يعتبر العمل النقابي بمختلف تجلياته وتلاوينه الانتمائية، من الحقوق الأساسية التي نصت عليها القوانين الدولية، وأكدتها القوانين والتشريعات الوطنية، وقد جاء هذا الحق نتيجة تدافعات وصراعات مريرة وقوية خاضتها الطبقة الشغيلة، وخاصة في أوروبا منذ فترة غير يسيرة، وبالفعل يرجع الفضل إلى الحركة العمالية البريطانية، الذين كانوا أول من أنشأ النقابات بين أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر، عندما كانت الرأسمالية الصاعد تشق طريقها بصرامة وبدون رحمة ولا شفقة في عصر النهضة الصناعية، ولقد حققت الرأسمالية تراكماتها المالية باعتصار العامل وشرعنة القهر على الطبقة العاملة ولقد بدأ الاعتراف رسميًّا بالنقابات في سنة 1871 وفي فرنسا سنة 1848 ثم توالت الاعترافات بعد ذلك في جميع أنحاء أوروبا وغيرها من بلدان العالم، ولا بد من التأكيد أن النقابات العمالية التي تعد وليدة النظام الرأسمالي، ونمط اﻹنتاج المولد عنه خلال القرن التاسع عشر قد تأسست بغاية الدفاع عن مصالح العمال ولتنتظيم مطالبهم وتحركاتهم وصيانة مكاسبهم، لذلك اعتبرت النقابات والعمل النقابي في أغلب الأحيان كقوة تعديلية من غلواء رأس المال وتعديه على الطبقة الشغيلة، وتحقيق المزيد من المكاسب على حساب تلك الطبقة.

ولقد تم التنصيص على الحق النقابي في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر سنة 1948 حيث أكدت الفقرة الرابعة من المادة العشرين (كل شخص له الحق في حرية الاشتراك في إدارة الشؤون الخاصة للبلاد). أما المادة 23 فتؤكد صراحة في فقرتها الثانية أنه (لكل شخص الحق في أن ينشئ وينضم إلى نقابات حماية لمصلحته).

وكذلك أكد البند الثامن من العقد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي صدرت في 16 سبتمبر (أيلول) سنة 1961 والذي ينص (على الدول الأطراف أن تتعهد بأن تكفل حق كل فرد في تشكيل النقابات والانضمام إلى ما يختاره منها، ولا يجوز وضع القيود على ممارسة هذا الحق، سوى ما ينص عليه القانون مما يكون ضروريًّا في مجتمع ديمقراطي).

وبالرغم من الإشكالات والثغرات القانونية والتفسيرات الدستورية المتعددة التي يتم استغلالها في مواجهة مطالب الطبقة العاملة خاصة في الدول التي تنعدم فيها شروط العدالة المؤسساتية أو شبه المؤسساتية إلا أن الحق النقابي يعتبر مبدأ أمميًا لا يمكن نكرانه بالرغم من أفول ونكوص وهج النقابات العمالية، التي تماهت مع الخطاب الرأسمالي الشجع وأضحت فقط ديكورًا وقتيًّا للمناسبات والمهرجانات العمالية الذي يؤثث للاحتفالات 1 مايو (أيار) السنوية.

ومن ضمن الدول التي أضحى فيها العمل النقابي شبه ميت وأفرغ من محتواه الحقيقي، وبقي خطابه رهينًا بيد رؤساء النقابات وتحويلها إلى ضيعة عائلية وجعلوها مطية في الوصول إلى مآربهم الضيقة *النقابة المغربية التي تحالفت مع أباطرة المال والأعمال وحولوا العمل النقابي إلى مجرد مؤسسة  لا تغني ولا تسمن من جوع، وهذا ما سنحاول التطرق إليه في هذا المقال حول واقع الحركة النقابية بالمغرب وإفلاس خطابها في ظل أزمات اجتماعية تنذر بانفجار وشيك جراء السياسات الحكومية التفقيرية والتجويعية، خاصة بعد صعود تيار الإسلام السياسي بالمغرب الذي تمثله حزب العدالة والتنمية، الذي أفقر البلاد والعباد وأضحى أكبر الأحزاب كرهًا بين جميع فئات الشعب بسبب تلونه الحربائي في مواقفه التي تثير الغثيان والاشمئزاز.

نبذة مختصرة حول تاريخ النقابة في المغرب

كان أول ظهور للتشريع النقابي في المغرب سنة 1936 إلا أنه كان يمنع المغاربة من الانتماء النقابي ويقصره ويحصره فقط على الأوروبيين بسبب فترة الحماية الاستعمارية التي كان يرزخ تحتها المغرب،بل صدر ظهير آخر بتاريخ 24 يونيو (حزيران) 1938 ويحدد عقوبات زجرية بحق المغاربة المنخرطين في نقابة ما، ولكن وبالرغم من هذا المنع إلا أن عدد المغاربة  المنخرطين في النقابة كان في ازدياد مطرد ومتواصل، إلى أن صدر ظهير 12 سبتمبر (أيلول) 1955 الذي نص بصراحة على السماح للمغاربة بالانتماء النقابي، وكان هذا الظهير بمثابة قفزة نوعية في المشهد النقابي المغربي الذي كان له دور أساسي في الحركة الوطنية ومقارعة الاستعمار وظهور أول تجمع خاص بالمغاربة، إلا أن الحق النقابي في المغرب تم تنظيمه بمقتضى ظهير 16 يوليو (تموز) 1957 مباشرة بعد الحصول على الاستقلال، وهو ما زال النص الأساسي إلى يومنا هذا في تنظيم آليات العمل النقابي ومخرجاته بالمغرب.

واقع الحركة النقابية المغربية وإفلاس خطابها

تعيش الحركة النقابية المغربية اليوم خاصة بعد التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي عرفها المغرب مباشرة بعد ثورات الربيع العربي ومباشرة بعد دستور 2011 وصعود حزب العدالة والتنمية المغربي ذي المرجعية الإسلامية الذي ساهم بشكل أو بآخر في تعميق جراح النقابة المغربية، أزمة حقيقية على مستوى الخطاب والانتظارات، وذلك بفعل الخطاب الديماغوجي الذي تتبناه القيادات النقابية حول مفاهيم فضفاضة وضبابية، من ضمنها المقاولة المواطنة والتشاركية والسلم الاجتماعي  وغيرها من المفاهيم التي تفسر حسب الدائرة المغلقة للقيادات النقابية وتوجيه هذه المفاهيم على شكل خطاب نحو الاستهلاك الداخلي بين الطبقة الشغيلة وتنويمهم بحلو الكلام وتنميق الجمل في المهرجانات النقابية لغايات سياسية وفئوية ضيقة، واستخدام خطاب شوفيني مقيت لطمس التناقضات الطبقية.

وقد انعكس هذا سلبًا بشكل أو بآخر على كفاحية الطبقة العاملة وعلى مردودية نضالاتها المتسمة في غالب الأحيان بالعفوية، ولا ننسى أيضًا ما يجري داخل الكواليس من اختيار قيادات نقابية انتهازية، اعتمادًا على العلاقات الشخصية والتوافقات المشبوهة مع خصوم الطبقة العاملة، في مواجهة قضايا العمال هذه القيادات إن لم نقل أغلبها قد اختارت التماهي مع الخطاب الرأسمالي المتوحش داخل التيار الحكومي الذي تحكمه المصالح الشخصية، ﻷرباب الشركات الكبرى المستوزرين داخل الحكومة، إضافة إلى الصراعات الحزبية الضيقة التي ساهمت في تشتيت العمل النقابي، وخلق نقابات قطاعية مستقلة، وأيضًا خلق نقابات من رحم الأحزاب الإدارية بدعم الدولة للاختراق العمل النقابي وإضعافه وجعله من ملحقات اللعبة السياسية داخل المسرحية السياسية المغربية.

 لأن الدولة التي انصهرت مع البورجوازية الرأسمالية لن تقبل بوجود نقابة قوية وموحدة، وهذا يتحقق بسن قوانين وتشريعات تحاصر العمل النقابي تدعيمًا (للباطرون) وبالتالي تأثيرها على الخطاب النقابي، الذي يؤدي إلى نفور الطبقة الكادحة والعاملة من تنظيرات النضال بسبب تمييع الخطاب على المستوى الوظيفي والاستهلاكي وهذا جلي من خلال ملامستنا للخطابات الرنانة الفاقدة لروح التغيير النقابي الذي ترومه العديد من الاختلالات البنيوية، فالعمل النقابي هو عمل ميداني ونضج الممارسة النقابية لا يأتي بتنظيرات حالمة بقدر ما يحتاج إلى ممارسة ميدانية على مستوى الخطاب، تحكمه مبادئ أخلاقية وأن يكون الخطاب ذات بعد تنموي، فالعمل النقابي ليس معزولًا عن السياق الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والتنموي، بل هو في صلبه وجزء لا يتجزأ من منظومة المجتمع ككل، فدرجة الفعالية النقابية ووضوح الممارسة والخطاب تفتقد إلى نظرة شمولية وعميقة في اﻷبعاد والزوايا المتعددة للعمل النقابي، التي تلامس اهتمامات الشغيلة المادية والمعنوية.

فالنقابات المغربية اليوم هي نقابات خاوية على عروشها ولو كانت لها مرتكزات ترتكز عليها ﻻستطاعت أن تفرض وجودها كما كان من قبل، فهي اليوم أشبه إلى فرق بهلوانية ومسرحية تمثل على الشغيلة والطبقة العاملة، لتصل إلى أقصى المطالب، مطالبها الخاصة ومطالب قياداتها، من ولائم وتمويلات ومناصب (باك صاحبي)،وتبقى مطالب الشغيلة جامدة ورهينة بالمزاج السياسي للدولة واستعمالها كبطاقة احتياطية وقت الحاجة.

هذه النقابات التي جعلت من ساحاتها حلبة للصراع السياسي وحلبة للتوازن والمصالح الفئوية الضيقة، مستسلمة تحت يافطة الواقعية النضالية والتي تأتمر بأوامر الواقع السياسي والاقتصادي وتتأثر فيه دون أن تؤثر فيه بحجة أنه أكبر من حجمها، فتنتج بذلك خطابًا طوباويًا وديماغوجيًا وانهزاميًا، يزرع اليأس والإحباط في صفوف العمال.

ومن أسباب تراجع مستوى الخطاب النقابي أيضًا تقاطع مصالح رؤساء المركزيات النقابية مع (المخزن)، وبالتالي ارتفاع الوعي النقابي بين صفوفها سيشكل بشكل أو بآخر عائقًا مستقبليًا للمصالح الشخصية وسيكون له طبعًا تأثير على هذه العلاقة الميكيافيلية إضافة إلى الاختراق الاستخباراتي والأمني في صفوف الإطارات النقابية، وبالتالي تحولها إلى مؤسسات حكومية شبه رسمية تراعي فقط المصالح الضيقة للبروجوازية الرأسمالية.

إن  مفهوم النقابة بالمغرب وخطاباتها ينطلق من زوايا أنبوبية ضيقة، وبالتالي ليس هناك نقابات بالمعنى الحقيقي، وإنما ملحقات أحزاب سياسية مفلسة على مستوى الخطاب والتنظير والتي انصهرت في بوتقة البروجوازية االرأسمالية المخزنية، وكل حزب له نقابة وبالتالي فإن هذه النقابات تعيش عطالة وإعاقة  حقيقية في تدبير الشأن النقابي والارتقاء به نحو خطاب جدي وصادق في بلورة تطلعات الطبقة الكادحة بعيدًا عن المزايدات الضيقة التي شتتت العمل النقابي وعدم فتح أذرعها للانتهازيين الذين همشوا المناضلين المخلصين لقضايا الشعب الكادح.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!