من وحي العزل الذاتي

مع العزل الذاتي الاختياري أو الإجباري في المنزل تجنبًا لانتشار فيروس كورونا المستجد أو للحد منه، تتداعى الأفكار شبه الهزلية وشبه الجادة؛

حول الشبه بين العلاقات الدولية والعلاقات الأسرية:

في العلاقات الدولية، هناك أنساق لتوزيع القوى في العالم، فهناك عالم متعدد الأقطاب كان قائمًا قبل الحرب العالمية الثانية، كان به عدد من القوى العالمية مثل إنجلترا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وهولندا وروسيا والولايات المتحدة، يميل مثل هذا النسق غالبًا للتوازن والاستقرار، وبعد الحرب نشأ نسق جديد هو العالم ثنائي القطبية توزعت فيه القوى بين قطبين كبيرين هما الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، وحول كل قوة تتموضع مجموعة من القوى الأقل منهما، وكان هذا النسق يميل للاتزان مع بعض المزايا للدول الضعيفة والمتخلفة، لأنها تملك خيار الانضمام للولايات المتحدة أو للاتحاد السوفيتي، حسب ما تقدمه كل قوة لها وبعد تفكك الاتحاد السوفيتي أصبحنا أمام عالم أحادي القطبية، تفردت فيه الولايات المتحدة بالقوة العظمى الوحيدة التي تفرض إرادتها وحدها على العالم كله، وازداد هذا الأمر رسوخًا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 والهجوم على مبنى مركز التجارة بنيويورك ووزارة الدفاع، ولكن الوضع بدأ يتغير تدريجيًا مع استعادة روسيا لقوتها وظهور الصين والاتحاد الأوروبي وربما الهند باعتبارها قوى كبرى.

ومع الحجر الصحي في المنازل، وجدت أن هناك توزيعًا للقوى داخل الأسرة أيضًا، يشبه توزيع القوى الدولية وقبل الاستطراد، نوضح أن هناك ثلاث قوى على الأقل داخل الأسرة وهي الزوج والزوجة والأبناء مع إهمال قوى جانبية ليست موجودة دومًا، ولكن لو وجدت فإنها تغير الموازين مثل: الحموات والأحماء (جمع حمو).

الأصل في الأسرة هو توزيع القوى وتوازنها لنصل للنسق الأول:

تعدد الأقطاب أو تعدد القوى: في هذه الحالة تكون القوى موزعة بين الزوج والزوجة والأبناء، وتكون تقريبًا متوازنة ويعرف كل طرف حدود قوته، وتميل مثل هذه الأسر للاستقرار مع رغبة من كل طرف لزيادة قوته على حساب القوى الأخرى، ويقابله تمسك كل طرف بقوته. وتميل مثل هذه الأسر للاستقرار مع معرفة كل حدود قوته وتبدأ المشاكل حين يحاول أحد الأطراف الاستيلاء والسيطرة على بعض عناصر القوة، التي يملكها طرف آخر وخاصة بين الزوج والزوجة، وقد يحصل نزاع أسري إذا لم يتم السيطرة عليه ذاتيًا أو بتدخل قوى خارجية من الأهل والأقارب، وقد يتصاعد للتلاسن أو التخاصم أو الانعزال أو الانفصال، وتلك آخر مرحلة للنزاع الأسري.

وهناك نسق ثنائي القطبية: فقد يكون أحد الأطراف مغلوبًا على أمره وتكون القوة موزعة بين طرفين فقط، فإذا كانت القوة موزعة بين الزوج والزوجة، فسنصل لحالة تشبه الحالة السابقة من التوازن بين الزوجين وربما محاولة توسيع القوة من أحدهما مع مقاومة من الآخر، وتكون القوة الثالثة الضعيفة وهي الأبناء أحيانًا هي العامل الحاسم في فصل النزاعات بتدخلهم لحلها سلميًا أو انضمامهم لإحدى القوى.

وكما في العلاقات الدولية هناك أنماط للعلاقة بين الدول تبدأ من الحياد مرورًا بنمط العلاقات التعاونية، وأخيرًا النمط الصراعي الذي تسعى كل دولة لتعظيم منافعها على حساب الدول الأخرى، في هذا النمط ثنائي القطبية المنزلية قد يكون هناك نمط من اثنين في العلاقة بينهما: إما نمط تعاوني يعمل كلا الطرفين على التعاون لتعظيم المنافع للأسرة، وهذا نمط يدعم الاسنقرار الأسري. وإما نمط صراعي بينهما يحاول كل منهما الفوز والانتصار على الآخر. وفي هذا النمط الهزيمة لأحد الطرفين هي هزيمة لكيان الأسرة وسبب لانهيار الحياة الزوجية، إلا إذا ترتب على الهزيمة استسلام كامل للطرف المهزوم وإقراره للمنتصر بكل شيء، وتتمع الأسرة حينئذ باستقرار ظاهري، ولكنه هش وقابل للانهيار في أي لحظة.

وهناك نسق الأحادية القطبية التي تكون معظم القوة بيد طرف واحد فقط في الأسرة، ولهذا النسق نتائج متعددة، وهو يشبه أيضًا نظم الحكم من بعض جوانبه:

فهناك أسرة أحادية القطبية، تكون السيطرة فيها للزوج وهو يفرض إرادته وحده (حكم شمولي أو حكم تغلب) وبالطبع غالبًا ما يختفي العدل والحوار داخل الأسرة والكلمة فيها للزوج وحده، ورغم الظلم الواضح في هذا النسق إلا أنه يميل للاستقرار واستدامة العيش ( أسرة سي السيد).

وهناك نسق أحادي القطبية مثل النسق السابق، ولكن تكون القوة العظمى للزوجة وحدها، فإن كانت الزوجة تسيطر على المنزل ولكنها تسمح بالحوار والإقرار ببعض حقوق الأطراف الأخرى، فقد يشبه هذا النمط نظام الحكم في بريطانيا، حيث تكون السيادة للملك وممارسة الحكم لمجلس الوزراء ولا سلطة تنفيذية للملك، وفي حالة الأسرة في هذا النسق تعترف الزوجة للزوج بالسيادة على المنزل وخاصة أمام الغير مع سلب كل اختصاصاته في الواقع، وتتخذ الزوجة وحدها كل القرارات، ولكن قد تتعسف الزوجة وتستولي على كل الصلاحيات باستثناء اسم رجل البيت، وتكون أشبه بزعيم الحزب الشيوعي، الذي كان يحكم الاتحاد السوفيتي ولا سلطة فعلية لرئيس البلاد، وهذا النسق رغم الظلم يميل للاستقرار أيضًا.
(نموذج حنفي في فيلم لعبد الفتاح القصري)

فإذا كانت القوة المسيطرة في هذا النسق هي للأبناء وحدهم مع الضعف الشديد لقوة الزوج والزوجة، فهذا أخطر الأنساق، لأن الأبناء سيمارسون سلطاتهم دون رقابة أو توجيه من الوالدين، وغالبًا سيضيع الأبناء وتفسد أخلاقهم، وقد يميلون للإجرام والإدمان.

وفي النظام الدولي يكون هناك توازن، ولكن مع ميل كل قوة للحصول على موارد أخرى للقوة لتصل للتوازن أو للسيطرة فتحدث تغييرات بطيئة في بنية النظام الدولي، وظهور قوى جديدة واضمحلال قوى قائمة، ولكن في النظام الأسرى وبعد توزيع القوى في بداية الحياة الزوجية ستميل الأمور للاستقرار حتى نهاية العمر أو نهاية الحياة الزوجية إذا انعدم الاستقرار، كما تتغير الموازين الموازين أيضًا بنمو الأبناء ودخولهم في مراحل عمرية مختلفة، وكلما كبروا حصلوا على المزيد من موارد القوة، وخاصة في مرحلتي المراهقة والشباب.

ليتنا نتعلم داخل الأسرة ثقافة الحوار والمناقشة وقبول الآخر المختلف، وليتنا نتعلم أن الخلاف في الرأي لا يعني العداء ولا إقصاء المخالف لمجرد الاختلاف في الرأي.

والقيم التي نزرعها داخل بيوتنا، هي التي ستنمو وتكون معنا داخل أمتنا، وهي أولى لبنات الإصلاح السياسي والاجتماعي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد