلية ويقرأ عليك الفاتحة ويضاف اسمك إلى قائمة شهداء الحرية شهداء ثورة يناير (كانون الثاني).

المطالع لتاريخ الثورات يجد أنه ما من ثورة بدأت وانتهت إلا ومرت بأطوراها المختلفة حتى تصل إلى ذروتها لتحقق نتائجها كاملة، فالثورة تشبه البحر الهائج فهو لا يستقر ولا يهدأ طالما توفرت الريح التي ترفع أمواجه عاليًا وتسقطها مرة أخرى لترتطم بصخور الشاطئ، وهكذا فإن إرهاصات الثورة وعواملها قد اكتملت على الأرض وبقوة وهي الآن مثل نار تحت الرماد تنتظر من ينفخ فيها لتشتعل مرة أخرى لتندلع وتأكل الأخضر واليابس، ولكن الأمر في هذه الموجه سوف يصبح مختلفًا تمامًا عن أحداثها السابقة، فسوف ينفجر الناس ليدمرون ويحرقون كل ما يخص ما يسمي بالحكومة والسلطة التنفيذية وأزرعها الأمنية، وكل من كان له ثأر عند إحدى قوات تنفيذ القانون (الشرطة) فسوف يأكلونه حيًّا، وسوف تصطدم الجماهير الغاضبة بكل من يرتدي بزة عسكرية، وسوف يستوي الجميع بنظرها لإن الغطاء قد انكشف والمستور قد انفضح وأصبح الجيش هو المسيطر والمهيمن على مقدرات البلاد، وأصبحت أراضي مصر كلها بحوزته، وهذا ما رأته الناس بأم أعينها، فهو لم يفلح عن الدفاع عن مقدرات البلاد التي تمثل شريان حياة لها، وأصبح كل همه هو المتاجرة بقوت البسطاء وأحلامهم، لذلك فسوف تشهد مصر في الأيام المقبلة ثورة دموية لن يستطيع إيقافها أحد، لأن الناس قد ضاقت عليها الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم، والجيش الذي توسموا فيه خيرًا أصبح اليوم يهجرهم من بيوتهم ويطردهم ويشردهم دون أدني اعتبار لكرامة الإنسان ولا لمرضه ولا لسنه ولا حتى انتمائه وولائه لوطنه وحكومته، فأصبح الكفر بكل معاني الوطنية والانتماء هو عنوان المرحلة.

إن المخابرات الغربية والأمريكية تتابع بقلق الأحداث على الأرض وتوفد تقاريرها أولاً بأول لصناع القرار في بلادهم، وتتحضر لاحتواء الثورة والسيطرة عليها وطرح البدائل لخداع الجماهير مرة أخرى ولكن هيهات؛ فلقد خرج الأمر عن السيطرة ولن يشفي قلوب الناس إلا الانتقام من الذي قتل أحلامها وسرق أرزاقها، إن الموجة المنتظرة لثورة يناير لن ينفعها الخطة باء الأمريكية، ولن يوقفها فقدان الأرواح والأجساد لأن الجماهير العريضة لم يعد لديها شيء تخاف من فقدانه ولا حتى حياتها التي أصبحت بلا قيمة في عهد العساكر.

إن الموجة العاتية القادمة التي انفجر بركانها في يناير 2011 سوف تتأرجح بين كفتي الفوضي والثورة المتنورة الموجهه بحسب الإدراك والوعي الجمعي لدي الأمة، ولكن لن تتنازل الأمة هذه المرة إلا برؤية من قتلها وسامها سوء العذاب، وباع أرضها وماءها، وأدخل المحتل إلى ترابها إلا مقتولاً مجندلاً مقطعًا كما حدث مع الطاغية شاوشيسكو، وهذا الخيار الذي سوف تضطر المؤسسة العسكرية لفعله تكرارًا للسيناريو نفسه التي قامت به في مأساة 11 فبراير (شباط) 2011، ولكن الجماهير بالمرصاد ولن تأكلها مرة أخرى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد