(1)

استخدام الفن لإيصال محتوى أيديولوجي للقارئ ليست بدعةً حديثةً، بل هي قديمة قدم الفن، ويكثر استخدامها مع ازدهاره، فلا يوجد عتاب على صاحب أيديولوجيا أن يحاول تقديم أفكاره في إطار فني.

(2)

ولكن هناك دومًا محاذير تحيط بهذا الأسلوب في التأثير الفكري عبر الفن، وأبرز تلك المحاذير محاذير أخلاقية وأخرى فنية، فمن المحاذير الأخلاقية احتمال السقوط في غياهب نقص الموضوعية من خلال قلة الدقة في النقل عن المخالف، أو التلاعب في الأضواء والظلال لتسليط الأضواء على أشياء وحجبها عن أشياء أخرى قد تغير المشهد، أو وضع أشياء في غير سياقاتها، أو استخدام معايير غير متوازنة في الطرح أو ما يعرف بالكيل بمكيالين، وقد يتطور السقوط في المحاذير الأخلاقية ليتعدى نقص الموضوعية إلى نقص المصداقية، فيسقط العمل الفني في الكذب الصريح أو التدليس، رغبةً في إقناع القارئ بالرسالة الأيديولوجية.

(3)

وأما عن المحاذير الفنية فأهمها وأشهرها الوقوع في فخ (المباشرة)، بحيث يفقد العمل الفني ملامحه الفنية ويتحول إلى خطبة وعظية أو محاضرة فكرية أو ما شابه، ومن الأخطاء الأخرى المصاحبة لسيطرة الأيديولوجيا على العمل الفني هو ضعف الحرفية الفنية، فإذا كنا نتحدث عن رواية أو فيلم فإن سيطرة الأيديولوجيا قد تقود إلى تفكك الأحداث أو تهافت الشخصيات ورداءة الحبكة الدرامية.

(4)

وقد اجتمعت كل هذه المحاذير في فيلم (الضيف) الذي يعرض حاليًا في السينمات وقام بكتابته الأستاذ إبراهيم عيسى، حيث أراد الأستاذ إبراهيم أن يستخدم القالب الفني في تقديم أفكاره إلى الجمهور، مستخدمًا الفن كشكل محبب بديل للمحاضرة أو الكتاب الفكري! وهو أسلوب أتبعه في كل رواياته الأدبية، والذي قدمت واحدة منها سابقًا في السينما وهي رواية (مولانا)، وحملت بدورها جميع تلك المحاذير.

(5)

وقصة فيلم الضيف عن الكاتب والمفكر (يحيى التيجاني) صاحب الفكر الديني المجدد كما يعرضه الفيلم، وسيجد المشاهد أنه أمام شخصية إبراهيم عيسى نفسه، فنفس طريقة يحيى التيجاني في الحديث ونفس أفكاره، بل نفس هيئته الخارجية تقريبًا – عدا الحمالات – هي نفس طريقة حديث وأفكار وهيئة إبراهيم عيسى، بل إن اسم يحيى هو اسم ابن الأستاذ إبراهيم عيسى، وهذا المفكر يتعرض للملاحقات القضائية بتهمة ازدراء الأديان دون وجه حق، فهو في الواقع مصلي ومزكي وصوام، وهو يقدر الحياة العائلية وشديد الحب لزوجته المسيحية وابنته طالبة الجامعة الأمريكية، التي تدعوه لاستقبال شاب للتعرف عليه قبل أن يتقدم لخطبتها، والشاب معيد في كلية الهندسة بالجامعة الأمريكية، وقد درس في فيرجينيا، لكنه محمل تمامًا بأفكار سلفية شديدة الرجعية، مثل فرضية الحجاب (كذا) والاستماع لمشايخ مثل ابن باز وابن عثيمين، ويستهلك النصف الأول من الفيلم في توضيح مدى تنور وعظمة يحيى التيجاني، ومدى ظلامية الشاب الذي اقنع الفتاة وسلبها عقلها فهي تريد أن تتحجب وهي ابنة يحيى التيجاني، ثم ينعطف الفيلم في النصف الثاني فإذا بنا نكتشف أن الشاب إرهابي أخرج المسدس وطلب من المفكر أن يقدم تسجيلًا مصورًا انه ينتحر، ويعطيه المسدس ليقتل نفسه أمام الموبايل الذي يسجل، بينما يضع هو – معيد الجامعة الأمريكية – سكينته على عنق حبيبته ليضمن تنفيذ والدها لما يطلب، وفي النهاية يستطيع المفكر مغافلة الإرهابي والقضاء عليه رغم تمكن الأخير من طعنه بالسكين.

(6)

لو بدأنا بالنواحي الفنية فاللافت للنظر أن الحبكة شديدة التهافت، والحوار شديد المباشرة والسذاجة من الناحية الفنية (سنتعرض لاحقًا للناحية الفكرية)، فالفيلم كله مصور في منزل المفكر، والحوار طاغ عليه فكأنه تحول من فيلم إلى محاضرات مباشرة، وفتاة الجامعة الأمريكية التي ترتدي طوال الوقت الملابس الضيقة والمثيرة، سواء أثناء رجوعها من الجامعة، أو استقبالها للشاب، نكتشف أنها تريد الحجاب وأنها تصدم والديها بهذا، وهي تجلس معهم ومع فتاها بملابسها الضيقة تلك، وهذا الشاب معيد الجامعة الأمريكية يبدأ حواره مع والدي الفتاة أنه يحبها (في الله)! وهو مصطلح غير موجود في التعامل بين الرجل والمرأة، وهو يحبها في الله لإلتزامها وتقواها! (كذا بالنص)، وهو لا يعرف أدلة فرضية الحجاب، وهو يفتح مناقشات مع المفكر ثم لا يملك أي ردود عليها، هو فقط يفتح الباب أمام المشاهد ليصب المفكر على المشاهد آراءه في عدم فرضية الحجاب، وفي أن البخاري به مئات من الأحاديث المكذوبة، وفي أن حديث أسماء ضعيف، إلى آخر تلك الأقاويل.

ثم فجأة تصرح فتاة الجامعة الأمريكية ذات الملابس الضيقة أنها (قررت) الحجاب، ثم تقول لوالدتها إنها تعبت من (استقلال شخصيتها)! وأنها (مش طايقة حمل الحرية الذي تعطونه لي) [كذا بالنص]، وأنها تريد الوقوع تحت سيطرة شخص قوي الشخصية (كذا – فتاة الجامعة الأمريكية تقول هذا تصريحًا!)، ولا يقدم الفيلم تفسير واحد لحالة الإعجاب بين الفتاة والشاب، ولا أسباب اقتناعها بآرائه، وتخليها عن شخصيتها خلال أيام قلائل كما يذكر الحوار! كأنها ريفية جاءت للمدينة أول مرة فأسكرها شاب بكلماته، حتى أن الحوار لم يقدم فرصة لإبراز مشاعر حقيقية بين الشاب والفتاة، فكل شيء يتمحور حول ثنائية المفكر الإنسان اللطيف، والشاب المتزمت المغلق الفكر، ثم هو في النهاية إرهابي قاتل.

(7)

وهنا يأتي الشق الآخر، فعليك أيها المشاهد أن تربط بين الإرهابي وبين فرضية الحجاب، وبين المفكر اللطيف الإنسان المتفاعل مع الحياة وكرة القدم، والمحب لزوجته وابنته وبين القول بعدم فرضية الحجاب، فالحجاب مدهون بالصبار وعدم الحجاب مدهون بالعسل، فأيهما تختار؟ وخذها أيضًا مدهونة بالعسل أن البخاري يحتوي على (مئات الأحاديث المكذوبة على النبي) (كذا، ليست أحاديث ضعيفة، بل مئات الأحاديث المكذوبة)، فهكذا قال المفكر المصلي المزكي الصوام اللطيف المحب لزوجته وابنته العاشق لكرة القدة (الحَبُّوب)، وخذها مدهونة بالعسل (إنني مطالب أن أسعى لهداية زوجتي المسيحية للإسلام ليه؟ ما ربنا هاديها فعلًا، هي شايفة أن المسيحية حلوة والإسلام خلو ومتصالحة مع ربنا، يبقى فين المشكلة؟)، وخذها مدهونة بالعسل أن (ابن تيمية كان يكفر الطير في السماء! وأنه قال إن الكيمياء أشد حرامًا من الربا (وطبعًا لا يذكر الفيلم أن ابن تيمية كان يتحدث عن الألاعيب السحرية وشغل الجلاجلا، وليس علم الكيمياء وتطبيقاته الطبية وغيرها)، وخذها مدهونة بالعسل أنه لا توجد آية واحدة توعد فيها غير المحجبات بالعذاب (كأن آيات عصيان الله ورسوله وتعدي حدوده مقصورة على مواضيع محددة)، ومنها يستنتج أن ذلك لأنه (مفيش حجاب أصلًا!) وخذها مدهونة بالعسل أن بنات مرشد الإخوان ومشايخ الأزهر كن غير محجبات في الخمسينات (ترديد لأكاذيب الإعلام الناصري في بعضها، واحتجاج بما ليس حجة أصلًا)، وخذها مدهونة بالعسل أن الإسلاميين أدخلوا الحجاب إلى مصر في السبعينات كدعاية لأنفسهم (كأن الحجاب، بل النقاب لم يكن هو السائد في مصر قبل العشرينات من القرن العشرين، وأن خلع الحجاب ما بدأ إلا بعد 1919، وخذها مدهونة بالعسل أن الملتزم يرى الفتاة التي ترتدي الكولون إلى ما فوق الركبة هي ملتزمة ومتدينة.

(8)

ولكي لا يُظَنُ أنني أتحامل على إبراهيم عيسى لأسباب فكرية أو دينية، ولمزيد من المعلومات، فهذه مقتطفات من مقالة الأستاذ أندرو محسن عن الفيلم في موقع (في الفن):

يحول إبراهيم عيسى الفيلم إلى عدة فصول كل فصل يناقش خلاله إحدى القضايا الدينية، مثل الحجاب أو قبول المسيحيين، أو الخلاف حول علماء الإسلام، لا توجد مقدمات أو تمهيد من قلب الأحداث لأي من هذه الحوارات، فقط عبارات يشعر المشاهد بقوة أنها مصنوعة خصيصًا لإثارة هذا الحوار الآن، وليست تلقائية نابعة من تطور منطقي للأحداث.

تُناقش كل قضية من خلال حوار طويل بين يحيى وأسامة، ينتصر فيه الأول عادة ولا يُفسح السيناريو إلا القليل لظهور شخصيتي الأم والابنة، اللتين تُستخدمان عادة بمثابة الفاصل بين القضية والأخرى، وهو الأمر الذي ينطبق على الظهور السريع لشخصية مثل هاني (شقيق مارلين) الذي يأتي إلى البيت في مشهد استمر لدقائق قليلة ولم يُضف شيئًا للأحداث.

حتى في لحظات تهديد المتطرف للدكتور يحيى، يحول الموقف إلى حوار آخر طويل، بداية علينا أن نتغاضى عن انتظار هذا المتطرف كل هذه المدة حتى يخرج سلاحه ويصوبه ليحيى، فمبراجعة الأحداث منذ بدايتها لن نجد مبررًا منطقيًا، وبالتأكيد لم تكن الحوارات السابقة محاولة لجعل يحيى يرجع عن ضلالاته، فمن المعروف في عمليات الاغتيال أنها تنفذ مباشرة لأن الحكم يكون صادرًا بالفعل، لكننا سنغفل هذه التفاصيل، لكن الكلام عن تتابعات النهاية لم ينتهِ، فمن ضمن المبالغات الموجودة لشخصية يحيى، نجده يستمر في السخرية التي يتبعها منذ بداية الفيلم حتى وهو مهدد مع أسرته بمسدس إلى رأسه، في أسلوب لا يقترب بأي شكل من الواقع أو المنطق.

الأفلام التي تحتوي على محاكمات عادة تطرح أفكارها بشكل مباشر في أثناء المرافعة داخل قاعة المحكمة، «ضد الحكومة» لعاطف الطيب أو «قضية رقم 23» لزياد الدويري، كليهما استخدما هذا الشكل، لكن كلا الفيلمين يحتوي على دراما حقيقية وتطور في الأحداث، حتى وإن انتهيا بأن يعرضا عدة أفكار بشكل واضح في نهاية الفيلم، هذا ما لا نجده هنا، مع نزول تترات النهاية سنجد أن الفيلم على المستوى الدرامي لا يحمل تطورًا منطقيًا ومع تقييد السيناريو للمخرج في مكان واحد، وتقييد المخرج لكاميرته بلقطات ثابتة، لا يتبقى من الفيلم إلا الرسالة التي يوردها صناعه، محاولات مناقشة عدة قضايا ناقشها ويناقشها إبراهيم عيسى في برامجه ومقالاته وقرر نقلها لفيلم هذه المرة.

(9)

والخلاصة، الفيلم ليس بفيلم، وإنما هي محاضرة (سينمائية)، ويخرج المشاهد من الفيلم وعنده أن (البخاري، أحاديث الآحاد، التدليس، الخلافة، الحجاب) هي كلها تحت مظلة الشاب الإرهابي، بينما (الفيلا، البنت الأمورة، الكولون، قراءة القرآن، التراتيل الكنسية، الصلاة، الزكاة، الصيام (التدين المطلوب) هي تحت مظلة البطل الحبوب خالد الصاوي (إبراهيم عيسى سابقًا.. ولاحقًا).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد