ما يزال مقتل الكاتب السعودي جمال خاشقجي يتصدر عناوين الأخبار والصحف حول العالم، منذ اختفائه في الثاني من الشهر الجاري، بعد دخوله القنصلية السعودية في إسطنبول، ومن ثم إعلان النائب العام السعودي الرسمي في العشرين من هذا الشهر، بأن خاشقجي قد قتل داخل القنصلية.

منذ اختفاء خاشقجي وزاد عليه إعلان مقتله رسميًّا، تناول العالم سياسة الحكم السعودي بنقد لاذع غير مسبوق، تجاوز مرحلة البحث والتحليل لما عرضته السعودية من رواية رسمية لمصرع خاشقجي، كانت مبعث تندّر وسخرية كل المطّلعين تقريبًا، ووصل إلى حد تناول الحاكم الفعلي في الرياض ولي العهد محمد بن سلمان تناولًا عنيفًا، وتحميله مسؤولية إصدار الأمر بتصفية خاشقجي.

مع هذا الاهتمام العالمي الواسع بقضية خاشقجي، تبرز أسئلة منطقية مفادها: هل أدرك العالم للتو حقيقة سلوك مؤسسة الحكم في السعودية؟ هل يصح اعتبار مقتل خاشقجي هو الفرصة المناسبة لكشف تلك الحقيقة؟ أم أنه اكتشاف متأخر جدًّا؟ هل من المنطقي أن يستيقظ العالم من سباته فجأة ليدرك أن في الشرق الأوسط دولة بهذا المستوى في التفكير والرؤية السياسية بحيث تقوم بمثل هذه العملية بالشكل الذي جرى فضحها من خلاله؟ السؤال الأهم: هل كان العالم فعلًا غير منتبه لحقيقة النظام السياسي الحاكم في الرياض؟ أم أنه كان يغض الطرف عندما كانت المصلحة تقتضي ذلك؟

طوال السنين الماضية، وقعت أحداث عديدة في المنطقة، كانت السعودية طرفها الأساسي أو أحد أطرافها، وتعد من نواح متعددة أكبر من قضية خاشقجي، أو على الأقل بمستوى ما اكتسبته القضية من أهمية، لكن أحدًا لم يسلط على تلك القضايا الضوء الكافي، أو على الأقل قدرًا من الاهتمام يوازي ما تبذله الآن في ما يخص مقتل الصحافي السعودي.

منذ سبع سنوات، تدخلت السعودية بقوات درع الجزيرة لغرض قمع احتجاجات فبراير (شباط) 2011 في البحرين، ومنذ ذلك الحين تمارس تلك القوات بالاشتراك مع الأجهزة الأمنية التابعة للمنامة ممارسات تعسفية ضد المدنيين والمعارضين السلميين. ممارسات حكومة آل خليفة القائمة على إحداث تغيير ديمغرافي واسع النطاق، وانتهاج سياسة الاعتقال التعسفي، وفرض أحكام الإعدام والسجن لمدد زمنية طويلة؛ بالإضافة إلى الإبعاد وإسقاط الجنسية، وبالمقابل تجنيس أجانب مقيمين في البحرين، كل ذلك لم يحظ بالقدر المستحق من الاهتمام من الإعلام العالمي. في مارس (آذار) 2015 أعلنت السعودية بدء عملية عاصفة الحزم ضد الحوثيين في اليمن بدعوى استعادة شرعية الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، الذي لجأ إلى الرياض حينها. منذ ذلك التاريخ وحتى الآن، نفذت السعودية عمليات قصف ممنهجة طالت مختلف المرافق الأساسية في اليمن، بالإضافة إلى الاستهداف الهمجي للمدنيين. مجازر مثل القاعة الكبرى وطلاب ضحيان وغيرها بلغت من البشاعة والفظاعة حدًّا كان يتوقع من خلاله أن يبادر بعمل مؤثر لوقف المأساة الإنسانية التي لم تكن خاتمة مطافها تعرض اليمن لأزمة بيئية وغذائية مدمرة لم تنفع مناشدات الأمم المتحدة، والوكالات الدولية ذات الصلة، في ثني الدول الكبرى عن الاستمرار في بيع السلاح بمختلف أنواعه إلى الجيش السعودي. ناهيك عن سياسة التمييز التي تمارسها الرياض داخل البلاد ضد المكونات الاجتماعية والدينية، وملاحقة النشطاء والمعارضين بمن فيهم من قرر الخروج عن خط العائلة الحاكمة من أميرات وأمراء شباب.

على غرار ما تقدم، لم يحظ أيضًا تورط السعودية في دعم المجاميع المسلحة في سوريا والعراق والتدخل في الشؤون الداخلية للبلدين بقدر اهتمام يناسب الضخ المادي، والإعلامي، والبشري الهائل، الذي قامت به الرياض لدعم تلك المجاميع التي عبثت بأمن دمشق وبغداد لسنوات واستقرارهما، وما خلفته من خسائر بشرية ومادية. كذلك لم يلفت النظر بمستوى معقول تدخل السعودية في الشأن الداخلي اللبناني الذي وصل حد إجبار رئيس وزراء لبنان سعد الحريري على إعلان استقالته من الرياض، ومنعه من السفر، ثم السماح له في ما بعد نتيجة ضغوط لبنانية فرنسية.

