النهايات السعيدة كانت ساحرة للجمهور في الماضي؛ البطل يجد البطلة بعد رحلة بحث طويلة ويعيشان حياة سعيدة، أو البطل الذي يمثل الخير يهزم عصابة الأشرار، ويتعاون مع الشرطة في القبض عليهم وتخليص المجتمع من شرهم.. وهكذا. لكن يبدو في هذه الآونة أن هذه النهايات لم تعد جذابة، ولم يجد فيها المخرجون إشباعًا لمتعة المشاهدين، فأصبحت النهايات لها طابع مختلف أكثر إثارة وأكثر إحباطًا في الوقت نفسه. فالبطلة أنثى براءة ملامحها ظاهرة، بعد عناء وجراح أثخنت جسدها النحيف تنجح في القضاء على القاتل السفاح، الذي أدمن قتل النساء، بحيلة ذكية بعد أن كادت تلقى حتفها.

 

المشهد التالي (قبل الأخير): البطلة تبتسم باطمئنان وسط أصدقائها، يغمرها إحساس بالأمان. المشهد (الأخير): في الخلفية القاتل السفاح يظهر مرة أخرى بملامح وجهه المرعبة، يختبئ منتظرًا اللحظة المناسبة للانقضاض على البطلة. يبدو أن الأمر بهذه الصورة أكثر جاذبية ومنطقية، ويبدو أيضًا أن هذه النهايات أكثر واقعية وملاءمة لواقعنا السياسي. فالأشرار الذين ظننا أننا قضينا عليهم، ورأينا سقوطهم المدوي، لا يفتؤون يعودون في أوقات مناسبة أو غير مناسبة، المهم أنهم يعودون. لا يأسرهم سجن، ولا يحرجهم رفض شعبي، ولا تقتلهم حسرة عزل من منصب استولوا عليه عقودًا.

فيلم (عاد من قديم)

المشهد الأول: حالة انتشاء وكبرياء، رايات ترفع، وشعارات نصر تسود مصر بعد عزل مبارك، في المقابل حالة صدمة تتملك أشخاصًا كانوا يعتلون العرش ويعيثون في البلد فسادا دون منافس، وبشكل مفاجئ أصبحوا منبوذين مكسورين (أو هكذا هُيئ لنا).

 

المشهد الثاني: حدث هام مثير للجدل، أطلق عليه وقتها “محاكمة القرن”؛ لأننا اكتشفنا بعدها أنها لم تكن محاكمة لكنها كانت (قرنًا)، الأسئلة والنقاشات لا تتوقف، والتنبؤات والتوقعات لا تنتهي، هل سنرى مبارك في القفص؟ معقول سنرى الديكتاتور الطاغية خلف القضبان؟

والمفاجأة، أننا رأيناه كما رآه العالم في القفص، والألسنة تردد تعليقًا على القدر العجيب: {يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء}.

النهاية:

– الرئيس الأسبق حسني مبارك، كل سنة وحضرتك طيب بمناسبة ذكرى تحرير سيناء.
– أهلا.. إزيك يا أحماااد. وأنت طيب.. ومصر وشعبها وجيشها بخير.

– مقدم البرنامج بفرحة شديدة لا تمكنه من الجلوس على الكرسي بثبات: وحضرتك بخير أهلا وسهلًا. ممكن حضرتك تقولنا عيد سيناء بيمثلك إيه؟ وإيه الدروس المستفادة؟ وتقول إيه للشباب؟ وللشعب المصري؟

ينطلق مبارك بنبرة ثابتة في الحديث عن صفحات من تاريخه خلال الحروب، ثم يختم الحديث بتوجيه نصيحته وتوصياته للشعب المصري العظيم.

ما رأيك في النهاية؟ هل كنت تتوقعها منذ بداية الفيلم؟ أو حتى في منتصفه؟ هل تصدقها؟ نعم يجب أن نصدق لأن هذا ما حدث فعليا، أكثر من شارك في الأيام الأولى لثورة يناير تفاؤلًا لم يكن ليصدق أن مبارك سيقبع في قفص اتهام قط.. كان هذا دربًا من الخيال، ولكنه حدث فعلًا. هذا الخيال إن كان بالنسبة لنا بعيدًا، فمنطقي أنه بالنسبة لمبارك نفسه أبعد. لكن العزل من المنصب، ودخول السجن، والتجريد من المزايا والممتلكات، لم يقتل مبارك كمدًا.

وما حدث كذلك خلال الفترة السابقة لا أجد له تعريفًا دقيقًا، فهو أمر أشبه بالفانتازيا. أحمد عز أبرز من كانوا سببًا في الثورة على النظام يحاول إعادة إنتاج نفسه جاهدًا دون اكتراث برأي عام أو أي إحساس بالحرج، وتتداول الأخبار عن رغبته في الترشح للبرلمان. وشفيق عاد بعد صمت طويل ليظهر كأنه بطل قومي يوضح ويفسر ويروي الأسرار.

 

وكذلك سامي عنان الرجل الثاني في قيادة الجيش المصري (سابقًا)، والذي لقي عزله على يد محمد مرسي عام 2012 ترحيبًا شعبيًّا كبيرًا. وبعد عامين فقط حاول الترشح للرئاسة وتكوين حزب سياسي، ورغم فشله في ذلك بسبب قرار خفي من النظام إلا أنه لا زال يحاول – برصيد سياسي ضئيل – حشر جسده الممتلئ أمام عدسة الكاميرا في مشهد سياسي متكدس ليس له فيه مكان.
والأمر ليس مختلفًا مع كمال الجنزوري وفايزة أبو النجا… إلخ.

هذه مجرد عينة لمجموعة لا تقرر الانزواء ولا تعترف بالفشل ولا تكترث للرأي العام ولا لسجل سياسي سيء، حتى لو لم تواتهم الفرصة للعودة لنفس مناصبهم، أو الرجوع لمساحة نفوذهم! كذلك غيرهم في جماعات وتيارات وأحزاب، فليذهب رأي الجموع ورغبة أعضاء الكيان إلى الجحيم. لا يملون سحق المنطق! يلفظهم الناس، يطردونهم، أو يبدون كرههم، يعزلونهم، ولكن لا فائدة فالفشل أو الكراهية أو التمرد ليست سببًا كافيًا يدفعهم للتقاعد، فطعنة واحدة لا تكفي.

 

يعيدون إنتاج أنفسهم كما هم، لا يحاولون تجميل شيء ما، يقولون في علم التسويق REBRANDING (إعادة صياغة الصورة الذهنية عن منتج ما).
بل بنفس الوجه القبيح يطلون على الرأي العام، كالذي يستقيظ بعد نوم طويل؛ ليذهب إلى العمل دون أن يغسل وجهه أو يصفف شعره أو يغير ملابسه، اقبلوني كما أنا (وطظ فيكم)!

في بلاد أخرى هناك أحيانًا نهايات سعيدة

ليست النهايات القادمة سعيدة جدًا، إنها مؤلمة، ولكنها أقل إيلامًا مما يحدث في بلادنا، هذه أمثلة لزعماء أو مسئولين شعروا بعظيم نظرة شعوبهم لهم فلم يتحملوا الاستمرار في الحياة.

– آرييل رونيس (47 عاما) مسؤول سابق بجهاز الشاباك الإسرائيلي، لقي انتقادًا شديدًا واتهامًا بالعنصرية لاعتدائه على يهودية من أصل إثيوبي فدفعه ذلك للانتحار.

– ستيف ستيفرت الوزير البلجيكي انتحر بعد اكتشاف اغتصابه لمغربية.

– انتحر وزير الزراعة الياباني توشيكاتسو ماتسوكا قبل ساعات من مثوله أمام جلسة مساءلة يعقدها البرلمان بسبب فضيحة تتعلق بتبرعات سياسية وعقود مزورة.

– انتحار بيريغوفوا رئيس وزراء فرنسا بسبب اتهامه بالفساد، ولأنه اعتبر نفسه مسؤولًاعن هزيمة حزبه في الانتخابات النيابية.

هل لاحظت أن هذه الأمثلة انتحروا قبل أن يحكم عليهم؟ مجرد توجيه الاتهام لهم أو شعورهم بالذنب كان كافيًا ليتنحروا ليس فقط عن مناصبهم وإنما عن الحياة كلها؟

 
هل ممكن أن يأتي في بلادنا اليوم الذي نستمتع فيه بنهاية سعيدة كلاسيكية بدون عودة الأشرار، لا نريدهم أن ينتحروا، فقط نريدهم أن يذهبوا ولا يعودوا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد