وأعود لأسأل نفسي السؤال المدرار على خاطري: هل «الضربة التي لا تقتل تُقوّي» كما يقولون؟ أم إضافة جديدة لقائمة من قوائم التراهات؟ ثم أنظر حولي لأرى مدى مِصداقية هذا القول فلا أجد ما يؤيده إلا القليل.

فهذه ابنة رحل أبوها – حبيبها وسر قوتها – سلبته المنيّة منها، فلم تَمُت ولكن لم تقوها تلك الضربة أبدًا بل سببت جُرحًا غائرًا، ربما التئم بعض الشيء مع مرور الوقت، ولكن ما أن تَمسَّه نفحة من نفحات الذكريات يتجدد ألمه، وتُعاد الكرَّة فيُتاح له الالتئام مرة أخرى فيُغلَق على صديد الذكريات، فما أشدّ مِن أن يُغلَق جرحٌ على صديد؟!

وهذا فتى قد لملم شتات روحه بعد أن انقضَّ جدارها – والله وحده يعلم كم قد استغرقه الأمر في جمعها – فتهب بعض من نسمات الماضي فتُبعثِر ما قد لُمَّ.

فهذه لم تمت وهذا لم تفارقه الحياة، ولكنهما على اختلاف موقفيهما قد أصابهما الضعف بعد تلك الضربات، فلم تقوهما أبدًا بل زادتهما وهنًا على وهن.

وهذه طفلة في مدرستها وعندما يحين دورها لتُسمِّع أمام الشيخ فما إن تقف أمامه حتى تنسى كُل ما قضت الليل لأجل حفظه، يرهبها ضرب الشيوخ كثيرًا، وبالطبع تنال حظًا وافرًا من الضرب، ولكن تُرى هل قوتها تلك الضربات وجعلتها تملك زمام قوتها أمام الشيخ فتتلو ما حفظت؟ لا والله لم تقوها قط بل زادتها جُبنًا والأكثر أنها جعلتها تمقت ذهابها إلى تلك المدرسة.

تُرى لو أن أُم العالم (توماس أديسون) لم تمنع عنه تلك الضربة القاضية التي وجهها له مُدرِّسُه في رسالته قائلًا أنه طفلٌ غبي غير مؤهل للتعليم ، هل كان سيصل (أديسون) لاختراعه الذي قلب موازين الحياة ؟ هل كان سيصل لاختراع (المصباح الكهربي) فيرحمنا – بنعمةٍ من عند الله – من العيش على أنوار القناديل والشموع؟! أم كانت ستقصم تلك الضربة ظهره وتقضي على معناوياته وتقتل الطفل النابغ بداخله! أظن أن الإجابة واضحة بلاشك، فخير الأمر ما قد فعلته أمه فحالت بين ابنها وبين تلك الضربة المعنوية القاضية.

إذًا لا بُدّ أنها سفاهة قول، فلا ضربات تُقوّي بل تقصم الظهر، إلا لو أصابت المرء القادر على الخوض في القَوَى وتخطي المصائب والنكبات، وربما هي أشبه شئ بـ«فيروس الإيدز» لا يقضى على المُصاب من المرة الأولى بل يصيب خلاياه المسؤولة عن فعل المناعة واحدة تلو الأخرى فما إن يقضي عليها قاطبةً حتى إذا أصاب المريض داء آخر فلا يجد ما يقاومه فيُقضى على المريض، الأمر سيان فتلك الضربات لا تَقتُل من الوهلة الأولى بل تنهي منا جزءًا جزءًا حتى إذا ما أنتهت من عملها تكون قد قتلتنا تمامًا، وكما يقول الرافعي: «يموت الحي شيئًا فشيئا؛ وحين لا يبقى فيه ما يموت يُقال: مات»، وسواء كانت ضربة معنوية تقضي على معنوياتنا أو ضربة مادية تقضي على أجسادنا فإن عملها على كُل حال هو القضاء على أصحابها.

إنما تلك الضربات هي نوْرَجٌ وقلوبنا هي السنابل، فماذا يبقى في سنابلنا بعد أن تدهسها النوارج! قل لي هل يتبقى شيء لأعواد القمح بعد أن تُخلى السنابل من الحبوب غير ما لا ينفع من بواقي الحصاد!

ربما تحسبني عابثة تَبُثُّ اليأس في القلوب، ولكنني والله لست كذلك، بل كُل ما أردته هو أنْ أُنبه لأمر تلك الضربات عسى من ينظر لهذا الشأن من نفس المنظور الذي أنظر منه يألوا جهدًا أن يكُف عن توجيه الضربات الثاقبة لمن حوله، فإنه والله يكفي المرء من الضربات ما يسببها الموت والفقد فهما يثقبان القلب ويصمّان صدى فؤاد المكلوم، فرفقًا بالقلوب فإن بها ما يكفيها ويزيد.

عسى أن يصُمَّ الله صدى تلك الضربات قبل أن تصُمَّ صداهم ويهوِّن عنهم ويشفي جروحَهم ويقِم جدارَ أرواحِهم، فهو على كُل شيءٍ قدير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد