أسوأ ما نفعله مع الرواية هو اقتطاع جزء منها والأخذ في فهمه. وهذا لأن الجزء المقتطع فقد المعنى الذي يجري هو فيه، وصار لعبة للذهن. فمثلا؛ الناس حين تصادف كلمة عامية في رواية، تنكب تبكي على ضياع الفصحى: أيناك؟ أيناك أيها الأدب الجليل؟! فلذا في ظل ظروفنا صار واجبا إسراج الطريق الصحيح إلى فهم الرواية، للخروج من الإغراق في أجزاء النص للإغراق في كليته. وهذا مؤكد سيمحي فكرة أن الرواية مجرد أحداث نراها في الواقع ويجمعها لنا الكاتب، مجرد أحداث تثير المشاعر، إلى أنها عمل له أصول يسبك الواقع في شكل معين محدد ليعرض فكرة تجري أفكارا. فلذا أعرض رواية الأوباش لخيري شلبي مسلطًا الضوء على الأسلوب الذي تتمشّى عليه فكرة النص، محاولًا قدر الإمكان استغفال الأفكار الكثيرة المتفرعة منها.

مكان الحدث وزمانه: غيط مصري مملوك للحكومة سنة 1950.

الشخصيات: فلاحون يشتغلون بالأجرة في هذا الغيط. منهم أنفار من أهل بلدة هذا الغيط، والبقية أنفار من أماكن غير معروفة يسمَّون «غرابوة». والشخصية المعادلة لهم: طلعت صبي متعلم من الغرابوة. وهو المتعلم فيهم.

الإطار الزمني للحدث: بداية موسم الشغل في الأراضي.

المقدمة

الغرابوة هم فلاحون حياتهم كلها مرمطة في الغربة. يستقدمهم مورِّد أنفار لأرض الحكومة، ولكن لا أحد يعرف من أين يأتون، ولا أصلهم ولا فصلهم. فيُعتبرون بلا قيمة ويضطهدون من قبل الجميع. حتّى أن السلطة لم تجعل لهم مبيتا، وتتركهم للشوارع طول كل موسم شغل.

فكرة الراوية هي: الغرابوة لا يحيدون عن طريقهم الشقي في الحياة حتى لو أدركوا سببه، لخوفهم ولرؤيتهم المنحطة عن نفسهم. فليعبّر الكاتب عن هذه الفكرة، أدخل الغرابوة إلى إسطبل يبيتون فيه، ثم أدخل عليهم أنفار أهل البلدة الذين يستحقرونهم ليبيتوا معهم قسرًا، بعيدًا عن دورهم، تنفيذًا لحكم قضية ستكون هي عقدة الرواية، وأجرى الأحداث. صاغ قبل هذا مقدمةً يحكي فيها الجد مهيوب الغرباوي لحفيده طلعت المتعلم قصة حياته التي كلها تعب وفقدان وموت، فيضجر طلعت من هذه القصة التي بات يكرهها. ثم يدخلهما إلى الغرابوة كلهم وهم يدوسون على نفوسهم ليقوموا إلى العمل. وسيتضح أن هذا النقل من صورة اثنين من الغرابوة إلى صورة الغرابوة كلهم ليقول الكاتب لك: هذه قصة واحد من الغرابوة الذين ستتناولهم فصول الرواية والذين قصتهم واحدة، والذين نهايتهم واحدة.

التحليل

أفترض أن الكاتب جعل الرواية تسير في أربع مراحل، حتى نصل إلى الارتباط بين الغرابوة وأهل البلدة. لتنحل العقدة، ويدركُ الغرابوة سبب ما هم فيه. وأنبه أن هذه المراحل تخيلية.

أرجو أن يتحملني القارئ حين أؤوّل صورة بعد تحليلها إلى معنى معين دون تعليل وقتي، لأن بعض الصور تحتاج التقدم مع الرواية لتعليلها.

مراحل الرواية:

المرحلة الأولى «الارتباط القسري» الفصل الأول:

(1)

يبدأ الجزءَ الأول من الفصل مركزا الصورة على عم مهيوب وهو يُطحن في المرستان الذي فجرّه دخول أنفار أهل البلدة الإسطبل. فيستنقذه دياب بلدياته. ويظل مركزا الصورة عليهما، وهما يلومان نفسهم أنهم غرابوة. هم لا يستحقون أن يكون لهم مكان ينامون فيه، بل حقهم الأخذ على الدماغ. ثم يترك هذه الصورة إلى صورة أعم، صورة الإسطبل كله غرابوة وأهل بلدة، وهم يُضربون من قبل شيخ غفر الحكومة لإخماد الفوضى. وأخيرًا يركز الصورة على شيخ الغفر، وهو يعلن أن الإسطبل صار لصنف الأنفار أيا كانوا هم. ويغلق عليهم جميعا بالضبة والمفتاح.

هذا الخروج من الصورة المركزة إلى الصورة العامة مع الإغلاق يقول لك: الغرابوة الأذلاء وأهل البلدة المستعلين عليهم، صاروا واحدا صيرورة قسرية.

(2)

يرجع إلى صورة دياب ومهيوب، وهما يعاملان من أهل البلدة تعاملات فوقية مقروفة. وكان طلعت قد ضاع، فأخذ مهيوب يبحث عنه، حتى ظهر بنفسه، فتبادله أهل البلدة بالضرب فصاح مهيوب: أنه ابن قاض محترم. مهيوب ودياب لما تعامل أهل البلدة معهم باحتقار لم يلفظا، لكن مع طلعت كان الوضع مختلفا. فلو فكرنا فيما فعلاه مع ما قاله عن نفسهم في الجزء الأول: يحتمل أنهم قد تعودوا على سماع ذلك. كأنهم يقولان: أننا نعرف أننا لا قيمة لنا، فلا مشكلة عندنا في سماع ذلك لأننا نعتقده أيضا. أما طلعت فلا يصح هذا له، هو له قيمة عنّا. ويتأكد ذلك مع الرواية. وأخيرا يقعدون وسط أهاليهم الغرابوة، وينامون. فيعطي دياب لطلعت أوراقا وجدها «أوراق تحقيقات قضية أنفار أهل البلدة» كي ينام فوقها، لأنه يرى أنّ قيمته أعلى منه. ولكن لأنه متعلم يحب القراءة سيأخذها ليقرأ. ولكنه لا يدري أنها تحقيقات.

هذ الصورة تثبت التعاملات مع الغرابوة، لأن أهل البلدة لن يعودوا يفعلونها بعد الارتباط، بعد أن يعلموا الحقيقة. وكما رأينا فالارتباط القسري أفادنا شيئا مهما، أفادنا رؤيتهم عن نفسهم.

(3)

يركز الصورة على طلعت وهو مستلق على الأوراق ينظر إلى القمر المتسلل إلى الإسطبل من فراغ بين السقف والجدار، فيشعر برأس عمرو من أهل البلدة تجانبه على الأوراق. فيتعرّفان ويعرف منه أنهم قد طردوا من بيوتهم إلى الإسطبل بسبب القضية.

الصورة كاملة: هو ربط الأنفار، رغم اشمئزاز أهل البلدة. ثم أعطى طلعت المتعلم التحقيقات. وأعطاه أيضا شخصا من أنفار أهل البلدة سيكون صديقه. هكذا وضع طلعت في رحلة اكتشاف. اكتشاف حقيقة كل ما يدور حوله. أو بمعنى أصح ربط كل ما يقرأه، وما يراه ويسمعه.

المرحلة الثانية «مرحلة الاكتشاف وبداية الترابط بين الأنفار والغرابوة» من الفصل الثاني إلى الخامس:

كانت المشكلة التي ما انفكّت تصطك بوجهي بعد المرحلة الأولى: الكاتب ماذا يريد؟ فنحن إذا كنا قد استطعنا من تصوير الفصل الاول افتراضا بأنه مرحلة ارتباط قسري، فالتصوير بعده فيه غموض. والكاتب لا يتكلم. تتابع الفصول دون وجود خيط واضح يمسكها. الفصل الثاني تحقيقات دون محقِّق ولا قارئ. الفصل الثالث الأنفار وهم يشتغلون. الفصل الرابع تحقيقات أخرى. ثم يفاجئك في الخامس بمحادثة غرباوي وابن بلد. ثم تتابع الفصول بعد ذلك في محادثات.. ما قلبة الدماغ هذه؟

الغلط كان أنني رحت أحلل الفصول كما حللت الفصل الأول. فغصت في التفاصيل حتى يئست نفسي. ولكن اتضح أن التفاصيل هنا لن تفهم إلا إذا عرفت ما هو الإطار الكلي الذي تجري فيه.

أولًا: اسم الفصل الثاني: طلعت يفتح الدفتر. وهذا يخبرنا بأن التحقيقات هي الدفتر والقارئ طلعت. وهذا يتأكد مع الرواية.

ثانيًا: نحتاج أن نفهم معلومتين من الفصل الخامس. الأولى: بداية الفصل يتحاور دياب مع الأعرج من أهل البلدة، عن ضرب واحد منهم من قبل السلطة. ضرب هذا الشخص يحصل في الفصل الثالث. فنصل إلى نتيجة: أننا في نفس اليوم، نفس الإطار الزمني. لأنه لا يعقل أن يتكلموا عن الحادثة بعد الهنا بسنة. الثانية: في الجزء الثاني من الفصل الخامس، يقول طلعت ليلا بعد أن أغلق باب الإسطبل: أنه يقرأ في الدفتر ساعة القيالة حين يرتاحون من العمل، وقبل النوم. وها هو قبل النوم. فهذا يعني أنّ ما قرأناه في الفصل الثاني والرابع كان في وقت القيالة. فنصل إلى نفس النتيجة: أننا في نفس الإطار الزمني. وهذا الإطار الزمني من نهار ربنا إلى المبيت «اليوم الأول لهم سويا» يحتوي الفصل الثاني «تحقيقات»، والفصل الثالث «شغل الأنفار في الأرض»، والفصل الرابع «تحقيقات». والفصل الخامس.

بما نملكه من معلومات، سأحاول وضعك في روح الحدث، ليساعدنا هذا في فهم لماذا صنع الكاتب هذه المرحلة هكذا. هم حقيقة أنفار، أي يشتغلون النهار كله. وكما قال طلعت، فالقيالة هي وقت راحتهم فقط. إذن هم من بعد نومهم في الفصل الأول، قاموا وأخذوا يشتغلون، ثم جاءت القيالة فجلس كل في ناحية وجلس طلعت وقرأ، ثم رجعوا إلى الإسطبل فناموا وقرأ طلعت. لكن الكاتب جعل قراءة طلعت لها فصلان، وشغل الأنفار له فصل. أي جعل التحقيقات موازية لحال الأنفار وهم يشتغلون. أي بمعنى أصح: جعل مستويين لهذه المرحلة. أي يقول يوم الشغل يسير والسلطة تضطهد الأنفار، وطلعت يتعرف على القضية من القراءة. حتى نصل إلى النتيجة في الفصل الخامس: في الجزء الأول منه:

يركز الصورة على دياب والأعرج فقط، وهما يتحدثان حديثًا وديًا عن الضرب الذي حصل لواحد منهم. وهذا لم يحصل من قبل بين غرباوي وابن بلد. أي يقول لك: الضرب جعلهم يتكلمون. بشكل أوسع: الاضطهاد جعلهم يرتبطون. وفي الجزء الثاني:

طلعت يقول بعد انتهاء يوم في الإسطبل: أنه متحيّر للتشابهات بين ما يقرأه، وما يعرفه ويسمعه من الناس. أي يقول لك أن طلعت بدأ يكتشف.

ثم في الجزء الأخير من الفصل الخامس:

تراهم قد تقاربوا قليلا بسبب ما حدث في المستوى الأول. فالأعرج مجاور لطلعت ومهيوب ودياب في الإسطبل. بمعنى أصح جمع الكاتب بين طلعت «المستوى الثاني»، والأنفار الذين يترابطون «المستوى الأول». فماذا يحدث؟ تنفجر مشكلة تجعل السلطات تُلَهْلِبُهم جميعًا بالضرب، فيؤدي هذا إلى أنهم يصيرون يدًا واحدة. كما يقول الكاتب: لم يعد هناك غرباوي وابن بلد.

إذن.. لم تكن لخبطة في هذه المرحلة. كان فقط مستويان يجريان فيها. إذن صارت تتضح رحلة اكتشاف طلعت التي بدأت في نهاية الفصل الأول. إذن بدأنا نعرف أن كل مرحلة هي نتيجة للأخرى. الآن سنذهب إلى مرحلة أخرى، إلى معنى آخر. معنى يشتبك فيه المستويان، تتقارب الأجساد، وتشعر القلوب ببعضها، وتعلم النفوس حقيقة معاناتها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مضطهد

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد