تحذير هذا المقال يحتوي على “حرق” لبعض أحداث فيلم “The Hobbit :The Battle of the Five Armies”، لا ينصح بقراءته لمن يخطط لمشاهدة الفيلم.

حسنا إذا انتهت قصة “الهوبيت” وأصدقائه الأقزام ، انتهت ملحمة أخرى من ملاحم عوالم تولكين المثيرة، وكعادة الملاحم تبدو الملحمة جميلة في أولها، يدوي صوت البوق، يهدر الرجال بأصواتهم الشجاعة، تنطلق الجموع ليدافعوا عن مدينتهم أو ليسقطوا مدن العدو لا فرق، تطول المعركة يسقط أول أبطالنا، تخفت الحماسة.

يسقط الثاني تتشتت الجموع، يبدو أن اليوم سيكون هزيمة أخرى لنا. سترتوي الأرض من دمائنا سنندثر وتسبى نساؤنا، ستسقط مدينة الأقزام في يد قوى الظلام بعد أن حررناها من سموج الشرير، تتوالى الكوارث تقتل قوات اللورد الأسود لوبين – تتساءل يا عزيزي ألم نكن نتحدث عن ملحمة الأقزام؟

لكن لا تستغرب فالملحمة واحدة حتى لو اختلفت المسميات؛ فالأورك هم آكلو الموتى ولوبين هو كيلي الذي قتله الأورك، ونحن في طرف جماعة العنقاء وتارة نسميهم تحالف البشر مع الأقزام أو حتى جند الحسين-، حينها ينطلق بوق آخر من الجهة الأخرى بعد أن استبد اليأس بالجميع، يهتف أحدهم في حماسة “هلموا هلموا يا رجال”، الملك قد جاء أخيرا بعد أن ظننا أنه قد تخلى عنا، ينطلق ثورين لكي يساند ابن عمه لكي لا يخذلنا نحن المشاهدين، فنحن جئنا لكي نشاهد انتصارَ قوى الخير على قوى الظلام بعد أن فشلنا في أن نفعل هذا في ملحمتنا.

أخيرًا يأتي جاندالف مع أيومر على رأس فرسان روهان مع إشراقة فجر اليوم الخامس، أراجون يقود جيش الموتى لكي ينقذنا، نبكي من فرط الحماسة يبدو أن جوندور لن تسقط اليوم، تنطلق النسور التي استدعاها جاندالف لتقاتل إلى جانبنا.

يلقي البطل بدرعه ويستل سيفه، يعدو ناحية الأعداء وأحيانا يخترق جموع العدو بفرسه، يتبعه مئات الفرسان وأحيانا يكون وحيدًا، ولكن صيحته تعادل صيحة ألف فارس، تتجمع قواتنا مرة أخرى حول بطلنا؛ لم نهزم بعد إذًا، نقاتل بشراسة وضراوة حتى تحين لحظة سقوط بطل آخر.

لكن للعجب حينها يكون هذا إشارة لانتصارنا، فكعادة الملاحم يجب أن يضحي أحد أبطالنا بروحه لكي ننتصر، ويجب أن يكون أحد أفضل أبطالنا وليس بطلًا عاديًا، ويبدو أن هذه هي التضحية المنشودة، يسقط ثورين ومع سقوطه نقترب من الانتصار.

نبكي لكننا لا نستطيع أن نتوقف، نطارد فلول الأورك كي لا تذهب تضحية بطلنا هباءً.

تنتهي الملحمة ننتصر، يتلاشى صوت الرجال، فقط نسمع أصوات البكاء المكتومة ونهنهة النسوة ونرى ألسنة اللهب ووجوه الرجال المتعبة، هكذا اكتملت الملحمة جاءت ملحمة مثلما دوَّن البشرملاحمهم الكبرى كلها، وسط كل هذا الدمار والانتصار الذي جاء بعد أن سالت الكثير من الدماء، يسأل أحدهم وماذا بعد إذا؟ سيصبح ثورين أسطورة ولن يتبقى من هذه الملحمة سوى الأساطير التي ننسجها حول أبطالنا، والشعر الذي سننشده كل عام حول النيران المشتعلة أثناء الولائم التي ستقام في مثل تلك الليلة. هكذا يجيبنا القزم بالين.

لكن ينسى بالين أن يخبرنا أنه كعادة الملاحم أيضًا ستذوب أسماء الجنود وسط الملحمة الكبرى، وستغيب ذكراهم في ظل ذكرى أبطالنا الذين سقطوا رغم أنه بالنسبة لبعض الناس هؤلاء هم الملحمة. ينسى أن يقول أننا ننسج تلك الأساطير لكي نحكيها لأطفالنا، نخبرهم عن قصة موت ماد -إي ولوبين وثورين القزم الشجاع ونخبرهم أن موت هؤلاء ضروري لكي ينتصر هاري بوتر على اللورد الأسود، فنحن نغذي أطفالنا بذكرى الملحمة استعدادًا لمواجهة أخرى، ملحمة في زمن ليس بالبعيد، فنحن بني البشر سلامنا عبارة عن هدنة طويلة نستريح فيها ونعد أطفالنا لملحمة أخرى.

 

 

ينطلق البوق مرة أخيرة رثاءً لأبطالنا؛ تنهمر دموعنا ولكن تعلو وجهنا ابتسامة، يبدو الموقف كأننا في وداع لثورين لكننا نودع ملحمتنا التي أصبح ثورين رمزًا لها، نشعر بالفخر رغم الدموع، تظلم شاشة السينما ونعود للواقع آملين في أن نحظى بنفخة بوق أخيرة نودع بها عماد عفت ومينا دانيال، ولكن ليكن وداعًا بعد انتصار وليس وداع هزيمة وتغريدة البجعة الأخيرة، ألم يضحِّ أبطالنا بحياتهم مثل ثورين؟ ألا نستحق إذا النصر يا الله أم نحن بحاجة لدفع المزيد من الأبطال؟

 

ضحى عماد عفت بحياته وصحب معه مينا دانيال، ألا يكفي هؤلاء؟!

ربما إذا القصة غير حقيقة، ربما كان يستحق الأورك الانتصار على الجميع بعد سقوط الأبطال مثلما هُزمنا نحن بعد سقوط أبطالنا.على أحد الأبطال أن يموت لكي تكتمل الملحمة، هذه هي القاعدة الذهبية التي نحكيها لأطفالنا.

 

لكن لماذا نموت فقط يا الله؟
هل كذب علينا آباؤنا ونسوا أن يخبرونا أن الملاحم الكبرى تنتهي بموت الأبطال لكن ليس بالضرورة أن يعني هذا أننا سننتصر وأنه لا يوجد قواعد ذهبية؟ انتظرنا النسور طويلا يا الله، صمدنا لكن نسور جاندالف لم تأت بعد ولم يأتِ المدد، ونحن لازلنا في الانتظار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد