المرحلة الثالثة «مرحلة التكاشف» من الفصل السادس إلى التاسع:

أول ما يلفت الانتباه كون هذه الفصول كلها محادثات بينهم. وكما علمنا فهم لا يجتمعون أصلا إلا قبل النوم. يعني لو فكرنا بناء على ما سبق، أنهم اقتربوا من بعضهم. فممكن أن يكون هذا نتيجة لذاك. ولكن؟ لماذا لم يأت بهم في العمل؟ لنحلل ونرى:

الفصل السادس:

يفتحه في وجهك بمحادثة بين الأعرج ودياب وطلعت ومهيوب، والأعرج يحكي من القضية. فيذهل طلعت ويصيح له. لأنه أحس أن الكلام الذي يقرأه الخالق الناطق ما سمعه الآن. ولكن الأعرج يشوح بيده. ويستمر في الحكي. وما يزيد هذا طلعت إلا تيقنا.

واضح أنه نتيجة للتقارب السابق. وتركيزه على هذه الصورة بالذات من الإسطبل، لأنها الأهم. يعني طلعت سيربط لهم القضية.

الفصل السابع «كله في يوم واحد»:

(1)

يأتي الكاتب بعمرو وطلعت الصديقين ليصورا الإسطبل. أن الأنفار ذابوا في بعضهم. ولكنهم حنقون يريدون أن يضربوا أي أحد. فتعلو شكلة بين الذي ضرب في الفصل الثالث «عبد السلام» وبعض الأنفار، يحاول هو فيها أن يعرّفهم قيمته. فعبدالسلام كان المسؤول عنهم السنة الفائتة. يعني له اعتبار. ولكنه رمي هنا مع أهل بلدته. فالضرب الذي وقع عليه في الفصل الثالث، وفي الفصل الخامس معهم، مس فيه شعور قلة القيمة. هو يكون مثلهم. هؤلاء الحقراء الضعفاء الذين كانوا عند همسه ينتصبون.

(2 و 3و4 )

يقرأ في الدفتر. ويتعثّر في شكوى لعمرو. فيهبد الحقيقة في وجهه: اسمك موجود في الدفتر.

(5)

فيضحك عمرو. اسمه هو في ورق! من هو؟ فيحاول طلعت توضيح أن قضيتهم التي صاروا بسببها معهم في الإسطبل أنفارا، وأيضا غرابوة، هي هي ما ذكر في الورق. فيُستفز لكلمة غرابوة. هم أهل البلدة! فيرد طلعت أن جده يقول أن النفر يعني غرباوي. فيغضب عمرو لأنه فهم الكلام استنقاصا منه: يعني لأنك تروح المدرسة وأنا لا؟ فيسكعه طلعت على وجهه: لو طلبتك الحكومة غدا للعمل سيقولون غرباوي وابن بلد؟

هذا الحديث يجذب الناس في الإسطبل، ويبدأ التكاشف بين الجميع.

الفصل الثامن والتاسع:

يعاود طلعت الحكي، فلا يعجب أحدا كلامه. أو لا يلفت بال أحد ما يقول. فهو ما يزال لم يمس جوهر قضيتهم. ويرون في الأوراق شيئا يلم خرائهم الذي ما عادوا يطيقون الإسطبل منه. فينتشون منه. ويأزح الكلام من فم إلى فم، يأخذ من هنا ومن هنا، حتى يرجع إلى فمه. فيجمع شمله حقيقة كاملة تضم كل ما قيل، وكل ما يعرفون. حقيقة جهلهم وغبائهم، مشيهم الغافل وراء السلطة. وبهذا تتحقق فكرة الكاتب، أن يدركوا سبب ما هم فيه.

المرحلة الرابعة «مرحلة ما بعد الاكتشاف»:

الفصل العاشر:

(1)

يتوقف طلعت، فتكون ردة الفعل ثلاثة:

1- عبد السلام وشيخ الغفر السابق اللذان هما من رجال السلطة السابقين: التلهف للإكمال.

2- مهيوب ودياب اللذان هما بلديات طلعت: افتخرا بقراءة طلعت عند مدح شيخ الغفر لها.

3- بقية الإسطبل: عمرو شارد. والأعرج يتلفت في بلاهة. وقليل من فهم ما سمعه. والكل تيقظ.

فيعطيهم على قفاهم أن الورق قد انتهى. لأنهم مسحوا به مؤخراتهم!

ما يهمنا هو رد فعل الغرابوة: الذي عرفناه عن الغرابوة هو عدم رؤية قيمة لنفسهم. في أي مصيبة يصلبون نفسهم للجلد. لأنها تستحق ذلك. فماذا ستكون ردة فعل هؤلاء إذا وضعتهم على حقيقة ما هم فيه؟ لا شيء. حتى لو انتفى جهلهم الذي يجعل هذه التحقيقات ثقيلة على فهمهم. وهذا ما حصل. مهيوب ودياب لم يدفعهما للكلام إلا مدح شيخ الغفر لطلعت. لأن هذا يشعرهما بذاتهما. هما قريبا الصبي المتعلم. وبقيتهم كما قال أحدهم: كانت حدوتة مسلية.

أما عبدالسلام وعمرو وشيخ الغفر فأخيرا لاموا أنفسهم لأنهم أخذوا على قفاهم من السلطة التي كانوا معها.

والكل بعد أن تأكدوا أنه لم يعد من ورق، حمّلوا الأعرج المشكلة. انتقموا منه. هو الذي بدأ الأخذ من الورق. هو الذي ضيع الحقيقة. فضربه شيخ الغفر.

(2)

كنت أفكر الآن أن الكاتب سيجعلهم يثورون أو يهربون. لكن حدث شيء مختلف.

لنفهم: كونهم ضربوا واحدا منهم في آخر الجزء السابق، فهذا أدل دليل على العجز. لن ينهضوا إلى شيء. والكاتب من بداية هذا الجزء يضعك معهم في العمل. كأنه يقول: انظر لماذا لا يتّعْتَعُون. يعني سيكمل رحلة اكتشافك أنت. لنحلل ونرى:

مهم: الباشخولي المسؤول عن مجموعة خَولة. والخولي مسؤول عن فرقة من الأنفار أثناء الشغل في الأرض.

يأمر الخولي فرقة العزيق بالذهاب لجزء آخر من الأرض. الكاتب يصوّر ردة فعلهم دون حروف ربط. كأنه يضعهم مقابل الخولي. يقول تقدّم قائد الأنفار «القيدة» وخلفه البقية. كلمة تقدّم على تَفَعّل. وهو مطاوع الفعل قدّمَهُ: جعله يتقدّم. المطاوعة هنا أن فعلهم رد فعل لفعل آخر. وهو أمر الخولي لهم. أي الكاتب بهذا التركيب يعني أنه أمرهم أي أثّر عليهم أي جعلهم يتقدمون، فما كان منهم إلا الرضوخ.

لكن منظرهم المريض لم يعجب الخولي. فقال: أفرش لكم لتناموا.. يا أولاد الكلب يا من لا ماركة لهم؟ وانهال عليهم بالضرب. فصاروا يهرولون. أيضا الكاتب يضع «صار» دون حروف ربط. كلمة صار: يستعملها الكاتب للتحول الكلي العشوائي للشيء بسبب تأثير عليه. يعني: أنهم بسبب خوفهم تحولوا بكليتهم يفعلون أي شيء.

تقول هذه الصورة: أنه ضربهم لأنهم يستحقون. لأنهم ضعفاء. وهي نفس رؤيتهم عن نفسهم.

يباغتهم الباشخولي، فيرتبك الخولي وينهال عليهم بالضرب من «القيدة» إلى «الساقة» أضعفهم. هنا واضح أنه ضربهم ليظهر له أنه يمسكهم وأنه محترم منهم. لأنه يخاف الباشخولي. ولكن الكاتب هنا قال أنه ضربهم من القيدة إلى الساقة ولم يذكر ذلك في الصورة الأولى. هذا لأن القيدة له قيمة أمام زملائه كما سيظهر في الفصل القادم. أما هنا أمام الباشخولي فالأنفار مكانتهم واحدة.

يسأله الباشخولي: إلى أين ذاهبون؟ وراءكم الجزء الأول. فيرد: قد انتهينا منه. فلا يعجب عملهم الباشخولي فيطرح الخولي. والكاتب يقول أنه رغم أن الخولي أضعاف الباشخولي إلا أنه أطاحه. كل الصور ذي يتضح فيها أن الضرب يعتمد فقط على قيمة الشخص. وقد قال عمرو في الفصل السابع: المندوب يزعق للمفتش، والمتفش يشخط في الناظر، والناظر يشتم الباشخولي، والباشا خولي يضرب الخولي، والخولي يمزق أجسادنا بالخيزرانة. يعني أن الكل يحاول إرساء احترامه بالقوة. وكل واحد يقبل الاعتداء على حسب قيمته. فهو لأنه أعلى مني له التحكم بي، ولن أفعل له شيئا حتى لو كنت كالخولي أضعاف الباشخولي.

لن أسهب في التحليل الآن، فتحت ضوء هذا، كل شيء آت جلي.

(3)

هنا ينتقل إلى فرقة أخرى. ليريك شكل ضرب آخر. فالذي يغلط في التنقية يُضرب. لكن عندما غلط القيدة لم يضربه الخولي احتراما له. والذي يجعل الخولي يضربهم، هو شخص يسمى الفتاش. إذا وجد خلف أحد فضلات يصيح باسمه. ولكن بدل أن ينتقم عمرو من الخولي الذي ينفّضهم بالعصا، أخفى للفتاش الذي هو مثلهم زجاجة ليتعلّم الأدب.

(4)

هنا ينتقل إلى فرقة أخرى شيخ الغفر السابق يشتغل معهم. فيحاول الخولي أن يجعله يحترمه بالقوة. فيفشل.

(5)

في فرقة أخرى الخولي لم يجعلهم يشربون الماء. ولكن حين جاءه الباشخولي يحاول أن يفرض عليه احترامه ولم يقدر، مع أنه أعلى منه، لأن الخولي له قريب مهم، جعلهم يستريحون نكاية فيه.

(6)

الكاتب كعادته جاء إلى الأنفار ليراجع أسماءهم. فغنى له الأنفار توددا. وأثاره صوت البِنَيّة التي يرددون وراءها. فأراد أن يلاطفها. لكنّه حين تبيّن وجهها المحروق الذي كالقرد. قام إليها وضربها.

هو ضربها لأنه شعر بنقصان من قيمته. هو كاتب الحكومة، يميل إلى هذه الغرباوية المقرفة.

الفصل الحادي عشر:

قبلا؛ لنرى روح الحدث لندرك كيف صور الكاتب هذه المرحلة ولماذا. بعد مجيء الانفار على الأعرج، يذهب إلى الباشكاتب «ممثل السلطة الأول» ليَفْتِش له معرفتهم حقيقة السلطة وأفعالها من تحقيقات. فيقتل الباشكاتب الباشخولي، فهو من أوكلوا إليه قتل القاضي الذي كان يحمل هذه التحقيقات. ثم يذهب إلى الأنفار ويجلدهم. ولكن لأنه – كما افترضنا – يريدك أن تكتشف، لم يصور الأعرج وهو يذهب بل صور الأنفار في العمل. وجعل للباشكاتب فصلا، ومن خلاله نعرف إبلاغ الأعرج. وكذلك الباشخولي.

(1)

الباشكاتب هو المسؤول عن ما حدث. فليكتمل اكتشافنا لأبعاد هذه القضية ولشخصياتها وجب أن يكشف الباشكاتب والباشخولي.

يصوّر الباشكاتب وهو يتمثّل الصورة التي عليها علية القوم «العثمانيون». فمثلا يقول الكاتب أنه رغم عدم وجود ذباب يستعمل المنشة كما يفعلون. وحين يستدعي الباشكاتب شيخ الخفراء، ويراه يفعل كما علية القوم، يتصلب باحترام. ويقول أن هذه المشنة هي كالخيزرانة للخولي والعصا للباشخولي… هذا معناه أن من تحته في الرتب هذه المشنة هي ما تفرض عليهم الاحترام بالقوة. كما تفرضها مثلا خيزرانة الخولي على الأنفار.

ثم يتأكد منه عن كلام الأعرج. ويستدعي أصدقاء السلطة ليتأخذ القرارات.

(2)

هنا يصور الباشخولي الذي قام بالقتل كاشفا له.

النهاية

الفصل الثاني عشر والثالث عشر:

بعد أن اكتشفنا كل شيء عن هؤلاء، بعد أن اكتشفوا كل شيء، بعد أن لم يفعلوا أي شيء، صاروا يتكلمون يغنون بحزنهم. دون شوفة نفس ولا تودد. ولكن كان مؤكدا لانغراسهم في خوفهم، أن السلطة الغاشمة الأنانية ستنقض عليهم. فداهمتهم وقتلت منهم من قتلت أمام عيون الجميع. فهرب أهل البلدة. وبقي الغرابوة على حالهم. ماذا يعملون؟ أين يهربون؟ حتى موتاهم وجدوا لهم حفرة تلمهم بالعافية. حتى أن باب الإسطبل ظل مفتوحا أياما بعد ذلك، ولكن لم يجرؤ أحد على الهروب. لم يتوقعوا يوما أن يكونوا أحرارا. هم مكانتهم هكذا وسيظلون هكذا. عيشة عذاب وموت مهان. وظلوا على حالهم حتى عاد كل شيء إلى مكانه. وعادوا هم لعملهم.

وهنا تحققت فكرته: الغرابوة لا يحيدون عن طريقهم الشقي في الحياة حتى لو أدركوا سببه، لخوفهم ولرؤيتهم المنحطة عن نفسهم. ولكن عند عودة العمل، يجعل الكاتب طلعت يهرب منهم. ليقول لك هو ليس مثلهم ذاق الخوف سنين حتى صّدقه. بل هو متعلم. وأخيرا يجعله الكاتب يستلقي نفس الاستلقاء الذي فعله في أول الرواية ناظرا إلى القمر. ولكن بعد أن علم كل شيء..

يعني هذا أن الرواية كانت في حلقة ابتدأت في نقطة وطلعت سيكتشف، وانتهت في نفس النقطة وطلعت قد علم كل شيء، قد حقق لنا الفكرة. 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد