أعتقد أنه قد حان الوقت كي تراجع وسائل الإعلام الأمريكية ودوائر القرار في الولايات المتحدة مفاهيمهم الخاصة بالتحالفات الاستراتيجية بين الدول قبل التحدث عن مصر ونعتها بـ«الحليف السيئ»، ما يجب أن تستوعبه الإدارة الأمريكية أن المسألة هنا في الشأن المصري لا تتعلق بحليف «سيئ» بقدر ما تتعلق بحليف «متكافئ»، حليف يتعامل بمنطق الند للند وليس بمنطق التبعية الذي تنشده الولايات المتحدة ولا تجد عنه بديلًا كتعريف لمفهوم التحالفات. هذا بالظبط ما يفسر لنا كم الصدمات المتتابعة التي تحاول الولايات المتحدة امتصاصها من جراء السياسات المصرية الخارجة عن السيطرة الأمريكية على مدار السنوات الأربع الأخيرة والدلائل لا تنتهي في هذا السياق.

في يونيو 2013، قلب «الحلفاء السيئون» المصريون الطاولة على المشروع الأمريكي للشرق الأوسط الجديد ثم إنهم لم يكتفوا بذلك بل تحدوا كل المطالبات الأمريكية واستمروا في طريقهم غير عابئين حتى فرضوا ما يبتغون على محيطهم العربي والأفريقي والدولي، التطور الطبيعي للأحداث دفع بمصر إلى عقد التحالفات السياسية والعسكرية والاقتصادية مع روسيا والصين وتنويع مصادر سلاحها عبر هذه الدول، إلى جانب الانطلاق نحو آفاق جديدة من العلاقات الاستراتيجية مع أوروبا وإقامة تحالفات عسكرية ومخابراتية عميقة مع فرنسا وألمانيا كأكبر دولتين في الاتحاد الأوروبي.

حصلت مصر على ولاء القارة الأفريقية وتقديرها وتسلمت زمام القيادة في القارة السمراء بعد أن كانت شرعيتها محل تساؤل في الاتحاد الأفريقي منذ أربع سنوات فقط ثم نال المصريون ثقة المجتمع الدولي وحصلوا باكتساح على مقعد غير دائم في مجلس الأمن الدولي.

في الشأن الليبي نفذت مصر (على عكس الرغبة الأمريكية) السياسات التي تخدم مصالحها المشتركة مع جيرانها الليبيين ووفرت الدعم السياسي والعسكري واللوجيستي لفرض النظام واجتثاث الميليشيات الإرهابية من فوق الأراضي الليبية. الموقف السياسي المصري في سوريا سار على نفس النسق، فبينما تسعى الولايات المتحدة لفرض التقسيم على الأراضي السورية بين حكومة ومعارضة معتدلة ومعارضة مسلحة وجبهة نصرة وداعش وأكراد فإن الحليف السيئ المصري تمسك بدوره التاريخي في الحفاظ على وحدة الشعب السوري بصرف النظر عن الأشخاص أو الحكومات وكل ما يحدث على الأرض في سوريا خلال العامين الماضيين يسير بالضبط وفق الرؤية التي تتبناها الدبلوماسية المصرية.

الحليف السيئ المصري يرفض رفضًا قاطعًا التعاون مع أمريكا في حلف «وهمي» للقضاء على داعش التي صنعتها «سي آي إيه» بنفسها في العراق وسوريا كما أنه يرفض كل محاولات الإدارة الأمريكية للتدخل في الشأن الداخلي المصري تارة عن طريق عرض المساعدة في تكتيكات الحرب على الإرهاب في سيناء وتارة عبر الضغط بفزاعة حقوق الإنسان، وتارة أخرى عبر المطالبات المستمرة بامتيازات خاصة بعبور السفن الأمريكية في قناة السويس. مصر «الحليفة السيئة» رفضت منذ عقود طويلة وستظل دائمًا رافضة لأي مساعٍ أمريكية لإقامة قواعد لها على الأراضي المصرية على عكس ما يحدث في دول شرق أوسطية حولنا تتاجر بشعارات الخلافة والدين بينما يرتع الجنود الأمريكيون بأسلحتهم ومعداتهم الحربية على أراضيها. الحليف السيئ المصري قام بعملية عزل واضحة للولايات المتحدة عن المجتمع الدولي عن طريق الضغط بشدة في مجلس الأمن الدولي والجمعية العامة للأمم المتحدة ضد السياسات العنصرية الأمريكية تجاه القدس العربية.

ختامًا، على الإدارة الأمريكية أن تعي جيدًا أنه وبصرف النظر عن المعايير التي تضعها الولايات المتحدة للتحالفات من حيث كونها جيدة أم سيئة فإن الحليف المصري مصمم على المضي قدمًا في شذوذه عن السياسات الأمريكية في الفترات المقبلة ولن يقبل بأقل من علاقة متكافئة مع الولايات المتحدة في إطار من الاحترام المتبادل لكل ما يخص مصالح البلدين في مختلف القضايا الإقليمية والدولية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أمريكا, ترامب, مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد