ينص الفصل الأول من الدستور التونسي، على أنَّ: «تونس دولة حرّة، مستقلّة، ذات سيادة، الإسلام دينها، والعربية لغتها، والجمهورية نظامها»، فيما يؤكد الفصل الثاني من الميثاق نفسه الذي أقر في العام 2014 على أنَّ «تونس دولة مدنية، تقوم على المواطنة، وإرادة الشعب، وعلوية القانون»، وأخيرًا نشير إلى أنَّ نفس الدستور، أقر في الفصل 64 على أنَّ التصديق على القوانين داخل مجلس النواب يكون بحال من اثنين، إما بالأغلبية المطلقة لأعضائه على مشاريع القوانين الأساسية، وبأغلبية أعضائه الحاضرين على مشاريع القوانين العادية، على ألّا تقل هذه الأغلبية عن ثلث أعضاء المجلس.

– عدد مقاعد البرلمان التونسي 217، ويحتاج تمرير القانون «العادي» لموافقة 73 نائبًا، وللقانون «الأساسي» 109 نائبًا. وقد كشف رئيس مجلس النواب التونسي، محمد الناصر، مطلع أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، عن توزيع الكتل – والذي يتغير باستقالات الأعضاء وانضمامهم لتحالفات أخرى – أنَّ حزب «النهضة» التونسي صاحب الأغلبية تحت قبة البرلمان، يملك 68 مقعدًا، فيما حلت بالمركز الثاني كتلة الائتلاف الوطني بـ 47 مقعدًا، وفي المركز الثالث كتلة نداء تونس، بعدد مقاعد 43.

العرض السابق لم يكن جمعًا لمعلومات بحثية عن البرلمان التونسي، وإنما تأسيسًا لما سيتم استعراضه خلال السطور التالية، عن واحدة من القضايا الجدلية التي فرضها الواقع الجديد في تونس، في سبيل تحقيق ما وعد به الرئيس التونسي «المساواة بين الجنسين».

ألقى الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي، قنبلته في منتصف أغسطس الماضي، حينما أعلن في احتفالية العيد القومي للمرأة بتونس، عن نيته طرح قانون يساوي بين الرجل والمرأة في الميراث، معتبرًا أن تونس بلدًا «ليبراليًّا»، وأشار في الوقت نفسه إلى أنَّ هذا القانون يأتي مع احترام إرادة الأفراد الذين يختارون عدم المساواة في الإرث، وقد أقرت الحكومة القانون، وأرسلته إلى مجلس الشعب التونسي، الجمعة الماضية، في انتظار مناقشته وتحديد موقفه منه.

– وهنا نحتاج أنّ نذكر بأن الرئيس التونسي، هو نفسه الذي طلب من الحكومة التونسية إلغاء مرسوم يعود للعام 1973 كان يمنع زواج المسلمة من غير المسلم، وقد نفذت الحكومة طلب الرئيس في سبتمبر 2017، فيما أعلنت دار الافتاء التونسية تأييدها للقرار، مؤكدة أن إلغاء المرسوم «يدعم مكانة المرأة، ويضمن مبدأ المساواة بين الجنسين في الحقوق والواجبات، التي نادى بها الدين الإسلامي».

حزب النهضة التونسي، لم يتعامل مع الموقف، تركه يمر، لم يحاول الضغط في هذه المرة، في سبيل تعزيز الصورة الإسلامية التي تميزه عن أقرانه من ممارسي النشاط السياسي داخل تونس، وهي مناورة سياسية تغلق الباب على استقبال أي هجمات قد يتلقاها جسده الضعيف، وصرَّح عبد الفتاح مورو نائب رئيس مجلس النواب التونسي، وأحد القيادات التاريخية لحركة النهضة التونسية، أن الأمر «اختيار شخصي»، وأن «المرأة التونسية تعرف حكم الشرع في هذه المسألة». الرد مراوغ كما هو واضح ولا يحتاج لتأويل.

لكن الأمر هذه المرة يختلف عن سابقتها، ففي المرة الأولى لم يحتج الأمر، سوى قرار من رئيس الحكومة التونسية حتى يتمم مفعول فكرة الرئيس التونسي، أما تلك المرة، فهي تحتاج لتعديل تشريعي، وإن كان يتوافق مع الدستور التونسي، الذي أوردنا بعض بنوده في بداية التقرير، الذي «لا تحكمه الشريعة الإسلامية» كما الحال في مصر مثلًا، فإن هناك عراقيل كثيرة قبل تمريره.

في نهاية أغسطس الماضي، أعلنت حركة النهضة التونسية «تمسكها» بنصوص المواريث كما وردت في القرآن الكريم، وقال مجلس شورى الحركة الإسلامية التونسية في بيانه الختامي لدورته الـ21 إن مبادرة المساواة في الإرث «تتعارض مع قطعيات الدين ونصوص الدستور ومجلة الأحوال الشخصية»، الإجابة تبدو واضحة، النهضة من الصعب عليها أن تساوم، أو تصمت هذه المرة، وبالتالي فإن أغلب الظن أن الحركة سترفض، وربما تسعى إلى دفع الكتل والفرادى داخل المجلس للرفض.

ولكن يسبق ذلك معركة قانونية أخرى، وهي معركة «تكييف القانون» هل سيكون قانونًا عاديًا، أم قانونًا أساسيًا، حسب الدستور أيضًا. وهو الأمر الذي سيكون له كلمة الفصل، في تحديد ما إذا كانت كتلة النهضة التونسية ستشكل وزنًا في التأثير على القرار من عدمه، إذ إنَّه في حال اعتبر قانونًا عاديًا، فيمكن تمريره بموافقة 73 نائبًا، وهو أمر ليس بمستحيل. وعن هذه النقطة، أعلنت الناطقة باسم الرئاسة التونسية سعيدة قراش، أنه في حال تمسك حركة النهضة التونسية بموقفها الرافض للقانون، فإن كتلة نداء تونس ستتحد مع كتلة الأئتلاف الوطني التي تدعم رئيس الحكومة التنوسية يوسف الشاهد، لتمرير القانون دون الحاجة لأصوات النهضة. وكما أشرنا ما صرحت به قد يكون صحيحًا في حال اعتبر «قانونًا عاديًا».

أما دار الافتاء التونسية، فلم يخرج منها بيان رسمي – حتى لحظة إعداد التقرير – يشير لموقفها من القانون، إلا أنَّه قد أصدرت بيانًا في 14 أغسطس الماضي، قالت فيه إن مقترحات الرئيس التونسي، خلال كلمته في العيد الوطني للمرأة، والتي تضمنت المساواة بين الرجل والمرأة في الميراث والسماح للتونسيات بالزواج من أجانب غير مسلمين، تدعم مكانة المرأة، مشيرة إلى أنَّ الدين الإسلامي نادى بذلك، في قوله تعالى: «ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف».

وفي مصر، أعلنت دار الافتاء المصرية، وكذلك الأزهر الشريف، رفضهم التام لمشروع القانون الخاص بالمساواة في الميراث بين الرجل والمرأة، معتبرين أن ما ورد في نصوص القرآن الكريم في هذا الشأن «قطعي الدلالة».

الوقائع الموجودة أمامنا الآن، تتمثل في رفض «النهضة» لمشروع القانون، وتأييد من دار الافتاء التونسية، واتجاه من نداء تونس للتحالفات من أجل تجنب الحاجة لأصوات كتلة «النهضة» لتمرير مشروع القانون، حتى يحقق الباجي قائد السبسي ما يريد. وبالتالي المعركة الحقيقية ستكون على تكييف القانون سواء كان عادي أو أساسي لتحديد عدد الأصوات المطلوبة لتمريره.

ومن الجدير بالانتباه هنا، أن تلك ليست أقصى طموحات الرئيس التونسي، فلجنة الحرية والمساواة التي شكلها السبسي في منتصف نوفمبر (تشرين الثاني) من العام 2017، أعنت توصياتها والتي وصلت لحد منع تجريم المثلية الجنسية، وبالتالي فإن تمرير قانون المساواة في الميراث قد يكون فتح الباب لقاطرة من التعديلات الأخرى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مرأة
عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!