تطول قائمة ما فعله نظام الحكم في الرياض منذ عقود من سياسات ساهمت في زعزعة استقرار المنطقة المضطربة أصلًا، فالدولة التي أعلن تشكيلها عام 1932 متخذة من لقب آل سعود اسمًا رسميًّا لها، وعلاقتها الوطيدة مع القوى المؤثرة عالميًّا، من بريطانيا، مرورًا بالولايات المتحدة الأمريكية، جعلت من تلك العائلة التي حكمت شطري الجزيرة العربية -نجد والحجاز- بسيف التصفية الدموية لكل من خالفها، دولة مثيرة للجدل إلى حد بعيد.

حتى وقت قريب، تناولت مختلف وسائل الإعلام العالمية شخصية ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بكثير من الانبهار، وإضفاء هالة اعلامية كبيرة على الأمير الشاب، بوصفه صاحب الرؤية الجديدة للمملكة العتيدة، والمبشِّر بعهد جديد في الرياض تتعزز فيه مفاهيم الديمقراطية وحرية التعبير. تغاضت دول تجارة السلاح، ومعها وسائل الإعلام المؤثرة فيها عن طبيعة شخصية الأمير الشاب، الذي وجد نفسه على بعد خطوة من تبوء عرش دولة بترولية طالما عدها الغرب الدجاجة التي تبيض ذهبًا. كل ما فعله ابن سلمان من احتجاز مجموعة من أمراء الأسرة المالكة في أحد الفنادق، متهمًا إياهم بالفساد، وفارضًا عليهم دفع مبالغ مالية طائلة، بدعوى أنها مختلسة من قبلهم، وتوليه ملف الحرب في اليمن منذ البداية بوصفه وزيرًا للدفاع، وما ترتب على ذلك من تحمل مسؤولية الكوارث التي ذكرناها، وعلاقته الوطيدة والغريبة الأطوار مع إدارة البيت الأبيض الترامبوية التي مهدت لوثوبه إلى منصب ولي العهد والحاكم الفعلي للبلاد، كل ذلك لم يكن كافيًا للفت أنظار الإعلام العالمي إلى حقيقة من يتحكم في مؤسسة العائلة الحاكمة بشكل يشابه الضوء المركز الذي تسلطه تلك الوسائل الإعلامية اليوم على الأمير الشاب بعد مقتل خاشقجي.

لسنوات طويلة خلت، يصرخ ضحايا سياسات العائلة الحاكمة في السعودية من جراء أنين تلك الممارسات دون أن يجدوا آذانًا صاغية لدى القوى المؤثرة حول العالم، بما يماثل اهتمامها الذي تبديه اليوم لقضية مقتل جمال خاشقجي. كان يفترض مع كل تلك الأحداث التي تفوق إحداها الأخرى في البشاعة والتهور، أن تعرف حقيقة التصور الذي ينبغي بناؤه والنظر إلى حكومة آل سعود بموجبه: عائلة تسلطت بالسيف، ومهدت لنفسها بالتعاون مع الدولة العظمى العالمية آنذاك أن تحكم أرضًا شاسعة تطفو على خزين هائل من الذهب الأسود، الذهب الذي اتخذته العائلة خزينًا استراتيجيًّا لضمان استقرارها السياسي، لا عن طريق توجيهه للتنمية والازدهار القائمين على التفاعل الحر مع الإرادة الشعبية وبناء نظام دستوري ذي ركائز متينة، بل عن طريق اتخاذه صندوق حساب جارٍ يدفع من خلاله إلى متعهدي حماية النظام السياسي من القوى الأجنبية بتطبيق قواعد تجارة الحماية بشكل واضح، إضافة إلى جعله وسيلة لشراء الذمم أو على الأقل شراء سكوت الدول والأطراف السياسية المؤثرة بعناوين أخرى، كالجمعيات ووسائل الإعلام ومراكز البحث وغيرها في عملية ممنهجة غايتها الوحيدة تبرير وجود نظام عائلة آل سعود في هذه المنطقة.

اليوم، تبدو صورة الدولة التي يقودها من بشر به على أنه رمز مستقبل المملكة الآتي إلى سدة الحكم برؤية عصرية، أكثر اهتزازًا وشكًّا في أعين العالم، وربما فعل اللامنطق فعلته، فكان حادث مقتل خاشقجي الشرارة التي جعلت الإعلام العالمي لأسبابه ينتقد سياساته وعائلته الحاكمة، وربما كان سبب هذه الضجة على خلفية مقتل خاشقجي غير منطقي مقارنة مع الحرائق التي أشعلتها الرياض في دول بأكملها، ولم تنل ما تناله اليوم من سهام النقد والاتهام. وحتى لو خبّأ القدر لحكومة آل سعود ما يجعلها تنجو من مأزق مقتل خاشقجي، فإن كشف حساب ثمن ما قامت به تلك الحكومة في الماضي وما ستقوم به، سيأتي أوان دفعه وفق قوانين القدر أيضًا، خاصة مع نضوب سبب بقاء النظام السعودي حتى ذلك الوقت، ووصوله إلى مرحلة الاضمحلال التي ستجعله وحيدًا غير قادر على دفع ما يتوجب عليه، وبدون ما تعود على وجوده من سند وحماية إلى جانبه، كان دومًا جاهزًا لدفع أثمانها الباهظة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد