كثير من الناس تابع بشغف مسلسل ونوس للمبدع يحيي الفخراني، الذي يكمن قمة إبداعه في إبراز ونوس «الشيطان» في صورة المشارك في صناعة الشر، وليس المخطط الرئيسي أو الرئيس في إيجاد الشر، مجرد وسوسة يجعل مكمون الشر الذي بداخل الإنسان يخرج فيبدع فيصير في الإمكان استبعاد إبليس نفسه من دائرة التخطيط.

 

من شيطن ونوس «اسم الدلع لإبليس»؟!

أشيطان هو من شيطن إبليس وجعله يتمرد أمام خالقه؟!

أتعرف من هو شيطان إبليس؟

دعني أجاوب على تلك الأسئلة بما أراه صحيحًا، إنها «الفكرة» التي غلبت نفسه وألغتها في لحظة ما لتبدأ انقلابًا على نفسه أولًا ثم على إرادة الله!

الفكرة التي عبر عنها القرآن على لسان إبليس «أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين»، فكرة المقارنة بين مميزاته وعيوب الآخر!

المصائب تكمن في الأفكار قبل النفوس!

المولى عز وجل يخاطبه «ألا تسجُد»: أي من الذي أرغمك على عدم السجود؛ لأنه لا يوجد شيطان قبلك؛ فمن الذي أوصلك لتلك الحالة المزرية من التكبر والتمرد أمام خالقك؟!

ومن لحظة التمرد تلك بدأت عوالم أخرى تستدعي فكرة الجنة «المدينة الفاضلة»، إما تحت لواء الدين وإما باستدعاء مفهوم الفلاسفة بمفهوم المثالية أو بمنظور المثقفين في عالم الكتب الذي يحوي من المفاهيم والمبادئ والقيم ما يكفي الكون بأكمله، تلك الكتب التي تحوي من الأحرف والكلمات ما يعجز عقل أي إنسان بل أي أمة باستيعابه قد أصابها اليأس.

 

وهنا يتحول الشيطان من مجرد وجود إبليس إلى لحظات مثل «الخوف والقلق واليأس» وإلى أناس يثبطون عزيمتك.

ولكن دعنا نترك الحديث عن مسلسل ونوس ورسالته التي أراد توصيلها، ونبدأ معًا في قراءة قصة حقيقية رواها روبرت جرين في أحد كتبه هي مدخل كلامنا:

 

 

كان اللورد نلسون نائب رئيس الأسطول البحري البريطاني «1805، الذي فقد عينه خلال أحد المعارك وفقد يده اليمني في معركة «تنريف»، وهزم الإسبان في معركة كاب سانت، وأحبط حملة نابليون إلى مصر.

كان مؤهلًا لقيادة الأسطول ولكن القيادة اختارت السير باركر بدلًا منه وحل نلسون ثانيًا، كانت الحرب مسألة مهمة؛ فكان الهدف منها إجبار الدنماركيين على الموافقة على حظر بحري تقوده بريطانيا ضد فرنسا، ولكن نلسون كان حاد الطباع، وكان ميالًا إلى أن يفقد أعصابه، وكان يكره نابليون كرهًا شديدًا، وبسبب طباعه فمن الممكن أن يتسبب بفشل دبلوماسي ذريع، وكان السير هايد أكثر اتزانًا وأكبر سنًا وسيقوم بالمهمة لا أقل ولا أكثر.

واتجه السير هايد بسفنه إلى شمال المدينة وعرض على القادة أن الدنمارك قد جهزوا المدينة بدفاعات حصينة وحصون وسفن ضخمة وبطاريات مدفعية، بالإضافة إلى صعوبة طبيعة المياه التي يوجد بها كثير من الحواجز الرملية وصعوبة الرياح في تلك المنطقة.

كان نلسون في تلك الأثناء يبذل جهده للسيطرة على أعصابه، لكنه انفجر في النهاية وقال في صراخ: «إن الدفاعات الدنماركية تبدو مذهلة إلى الأطفال في فنون الحرب» وأكمل كلامه أنه لديه خطة وضعها بأن الهجوم يبدأ من الجنوب، وأنه درب الدفاعات والحواجز الرملية وسرعة الرياح جيدًا، واستنهض خطاب نلسون حماسة الضباط حتى إن السير هايد تاثر بكلامه ووافق على كلامه!

وبدأت الحرب وتقدمت سفن نلسون وبدأت خسائر البريطانيين كبيرة جدًا، وكادت قذيفة ضربت السارية الرئيسية للسفينة أن تودي بها، ولكنه قال: «إنه عمل حار وهذا اليوم قد يكون الأخير في حياة أي واحد منهم».

وفي تلك الأثناء كان السير هايد يتابع مجريات الأحداث من موقعه بالشمال، وندم علي موافقته على خطة نلسون، فالهزيمة ستدمر حياته المهنية، وقرر أنه آن الأوان بعد مضي 4 ساعات من المعركة أن ينهي الحرب ويرفع الراية رقم 39، وهي تعني الانسحاب!

وهنا أخبر رائد بحري نلسون بأمر الإشارة، ولكنه تجاهلها، وقال لحرسه «ألا تزال الراية 16 مرفوعة؟» وهي تعني «الاشتباك مع العدو»؛ فرد وقال نعم مازلت ترفرف! ثم مضى نلسون في كلامه قائلًا للضابط: أتعلم لدي عين واحدة ويحق لي بأن أكون أعمى في بعض الأحيان وراح ينظر عبر التلسكوب قائلًا: «إنني فعلًا لا أرى إشارة 39»!

أما باقي القادة فكانوا حائرين بين إطاعة هايد وموافقة نلسون، هل سيجازفون بمستقبلهم المهني، ولكن سرعان ما بدأت الدفاعات الدنماركية بالانهيار وبدأت بعض السفن بالاستسلام، وفي أقل من ساعة من إطلاق هايد شارة الاستسلام، استسلم الدنماركيون.

انتصر نلسون لنفسه وللبريطانيين بسبب ثقته بنفسه، فلم يهتز لأمر القائد المرتعش الخائف على بدلته العسكرية، بل كان ينظر عبر خططه أن النصر أتى إذا تجاوز الخوف اللحظي وتملك الجرأة الكاملة للوصول لهدفه، وقد وصل نلسون لهدفه بالفعل!

هنا جعل نلسون راية 16 هي راية الإرادة والعزيمة والقدرة على التنفيذ، ولكن ونوس سيرفع لك راية 39 راية القلق والخوف واللامبالاة.

ماذا فعل نلسون؟ نجاهل الراية تمامًا، تمامًا.

يقول «ديل كارنيجي»: «كثير من الرجال الناضجين لا تقل مخاوفهم عن مخاوف الأطفال والصبيان».

واجه مخاوفك بدلًا من أن تتجاهلها، فالخوف هو أكثر تدميرًا للحضور العقلي، يقول علماء علم النفس حين تتعمد وضع نفسك في أوضاع تضطر فيها مواجهة نفسك فتنشئ ألفة بينك وبين نفسك، وحين تتجاوز موقف الخوف تتولد داخلك ثقة بالنفس مضاعفة محفزة لك قائلة لك: أنت هنا!

إن أفظع ما في الحياة يتجلى عند الإدراك الشديد بالقصور الذاتي، وبالتالي أنت لست قادرًا على تغيير نفسك فحسب إنما لا تستطيع أن تفعل شيئًا بالمرة، بمعنى أن الإدراك الكامل يشكل عائقـًا ولكن الذكي من يستخدم الإدراك لإنهاض نفسه من جديد، أن تنفض الغبار، أن تبدأ من جديد.

لحظات القلق والخوف هو أنسب وقت لإجبار نفسك على أن تكون أشد عزمًا، استولد في ذلك الطاقة الداخلية لكي تتجاوز الخطر، كل خطأ ترتكبه يمكنك تصحيحه بمزيد من الجرأة، تجاهل المحبطين الذين يدعونك للانسحاب عند كل خطوة مهمة في حياتك، زخمك الداخلي سيقودك إلى الفوز!

أعظم ضعف في حياتنا هو فقد الجرأة وفقدان الهدف معه، ونصبح دائمًا حذرين بدون داع، الخوف من أقل شيء وأحيانـًا من لا شيء!

عقلك هو ركيزتك الأساسية في حياتك في كل مواقفك وفي كل قراراتك حتى العاطفية منها، ولكنه في أحيان كثيرة يتحول إلى كرة من الثلج غير مفيدة على الإطلاق، فتصدر منك أفعال تستغرب أنها تصدر منك أنت وتندم حينها على اتخاذ قرار ما في موقف ما، وتندهش أن تلك الأفعال تصدر منك على غير المتوقع.

فعقلك يجمد كالثلج عندما تسيطر عليك اللحظة من فوز أو فشل أو ارتباك أو خوف أو خجل، وتصاب بالتلعثم والارتباك ويحمر وجهك وتأخذ حينها قرارًا خاطئًا بدون إعمال عقلك الذي يكون حينها عضوًا معطلًا أصابه العطب.

أنت في تلك اللحظة تحتاج إلى نظرة عميقة في نفسك لمدة ثواني قليلة تكون فيها داخل أعماقك، تلك اللحظات البسيطة ستهديك إلى النظرة والرؤية الإستراتيجية للتعامل مع الموقف الذي قد تخرج منه منتصرًا بدون إيجابية؛ فنصرك هذا ليس بالضرورة أن يؤدي إلى شيء، وانهزامك ليس بالضرورة مليء بالسلبيات بل من الممكن أن يؤدي إلى كثير من الإيجابيات وقد تؤدي إلى أهم لحظة في حياتك هي لحظة إيقاظ عقلك، إنها لحظة الوعي.

المرونة في اتخاذ القرار في المواقف هي الحكم في تحديد تركيزك ونظرتك للموقف والأشخاص بطريقة مختلفة، فالمرونة هنا ليس المقصود بها التخلي عن المبادئ والفضيلة، بل يقصد بها النظرة الشاملة للموضوع، والسماح للآخرين بطرح رؤيتهم التي قد تتوافق في بعض نقاطها مع رؤيتك؛ فالمرونة مليئة بالحياة.

اللحظة التي تدرك فيها أن أي موقف أو فشل أو فوز هو شيء مؤقت، هنا لن تكون تحت رحمة اللحظة ولن تسيطر عليها، فأنت الذي صنعت اللحظة وأنت الذي سوف تقودها، وأنت الذي سوف تتفوق عليها وتتملكها لإخضاعها لتنفيذ أوامر عقلك.

ستمر برايات مختلفة الشعور يختلط عليك فيها الأمور، ولكن في حقيقتها ستكون بداية انطلاقة جديدة؛ فاغتنم لحظات تظهر فيها رايات تحمل عناوين مختلفة، ولكن اجعلها تتوجه نحو الإيجابية لا السلبية، واللحظات أنواعها كثيرة، ولكن للاختصار سنستعرض بعضًا منها:

لحظات بعضها فاترة

تمر عليك فترة تكاد لا تعرف من أنت؟!

لا تعرف ماذا أصابك لا تعرف ما بك من حال أفرح أم حزن أم ملل أم فترة استراحة؟!

ولكن هذه الفترة ثقيلة تتعرى نفسك أمام نفسك، تعرف ما أصابها من مصائب الدهر وصعاب الأمور، تتعرف على مكوناتك الجديدة التي تتمنى ألا تكون قد أصبحت فيك.

ستندهش حقـًا أن ما قد كنت تعيبه بالأمس تعيبه على صديقك وتكرهه في صديقك، أصبح فيك وأصبحت تعتاده، بل أصبحت تمارسه في كل عاداتك وأحوالك.

في تلك الفترة سترى حقيقة نفسك كأنك تشاهد فيلمًا سينمائيًا والقاعة مظلمة، وتشعر أنك تدور في كل لحظة عبر الزمن وستشاهد وترى أدق المشاهد وأدق التفاصيل، وستكرر المشاهد حتى تصل إلى تفسيرات لم تصل إليها من قبل، ولكنها هي وحدها ستكون الأقرب إلى الحقيقة.

في تلك الفترة تراجع أحزانك، ويا ليتك تتوقف أمامها وفقط، فإنك تتجاوز إلى منطقة «لماذا لم أفعل ذلك وفعلت ذاك؟!»، تلك المنطقة البغيضة التي لا يتملكك إحساس بالحزن فقط بل إحساس معقد متشابك يقولون عليه إحساس «الحسرة»، وهنا تدور عقلك في تبني منطقيات عقلية جديدة لإيجاد تفسيرات لأفعالك السابقة، والبدء في إقناع عقلك بها، ولكن دون جدوي.

وهذه الفترة قاسية جدًا، وقسوتها تكمن في إرهاقها النفسي، وإذا لم يكن لديك من الأعمال ما يشغلك عنها، فلن تتجاوز هذه الفترة سريعًا، وتظل أسيرًا لمدة أيام وأسابيع وربما أشهر لدى تلك الفترة الفاترة.

 

فعليك بتوضيح حياتك وفك شفرتها وقرر الشيء الذي قررت أن تفعله، والطريق الذي تريده أن تصل من خلاله، وتخيل نفسك تحقق هذا المصير وهذه إحدى نصائح أرسطو التي تقول فالعدم قد يكون حافزًا لك بأنك ليس لديك شيء ثمين تخسره فتتحرر فتُبدع، وبذلك تصبح نعمة لإرشادك للطريق الصحيح، والهدف الصحيح، والعمل الصحيح، فاستغل أفضل ما في اللحظة وابتعد عن السيئ فيها، يقولون إن الولادة الجديدة وأنت بالغ ممتعة كثيرة فلا تضيعها.

وبانتقاء الأعمال، تتجلي الهمم العالية، ويظهر معدن الذات.

فترة فاترة من فتورها أصبحت مُلهمة!

 

اللحظة الثانية- هي لحظة انفعال:

أن تحكم عواطفك جيدًا وتعلم التفكير قدمًا قائلًا لنفسك: «هذا التصرف سيقربني أكثر من هدفي، أما هذا فلن يفضي إلى شيء»، وهذا سيبقيك علي الطريق الصحيح.

أرسطو

يقولون إن هناك إنسانًا تمت ولادته مرة ثانية في الحياة، إن هذا الإنسان تمت ولادته مرات ومرات في الحياة، وأن حاله تغير من حال إلى حال، لم يعُد ذلك الإنسان المُحمل بالهموم المُتثاقل الخطوات، ولكنه أصبح هذا الذي يُشار إليه وصار مثالًا يُحتذى به.

أتعرف أن لكل منا ولادةً ثانية، نعم ولادة بصراخ وتعب ولكنه مُمتع تُسمى لحظة انفعال، لحظة ينظر الزمن عندها إليك شخصيًا ويتأهب معك لتخوضا معًا غمار الحياة من جديد، لحظة رغم انفعالك بها ستسمع بها عقارب الساعة وهي تُنبهك أنه قد حان وقتُك لتفعل شيئًا لك أولًا وللعالم من حولك.

لحظة الضمير فيها يتكلم بحرية وبصراخ، وأنت تسمع وتُنفذ المطلوب منك بكل همة ونشاط.

لحظة تُعانق فيها النفخة الإلهية ذاك الجسد الذي لوثته أمراض الذنوب والشهوات فيفرح الجسد فرحًا يجعله يقفز إلى أعلى مُعلنـًا عودة الجسد لمهام العمل، وهي تعمير الأرض بتنفيذ تكليفات المولى عز وجل له لا يكلف.

وعجبًا يقضي الإنسان عمره كله ليعرف لماذا أتى؟! وما تكليفه؟! وتأتي تلك اللحظة لتحِل له ذاك اللغز المُحير الذي لا جواب له إلا بميلاد جديد.

وأن ليس للإنسان إلا ما سعى، تُقربك لسعيك الصحيح الذي من أجله خلقت.

فهذا سيدنا إبراهيم كانت لحظة انفعاله هي تنفيذ أمر الله له بذبح ابنه سيدنا إسماعيل إلى أن جاء اللُطف الإلهي لهما هما الاثنين؛ لتكون لحظة انفعالهما معًا عيدًا للأضحى يحتفل به المسلمون من كل عام.

وهذا سيدنا محمد رسول الله ألم تكن لحظة ميلاد الإسلام الحقيقية، وإتمام رسالته الظاهرة والباطنة حينما قال لكفار قريش يوم فتح مكة «اذهبوا فأنتم الطلقاء» لحظة انفعال لدين بأكمله ولأمة بأسرها.

وهذا سيدنا يوسف عليه السلام الذي كانت لحظة انفعاله الحقيقية عندما قال لعزيز مصر: «اجعلني على خزائن»

عرِف حقيقة وجوده وحقيقة نفسه وتفاعل معها تفاعل المُنقذ لنفسه ولمن حوله؛ فطلب لنفسه الحكم لأجل الناس.

وهذا «أديسون» الذي أخفت أمه عنه خطاب المدرسة إليها لتُخبرها بأنه عاجز عن التعلم ولديه غباء شديد، كانت لحظة انفعاله أمه التي اشتملته بعطفها وحنانها ليصير عظيمًا في العالم وتدور الأيام ليشكر أمه على ذاك الانفعال.

لحظة انفعالك تعني أنك عزيز على الله؛ لذلك أراد الله لك أن تعرف لماذا خُلقت ولأجل أي شيء خُلِقت؟!

لحظة انفعالك معناها أنك تُنفذ ما أمرك الله به من سعي وتكليف

انظر لنفسك وراجع حياتك وستعرف لحظة انفعالك، قد تكون إساءة شخص استخرجت مكنون روحك

وقد تكون نصيحة شخص عزيز عليك أرشدك إلى طريقك!

وقد تكون غيرة من شخص له هدف في حياته فأردت أن تكون مماثلًا له في شيء.

وقد تكون وقد تكون وقد تكون، وتتعدد الانفعالات بمسسبباتها وتبقى اللحظة بمكنونها التي تحوي معاني لطف الله بعبده.

لحظة ستُصيبك يومًا ما فلا تُغلق عين عقلك ولا باب قلبُك لينفذ إليه صدق اللحظة.

وعند حدوث تلك اللحظة تبدأ خاطرة حياتك الحقيقية التي يكون أي استرسال فيها محسوب لك أو عليك.

لحظة انفعالك هي بداية الخاطرة فإن أدركتها فلا تُضيعها؛ فقد خاب من أدركها وضيَعها فهي أمانة، فكن أمينًا لا خائنًا.

 

اللحظة الثالثة- هي لحظة التردد:

التردددددددددددد، وأنت الآن تقرأ كلمة «التردد» تشعر بتتابع حرف الدال، ولكن في الأصل أنت تقرأ الآن ما يدور في داخل الشخص المتردد من تتابع المعلومات والأفكار، ولا يعرف أي قرار يتخذه في الموقف الفلاني، وهل هذا وقته ولا لا، والمئات من الأسئلة التي تتعب عقله وترهق نفسه بطريقة مذهلة.

 

يقول وليم جيمس «لا تعاود النظر إلي الوراء، خذ قرارك ولا تتهيب أحدًا».

التردد في الأصل يختبر الرجولات الضخمة التي تعبر عنها الألسنة والكلمات تخرج لتصفها لتطرب به الآذان وتتضخم بها الأنفس، إلى أن تأتي لحظة في ميدان الحياة تتطلب تنفيذ ما قيل في الماضي، ولكن تضيع الكلمات في ميدان يتطلب الأفعال والأفعال فقط.

والكل يحفظ قول الشاعر:

إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة  فإن فسد الرأي أن تترددا

فالأصل في سبب التردد هو الفزع من المستقبل المجهول وتوقع الخسارة والفشل في أية خطوة.

الحل هنا: الركون إلى القدر والبراءة من الحول يورث جرأة على مواجهة اليوم والغد، وتجعل النفس تقبل خسارة أيًّا كانت وهو مبتسم يكفي أنه رجل أمام نفسه اتخذ قرارًا.

إننا في مقدورنا أن نتخلص من مخاوفنا الواقع «من فعل وقع»، أي أنه صار حقيقة تحدد حياتك وتوجه دفة مركب حياتك إلى جهة، فإذا كان «الواقع» في اتجاه أمر تحبه وترتقبه كانت سعادتك بالغة وروحك تصفى وعقلك يزهو، وإذا كان ما حدث عكس ما كنت مخطط له، هنا الكارثة.

يحكي أحد الدعاة من الذين دخلوا في الإسلام جديدًا: «حين تسمع أن أمًا كسرت ذراع ابنها، تظن حينها أن الأم غير صالحة وشريرة فكيف بأم تكسر ذراع ابنها؟!.

ولكن حين تعلم أن سيارة كانت ستصطدم بابنها وأنها سحبته من ذراعه فكسرت ذراعه بطريق الخطأ، حينها ستعرف أن تلك الأم صالحة ومحبة لابنها!

هكذا نحن، لا نشاهد السيارة، ولا نعرف الحكمة من الأمور والواقع السيئ – كما نظنه نحن – ثم نتفاجئ بعدها أن الأمور التي كنا نظن أنها سيئة هي أساس الخير المقبل لنا؛ فالله أعلم منك بشؤونك وبحالك.

 

فكل شيء حدث وكل شيء سيحدث مقرر له الحدوث من قبل إيجادك على تلك الأرض، فأنت لا تملك حق الاعتراض، ولكن تملك حقـًا آخر ولكنك لا تستخدمه إلا قليلًا، ألا وهو «حق معرفة الحكمة من وراء الحادث».

فالحكمة والحكمة فقط هي من ستبحث عنها وإلهامك الحكمة يأتي من الله؛ فكل شيء يبدأ من عنده وينتهي من عنده؛ لذلك نصيحة البسطاء لله في أوقات الشدة هي «اقترب من الله» فمنه تتملكك الروح التي سوف تكشف لك الغيوم وتنجلي بها الحقائق.

 

حينها ستضيف لواقعك كلمة «تغيير الواقع»، نعم تستطيع تغيير الواقع؛ فهذا وعد رباني: «وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يُرى».

وأيضًا «لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها»، باختصار المولى عز وجل يوضح لك أن «تكليفك على قدك».

الخلاصة

لا ترفع عينك عن الراية 16، وإياك ثم إياك الراية 39!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد