شهدت سوريا الكثير من التوترات الأمنية والسياسية في البلاد منذ بداية تأسيسها تمثل ذلك في موجة من الانقلابات العسكرية بدأت فيها منذ العام 1949 تولى خلالها العديد السلطة، ولفترات متعددة، نتيجة النفوذ العسكري وسهولة الوصول للحكم من خلاله، كان آخرها انقلاب حزب البعث في عام 1963 استلهامًا من التجربة العراقية حينها استولت فيها اللجنة العسكرية على الحياة في سوريا وإطاحة حكومتها، تلاها انقلاب عام 1966 الذي كان يعد تمهيدًا لسيطرة البعث الفعلية في عام 1970 بقيادة حافظ الأسد، أنهى فيها مراحل الانقلاب العسكري ليكون آخر من يسيطر على القرار وجعله بيده واحتكاره الحياة السياسة، إلى جانب السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية.

عمل من خلال سلطاته إلى تكريس سلطة القائد الواحد والحزب الواحد، وتحويل القوانين ودساتيرها بما يخدم مصالحه ويدعم ركائزه، وكلما كانت تستدعي التغيرات السياسية لذلك لم يكن آخرها دستور عام 1950 الذي جرى تعطيله والعمل فيه وإستبدال دستور عام 1973 البعثي به، الذي سمي بالدائم كما جاء فيه وكان من أطول الدساتير التي تحكم البلاد لصالح جماعة أوحزب نصت فيه المادة الثامنة على أن حزب البعث هو القائد للدولة والمجتمع، يملك فيها سلطة التشريع وإعلان الحرب وحالة الطوارئ والتعبئة العامة، كما جرى فيها تعديل المادة 83 لصالح الوريث الابن في عام 2000 تقضي من خلالها تخفيض السن القانوني لتولي منصب الرئاسة لتصبح متناسبة تمامًا مع سنه في عمر 34، بعد أن كانت لمن تجاوز سن 40 وما فوق، وترفيعه بشكل مفاجئ إلى أعلى رتبة في الجيش ليتمكن من خلالها حكم البلاد وقيادة القوات المسلحة ومتابعة مسيرة والده في القمع والتنكيل بواجهة حزب البعث، وتحويل البلاد إلى إرث جمهوري حزبي تحولت فيما بعد إلى حكم عائلي يتم تداوله بعيدًا عن أعين الشعب أو حتى إرادته.

شهدت البلاد إضرابات دامية خلال فترة حكم الأسدين للسلطة كان أبرزها مجازر حماة 1982 راح ضحيتها عشرات الآلاف من المدنيين نتيجة رفضهم لحكم الأسد وسياسة حزبه في السلطة وفرضه للأحكام العرفية وقوانين الطوارئ القاضية بعدم الممارسات الحزبية الأخرى، ومنع التجمعات وإقامة النشاطات السياسية، وفرض القبضة الأمنية على البلاد بشكل كامل.

كانت من أبرز الصراعات الداخلية التي حاول من خلالها تغطية خسائره القومية ولا سيما منها حرب يونيو (حزيران) عام 1967، ووقوفه إلى جانب نظام الحكم في إيران في حربها مع العراق عام 1980 وتوجيه الأنظار إليها على أنها حروب تستهدف مطامع النفوذ فيها.

تحول فيها حزب البعث إلى أداة الصراع الطائفي وواجهة حكم البلاد من خلال عدة أحداث متتالية في دول مجاورة تدخل فيها الأسد لاجتياح بيروت في الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975، وبسط كامل سيطرته بذريعة حماية المقاومة الفلسطينية راح ضحيتها عشرات الآلاف من المدنيين نتيجة حصار دام 50 يومًا على مخيم الزعتري في العام 1986، ومشاركته في مجازر صبرا وشاتيلا الأولى والثانية في العام 1982، وحصار طرابلس راح ضحيته عشرات الآلاف من الضحايا والجرحى معظمهم من النساء والأطفال وكبار السن.

ولم يختلف الأمس عن اليوم من تلك الحقبات السوداء التي يعيشها السوريون تحت حكم نظام الأسد وشعاراته القومية مستخدمًا الآلة العسكرية في تثبيت حكمه والحفاظ على بقائه سيطر خلال فترة حكمه الطويلة على مفاصل الحياة المهمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، في بعدها عن التمثيل الشعبي والجماهيري لأطياف المجتمع يقود من خلالها الحياة السياسية للبلاد مع مجموعة من بعض الأحزاب والجمعيات الأخرى الدائرة من حوله في فلك سياسته تحت مسميات سقف الوطن تارةً، وتحت مسميات الحفاظ على عروبته تارةً أخرى، بعيدًا عن التجربة الفعلية للحياة الديمقراطية في ممارسة الحكم وما يطمح إليه السوريون من تغيير جذري في البنية الهيكلية العسكرية والسياسية للبلاد الجاثمة على صدور الملايين منذ عشرات السنين من انقلاب حافظ الأسد على السلطة ومجيء وريثه إلى الحكم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد