مستقبل التشيع في المجتمع التركي بعد توقيع اتفاقية تعاون ديني بين الشؤون الدينية التركية والجانب الإيراني.

على إثر اجتماع القمة في ماليزيا، بادرت إيران لقطف ثمار مشاركتها، كانت أولى الخطوات العملية توقيع اتفاق «تبادل ديني وثقافي» بين المؤسستين الدينيتين في تركيا وإيران، إذ مثَّل الجانب التركي في ذلك رئيس الشؤون الدينية التركية البروفيسور علي أرباش، ومثل الجانب الإيراني رئيس وحدة الاتصالات والثقافة الإسلامية الإيرانية أبوزر إبراهيمي تركمان.

قابل الشعب التركي هذه الاتفاقية بالرفض وطالب باستقالة رئيس الشؤون الدينية، فما كان من رئاسة الشؤون إلا أن أصدرت بيانًا تؤكد فيه أن ما شاع من استقدام محاضرين إيرانيين إلى الجامعات التركية ليس صحيحًا، وأن كل ما نصت عليه الاتفاقية لا يعدو أن يكون بذل جهود مشتركة لإقامة مسابقات قرآنية ومحاربة الخوف من الإسلام، بالإضافة إلى تنظيم برامج ثقافية إسلامية في مجال الحضارة، والفقه الحديث، والحج، وترجمة الكتب الشيعية والسنية، وتوحيد الجهود لحل مشكلات الأمة عمومًا والقدس خصوصًا. «فقط لا غير» كما يقول حال البيان.

إن بيان رئاسة الشؤون الدينية الذي حاول تخفيف غضب الشارع التركي لَيَدُلُّ على بساطة شديدة ما زالت تسيطر على رجال الدين في تركيا رغم كل الحريق الإيراني الذي عم المنطقة.

إن ما رأته رئاسة الشؤون التركية الدينية «اتفاقيات ثقافية بسيطة» يعد بالنسبة لإيران الخطوة الأولى نحو احتلال بلد كامل، فكيف ستخترق إيران المجتمع التركي لتسيطر عليه لاحقًا؟ وما نقاط ضعفه التي يمكن لها التسلل عبرها؟

منطلقات وآليات المشروع الإيراني:

إن الفرق الأساسي في هذا الاتفاق يتمثل بكون «إيران» كدولة، تملك خططًا حاضرة ومجربة لاختراق المجتمعات السنية، بينما لا تملك أي دولة سنية في المنطقة أي خطط لاختراق المجتمعات الشيعية، وهذا واقع مشاهد لا يحتاج إلى تدليل، لدرجة أن باكستان الكبيرة تشتكي من اختراق إيران الصغيرة.

من خلال مراقبة المشروع الإيراني في المنطقة، نجد أن منطلقات الاختراق الإيراني التي تكفل لها النجاح أربعة، هي:

1- التخطيط طويل الأمد.

2- غفلة الشعوب المجاورة لهم.

3-بناء شبكة علاقات براغماتية مع زعماء دول الجوار.

4- استغلال الخلافات والفوضى في الدول المستهدفة.

وإن الأسس السابقة التي ينطلق منها المشروع الإيراني تعمل عبر أربعة محاور هي: المحور السياسي، والعسكري، والاقتصادي، والديني، وهو أهمها.

في حين يتمتع رجال الدين الأتراك بالتهذيب الشديد والبساطة في التفكير وحب التودد إلى الآخر، فإن رجال الدين الإيرانيين يتمتعون بقدر كبير من التربية الاستخباراتية والسياسية، فبينما يأتي رئيس الشؤون الدينية التركية بحقيبة فارغة ويغرق في تنقيح تفاصيل اتفاق عادل؛ فإن الفريق الإيراني يأتي بحقيبة تحمل خريطة اجتماعية عن كافة مكونات المجتمع التركي، تقسم المجتمع التركي بحسب مقتضيات التبشير الشيعي إلى صديق، وعدو، ومحايد سلبي وإيجابي، ويراقب أثناء توقيع الاتفاق كل الجالسين وهو يحاول وضع تقييم لكل منهم بحسب قابليته لخدمة المشروع الإيراني والعمل فيه، ولا ينتهي الاجتماع حتى يخرج بتقرير متكامل عن شخصية كل شخص يتضمن طريقة تفكيره، ومستواه الثقافي، وأفضل الطرق المادية أو المعنوية الكفيلة بجعله مطية للمشروع الإيراني.

قابلية المجتمع التركي للاختراق:

كمدرس للغة العربية في المدارس الإسلامية التركية، فقد لاحظت فراغًا رهيبًا في الفكر الديني لدى الجماعات الإسلامية في هذه البلاد؛ إذ يقضي طلابهم سنوات طويلة في قراءة النحو والصرف العربي، والمنطق والفقه وأصوله، بينما لا يحصِّلون أثناء دراستهم الطويلة أيًّا من المؤطرات الفكرية للشخصية الإسلامية السنية، التي تبنى على قراءة التاريخ الإسلامي والفكر السني المعاصر، وفقه الطوائف والأديان، والجدل العقدي والفلسفي.

إن التكوين الديني للمجتمع التركي يعد في غاية البساطة يتكون من فكر إسلامي صوفي متسامح، وثقافة فكرية إسلامية بسيطة، قوامها الحرقة الإسلامية، والآداب السلوكية التي يشتهر بها الصوفية عامة، تتمثل بتعاليم الإمام الرباني، وكتب الشيخ سعيد النورسي، وأشعار نجيب فاضل، وآثار جلال الدين الرومي.

إن ضعف مكونات الثقافة الإسلامية تجعل التركي المتدين لا يفرق بين الأفكار الصادرة عن التبشير الشيعي المرتقب، وتلك الصادرة عن المكون السني الذي ينتسب إليه، ونظرًا إلى الجهل بثوابت وحدود التكوين السني بسبب الانقطاع عن مصادر الفكر الإسلامي المعاصر المكتوبة بالعربية؛ فإنه من اليسير أن يتحول المتدين التركي إلى شيعي دون أن يشعر أنه كذلك.

إن هذا لا يعني غياب الشريحة المفكرة والواعية في المجتمع التركي تمامًا، فهي موجودة ولها أعلام معروفون، ولكنها قليلة ولا تملك خبرة تمكنها من مواجهة الأخطبوط الإيراني ذي الأذرع المتعددة.

شرائح المجتمع التركي بالنسبة لإيران:

إضافة إلى المكون الثقافي البسيط للمجتمع التركي، فإن فيه خمس شرائح تمثل نقاط ضعف في بنية المجتمع التركي، مما ييسر للإيرانيين عملية اختراق المجتمع والسيطرة عليه:

الأولى: الطائفة العلوية، ونسبتهم في المجتمع التركي تقارب 12% بحسب «ترك برس»، يتوزعون على القوميات الثلاث الكردية، والتركية، والعربية، ورغم اختلاف عقائدهم عن الإيرانيين فإن إيران لديها قدرة كافية على تطويعهم في خدمة مشروعها، فقد نجحت قبل ذلك في تطويع أصناف من الشيعة المخالفين لها من قبل في سوريا، واليمن، والعراق.

الثانية: القرآنيون، وهم طائفة من المفكرين الإسلاميين الحداثيين الذين يعتمدون القرآن فقط في تفسير الإسلام وينكرون السنة، ويقضون معظم وقتهم في نقض التراث السني فقهًا وحديثًا وتفسيرًا وتاريخًا، وهم يشتركون مع رجال الدين الشيعي في هذا القدر؛ إذ تجدهم على تقارب فكري كبير معهم، كما أن نسبة من أبناء هذا التيار على صلة بعلماء إيران.

إن القرآنيين والإسلاميين الحداثيين الذين يحملون أفكارًا مضادة للفكر السني يبلغون نسبًا كبيرة جدًّا في تركيا؛ إذ يتجاوز عددهم فيها عديدهم في الدول العربية مجتمعة، ويشغلون مناصب كبيرة في معظم كليات الإلهيات، والتاريخ، والأديان، والفلسفة، والمراكز الإسلامية، والإعلام المرئي. ولا تحتاج إيران أكثر من تقارب بسيط معهم وتوجيه نقدهم نحو نقاط خاصة في الفكر السني تمت تجربتها عدة مرات، ليكون سقوطها الخطوة الأولى نحو قبول العقيدة الشيعية.

الثالثة: يغلب على المجتمع التركي الطُّرقية الصوفية، وهذا لا يشكل كبير مشكلة من حيث الأصل؛ إذ للتصوف في بلداننا وجه سني خالص يميزه عن التصوف الشيعي أو المسيحي والهندوسي. ولكن الواقع أن كثيرًا من الطرق التركية توغل في المعاني الصوفية على حساب الفكر العلمي السني، مما يجعل اختراقها في غاية السهولة، وإن الجماعات الصوفية على العموم لا تملك ذخيرة معرفية وفكرية تمكنها من تمييز حدود الاختلاط بين ما هو من التصوف السني، وبين ما هو من النهج العقدي الإيراني.

الرابعة: توجد في تركيا بعض الأحزاب والجماعات الإسلامية الذين دأبت إيران على استمالتهم منذ عدة عقود، ففي شرق تركيا جماعات معروفة في الأوساط الإسلامية التركية، عملت إيران على مساعدتهم أحيانًا، وعلى عقد علاقات اجتماعية جيدة معهم، ومع طول التواصل تأثروا بالنهج الديني الإيراني، رغم حفاظهم على الأصول العلمية العامة للنهج السني.

الخامسة: الجماعات السلفية المتطرفة، في تركيا العديد من الجماعات السلفية التي تحمل أفكارًا تكفيرية خطيرة، وهي تجمعات نشطة في مجال التبشير السلفي، ولها مراكز في كل مكان تنشط بشكل مدروس وهادئ مستغلة هامش الحرية الموجود في تركيا، وقد شارك الكثير من أبناء هذه التجمعات في تنظيمات جهادية سلفية عدة في سوريا، فانضم بعضهم لداعش، وبعضهم للنصرة أو لجماعة أنصار السنة وفجر الإسلام، وبعض هذه الجماعات عملت على تدريب عناصرها عسكريًّا في سوريا في مخيمات مغلقة وخاصة بهم، ثم أعادتهم إلى تركيا.

ومما يزيد خطر هذه التجمعات احتواء الأراضي التركية على كثير من المعارضين السلفيين من الطاجيك والتركستان والداغستان والأذر، ولهم تأثير واضح في شريحة من المجتمع التركي من خلال استغلال المظالم التي تتعرض لها المجتمعات المسلمة لتجنيد الشباب التركي في تنظيماتهم المتطرفة.

عادة عندما يقرر الإيرانيون دخول منطقة ما، فإنهم يحركون هذه الجماعات عبر خيوط خفية – استخدموها سابقًا مع كافة تنظيمات القاعدة في العراق وأفغانستان وسوريا ولبنان – لتكون أكثر نشاطًا، وفي برنامج الليوان على قناة الخليجية حلقة كاملة عن علاقة إيران بتنظيمات القاعدة، شهد فيها رئيس المجلس العسكري لتنظيم القاعدة بالسعودية، علي الفقعسي، على ذلك.

إن هذه العلاقات الآثمة تحقق للإيرانيين ثلاثة أهداف:

الأول: إظهار المنهج السني منهجًا متطرفًا بتصويرهم ممثلين حقيقيين للمنهج السني المتطرف في مقابل التبشير الشيعي المتسامح، والداعي إلى المحبة.

الثاني: كردة فعل على التبشير الشيعي، تبدأ هذه الجماعات بإشهار فتاويها التكفيرية للشيعة والعلوية، فيبدأ الشيعة بالشعور بالخوف، وهنا يظهر رجال الدين الإيرانيون بدور المنقذ الذي حذرهم سنوات من التطرف السني الخفي الذي ينوي ذبحهم، فيضطرون للالتفاف حول ولاية الفقيه والدخول في المشروع الإيراني، وقد جرب الأسد والمالكي ذلك في سوريا عبر إطلاق سراح التكفيريين من سجون صيد نايا والعراق، لكي لا يبقى للعلوية وللأقليات في سوريا خيار بعد قيام الثورة إلا الدفاع عن آل الأسد، أو الموت ذبحًا على يد هؤلاء التكفيريين.

الثالث: عندما تأخذ هذه الجماعات التكفيرية مركزية في مجتمع السنة بتصويرها المدافع الأول عن الخصائص السنية في مواجهة التبشير الشيعي، تبدأ هذه الجماعات بمحاربة باقي مكونات التيار السني الذي تكن له عداءً عميقًا من خلال رفضها للفقه المذهبي، أو المنهج الصوفي، أو الفلسفي والفكري، أو السياسي لأهل السنة، واعتبار كل ذلك أباطيل. وهنا يتشقق المجتمع السني على نفسه، بينما ينتشر التشيع بشكل يسير ومنظم في كل مكان.

وعند حدوث أي فراغ أمني أو سياسي، فإن هذه الجماعات تحمل السلاح، وتحول فكرها الدموي إلى واقع، وفي حال ظهور أي حركة اجتماعية لإصلاح الوضع؛ فإن نجاح ذلك يكون في خانة المستحيل، فقد رأينا ما فعلت هذه الجماعات التكفيرية في المجتمعات السنية في الصومال، وأفغانستان، والعراق، وباكستان، واليمن، وأخيرًا في سوريا عبر داعش وجبهة النصرة.

وإذا أضفنا إلى ذلك كون الإيرانيين أنشط جنسية أجنبية في تملُّك العقارات في تركيا، وخاصة في المدن الساحلية، نستطيع أن نحصل على تصور مبدئي للأوراق التي ستلعبها إيران في السنوات القليلة القادمة على الأراضي التركية. فقد نشر موقع «ترك برس» تقريرًا بشراء الإيرانيين 8 آلاف عقارٍ في مدينة إزمير التركية خلال عام 2019.

ختامًا:

إن الإيرانيين يملكون تجارب طويلة في اختراق مجتمعات أكبر منهم عددًا، وكانت خطواتهم الأولى تتضمن دائمًا:

العمل الخيري والغزو الفكري والمراكز التعليمية، ولا يمكن مواجهتهم بالحرب أبدًا؛ فهم همجيون إلى حد يفوق الوصف، ولا توجد في منطقتنا بعدُ قوة قادرة على مواجهتهم، لكن المقاطعات والحصار، والحذر الشديد، والحرب الباردة، وسائل كفيلة بمحاصرتهم ومنعهم من التمدد خارج السدود الإيرانية، فهم يأجوج ومأجوج المنطقة، أي سد يفتح أمامهم يعني تدفق الإرهاب والقتل والدم باسم الإسلام، وآل البيت الكرام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد