في أوطاننا لا أحد يحب أن يرى الحقيقة عارية، لأنها تخدش حياء أعيننا المصطنع، لذا نتستر خلف أوراق توت بالية نظن أنها تسترنا عن العيون، ولكن آن الأوان لإسقاط تلك الوريقات، لنواجه داءنا ونصل لدواء عللنا.

أولًا لابد وأن نعترف بحقيقة حكامنا، وما يضمرونه تجاه الدين أولًا وشعوب المنطقة ثانيًا، وكيف وصل هؤلاء لسدة الحكم؟ ولم استمروا؟ وما الأهداف الاستراتيجية التي صُنعوا من أجلها؟ وكيف يستعبدون الشعوب ويجعلونها فقيرة عمدًا؛ بل ويضعفونها باستراتيجيات ممنهجة لإبقاء المارد الإسلامي في سباته.

ثانيًا إزاحة تلك الغشاوة التي غلّفت عقولنا وغيبتها، فيجب أن نحلل كل خبر يمر أمامنا كي نستطيع أن نخرج من جب الظلمات الذي أسقطنا فيه، فليس هناك خبر يحدث الآن لا يرتبط بالماضي، مثال بسيط لأحد الأخبار:

(الجارديان): «السعودية تفكر بمحاربة إيران في سوريا إلى آخر جندي سوداني» انتهى الخبر.

ولكن ماذا وراء الخبر؟ هذا الخبر يضع يدنا على تاريخ الكره والعداء الذي يكنه آل سعود لتركيا، والتاريخ يجيبنا متى ولماذا ولد ذلك العداء.

تهيئة الرحم

في سنة 1911 وعلى أرض العرب، وُلد توأمان سفاحان من رحم الاحتلال الإنجليزي، ليكونا يديه التي تمزق منطقة قلب الإسلام، فبعد أن تأكد الغرب أن هذا الإسلام لن يُهزم عسكريًا أبدًا، فلم تكد أوروبا تفرح بسقوط دولة للإسلام حتى تظهر لهم أخرى أشد قوة، لذا فكرت بريطانيا في سياسة جديدة تنقل بها ساحة الحرب إلى ميادين أخرى:

دعموا مشروع محمد علي ليقف بوجه الخلافة العثمانية حتى وصلوا إلى الأستانة ودمروا قوتها، ونجحوا بأن تكون المواجهة مسلمًا أمام مسلم؛ بل أمام خليفة المسلمين وكان الهدف التجرؤ على هيبة الخلافة وتكسير عظامها تمهيدًا لدفنها.

كما ضرب الغرب الخلافة في صميم قلبها باستخراج القوميات داخل المجتمع الإسلامي بداية من دولة الخلافة نفسها بتركيا وصولًا إلى مصر الفرعونية.

مناصرة القومية العربية حتى تبلورت بإنشاء جامعة الدول العربية على يد وزير خارجيتها (إيدن) لتكوين قوة تقف في وجه الخلافة العثمانية.

هكذا استعد رحم الأمة لاستقبال النطفة الحرام ليولد لنا جنين يفصل أجزاءنا بين مشرق ومغرب عربي، وفي غفلة وُلد الكيان الصهيوني الحاجب كسرطان في قلب العالم الإسلامي يفصل قسمه الآسيوي عن الأفريقي، ويمنع وحدته، ويضمن ضعفه وتفككه، ويكون عدوًا لشعوب المنطقة، يسعى لضرب أي نمو أو تحالف بين الشرق والغرب، ويشغل العالم الإسلامي بمشكلة طويلة ومعقدة تستنزف طاقته وجهوده ليظل في فلك التبعية والضعف والحاجة للعالم الغربي.

هكذا أكمل حلم (هرتزل) وبريطانيا بعضهما البعض وكان وعد (بلفور).

توأم الظل الخفي

الكيان الصهيوني لأنه طفل غير شرعي منبوذ داخل المجتمع الإسلامي كان لا بد أن يكون له توأم آخر يمده بالقوة ويحميه، هذا التوأم من سعى الغرب لإخفائه ليبقى في الظل إلى الأبد، فهو التوأم الأكثر خطورة والأكثر قذارة.

فعدوك الواضح تعلمه يقينًا، أما عدوك الذي نبت من بين عظامك، وملامحه كملامحك تصعب معرفته ومحاربته.

من يكون التوأم الخفي؟

كما وجدت بريطانيا في (هرتزل) وسيلة لتحقيق حلمها، وجدت في عبد العزيز آل سعود ضالتها أيضًا لإتمام ذلك الحلم، فصنعوه على أعينهم، في ظاهره حامًلا لراية الإسلام والشريعة مدافعًا عن سنة الحبيب، مقيمًا لشرع الله في العلن.

أما باطنه فقد صُنع لضرب الإسلام من الداخل، ولتهميش الدين وتمييعه في النفوس عن طريق زمرة من علماء الدين لا يحملون من الدين إلا القشور.

فإن كان (هرتزل) وفر لبريطانيا حاجبًا جغرافيًا، فإن عبد العزيز وفر الجانب الأخطر لتفتيت الكتلة الإسلامية، وفر دولة حجب دينية لسد الفراغ الديني الذي خلفه سقوط دولة الخلافة، والتي كان آل سعود معول هدم أساسي لها.

نعم فمملكة آل سعود هي مملكة الحجب المسكوت عنها، أو مملكة الحجب المنسية التي أقيمت لهدم دولة الخلافة ووأد الحلم الإسلامي في إقامة دولة جديدة له، وجعل التجمع تحت راية الإسلام محالًا، عن طريق تغيير بعض المفاهيم والقيم الدينية، وتثبيت فكرة أن الحاكم إله وجبت طاعته في كل ما يفعل، وأن الخروج عليه هو خروج على دين الله وتجب طاعته حتى ولو أكل مالك وضرب ظهرك.

فمصاحبة عبد العزيز للشيخ محمد بن عبد الوهاب أكسبته سمعة جعلت الغالبية يرونه مناصرًا ومدافعًا عن شرع الله، وعن السنة، وهذا يخوله لملء الفراغ الديني الذي تسعى خلفه بريطانيا، فلم يكن أحد يعلم شيئًا عن الصراع بينه وبين الشريف حسين على.. من يكون عين بريطانيا في المنطقة.

وكانت أول خطوات عبد العزيز لإسقاط الخلافة هي محاربة آل رشيد في حائل لا لشيء إلا مناصرتهم للخلافة ولكي يفتح الطريق للاستيلاء على العراق.

ظهور العثمانيين وحلم الخلافة من جديد

هكذا قامت مملكة آل سعود على رفات وأنقاض دولة الخلافة، وعلت هامتهم فوق جماجم المسلمين، ظل الأمر طيلة هذه السنوات طي الكتمان، لا نعلم عنه شيئًا إلى أن لاح في الافق حلم أردوغان في عودة الخلافة العثمانية إلى الوجود، هنا استيقظ عبد العزيز آل سعود من مرقده منتفضًا داخل حفيده محمد بن سلمان ليستكمل مشوار جده ولكن بشكل أكثر وضوحًا، فآل سعود يعلمون أن وجودهم مرهون بعدم وجود الخلافة:

فإيران هي الصديق الخفي للمملكة على مدار تاريخها ولم يقف المذهب يومًا حائلًا في مساندة آل سعود للمملكة الشيعية في الإمامية باليمن، حتى لا تسقط وتقوم الجمهورية التي لم ينس آل سعود حقدهم على شعب اليمن من وقتها إلى يومنا هذا فها هم يذيقون الشعب اليمني الويلات.

وهكذا ظهر توأم الظل للوجود معلنًا عن نفسه من خلال وأد حلم الخلافة ومطاردة تركيا والسعي إلى تمويل انقلاب عسكري فاشل، فاتجه إلى تمويل انقلاب اقتصادي ففشل أيضًا.

كما سعى بكل قوته لتمزيق حلم الحرية في مصر وتمويل الإرهاب والسعي إلى القضاء على الإسلاميين بكل بقاع الأرض الذي من المفترض أنه يحميهم!

هكذا كشرت المملكة عن أنيابها ومخالبها، كل الأحداث تقول أنه آن الأوان المناسب لهبة الخلافة الإسلامية من مرقدها، فكل من تآمروا عليها دارت عليهم الدائرة وأخذت شمسهم في المغيب؛ لذا نجد أن أعوانهم في مجتمعنا يقاتلون بشراسة لإبقاء سادتهم الصهاينة في الشمس.

وما كان حلفهم وضغطهم على السودان أن تكون معهم لحرب إيران كما يزعمون إلا إعادة تحالف عبد العزيز مع بريطانيا ضد السلطان عبد الحميد.

التاريخ يخبرنا بأن حرب آل سعود كانت دائمًا ضد أهل السنة وما حاربوا يومًا إلا لإسقاط دولة الإسلام، فكثيرًا ما سمعنا عن صراع وحرب بين السعودية وإيران لم تحدث يومًا، لكن فى الفترة القادمة ربما تحدث حرب حقيقية قد تكون على أرض سوريا أو بحدودها مع تركيا، الهدف منها سيكون تركيا، تلك الدولة التي أرادت إحياء السنة وإقامة دولة الخلافة من جديد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد