إن كنت متزوجًا، أجب عن السؤال التالي: كيف اخترت شريكة حياتك؟ احتفظ بالإجابة لأننا سوف نعود إليها، والآن دعني أقص عليك كيف تزوج مالك بن نبي.

كان مالك بن نبي يذهب إلى المكتبة ليقرأ، وكانت اختياراته منصبة على كتب الفكر والأدب والتاريخ، كتب نصنفها على أنها صعبة وقليل هم من يطلبونها، وكان كلما طلب كتابًا لا يجده، فيسأل عنه فيقالوا له لقد استعارته فتاة اسمها «سيليستين»، دفعه فضوله ليبحث عنها ويتعرف عليها، من هذه الإنسانة التي تشاطرني أفكاري واهتماماتي وهي لا تدري؟ ومن هنا بدأت الحكاية وقصة الحب الجميلة التي كللت بالزواج، رجل يختار محبوبته بهذا الجمال لا بد أنه يحمل فكرًا جميلًا وقيمة تدفعنا لقراءة مؤلفاته.

معضلة الجمال

«لا يمكن لصورة قبيحة أن توحي بالخيال الجميل، فإن لمنظرها القبيح خيالاً أقبح، والمجتمع الذي ينطوي على صور قبيحة، لا بد أن يظهر أثر هذه الصور في أفكاره، وأعماله، ومساعيه» هكذا كتب مالك بن نبي في كتابه الأنيق «شروط النهضة».

الجمال ليس شكلًا من أشكال الرفاهية، ولا هو نتيجة من نتائج الغنى والكثرة، الجمال هو ذلك الذي قد تجده في بيت ليس في مطبخه خزانة للأواني، لكن أوانيه القليلة العدد، مرتبة ومنسقة بشكل يدعوك إلى الدهشة، وربما أنك لن تجد هذا الجمال في قصر فيه الثمين مكدس فوق الثمين دون تنسيق وترتيب، وقس على ذلك كل تفاصيل الحياة البسيطة، من طريقة عطاسنا وتثاؤبنا وأسلوب مشيتنا إلى طريقة عرض متاجرنا للخضار والفواكه وحتى تصل إلى عروضنا العسكرية.

والجمال في الفكر يتجلى في جمال الفعل فيما نسميه نحن بالإحسان، والإحسان هو أن تحسن كل ما تصنع، ليس فقط أن تتقنه، بل أن تحسنه فوق إتقانه، وهذا لا يكون إلا بجمال داخلي ينعكس على كل حركات الإنسان وسكناته.

زمن التيه

أتمشى على كورنيش غزة كل صباح تقريبًا، وأجد نفسي أمشي على أكوام من القمامة والقاذورات، وأسأل نفسي كل يوم، هل هذا المنظر القبيح هو أحد نتائج ما نحن فيه من انحطاط أم هو أحد الأسباب؟ وهو سؤال لا يشبه هل البيضة جاءت قبل الدجاجة أم العكس هو الصحيح؟

ما خلصت إليه أننا مهشمون من داخلنا، ونجد هذا الخوار في ذلك الرجل الذي يلقي بحذائه عند باب المسجد دون أن يضعه في مكانه المخصص له، وهذا الشاب الجامعي الذي يدرس علم الاجتماع ويلقي ببقايا طعامه على الأسفلت، وهذا العجوز الذي يحدث أحفاده عن جمال وطننا المسلوب ثم يبصق على الأرض، وهذه الطبيبة البالية الثياب والتي تحدث مرضاها عن أهمية الراحة النفسية لعلاج مشكلة الضغط.

لا يمكن لصاحب هذه الأفعال أن يبني حضارة حتى لو وجد بين يديه كل المقومات المادية لبناء الحضارة، وإن كانت الحضارة عند مالك بن نبي هي نتيجة لمعادلة مكونة من الإنسان والمادة والوقت ويحركها مركب الحضارة الذي يخلق التفاعل بين هذه العناصر الثلاثة، وهو العقيدة التي تؤمن بها الشعوب.

فإن كان الإنسان والذي هو العنصر الأول مهشمًا ومتراخيًا حد الاستسلام لكل ما هو قبيح، فليس هناك أمل، ربما أن هذا الذي من أجله عوقب بنو إسرائيل بالتيه 40 سنة، هذه المدة كانت كافية بأن يتبدل الإنسان ليصبح إنسانًا، ونحن اليوم نعيش زمن تيهنا والذي ربما طال عن الأربعين.

متى ينتهي تيهنا

يطرح كتاب «قوة الإرادة لا تعمل» لبنيامين هاردي، أن فكرة تغيير البيئة أسهل من الاعتماد على قوة الإرادة في تغيير النفس، فعندما لا تستطيع قوة إرادتك تغيرك، عندما تحاول أن تقلع عن أي عادة سيئة أو تحاول اكتساب أي عادة حسنة، ولكن كل ما فيك من إرادة لا يكفي، تذكر دائمًا أن تغيير البيئة هو الحل الأسهل.

هذا يدعم فكر مالك بن نبي بقوة، وحتى لا يختلط عليك الأمر أنا أقول تغيير البيئة وليس تغيير من حولك، فإن كنت غير قادر على تغيير نفسك فأنت من باب أولى غير قادر على تغيير غيرك، ولتتضح الصورة سأضرب لك مثالًا سهلًا وهو تخسيس الوزن، أسهل طريقة لإنقاص وزنك هي عدم التواجد في أماكن تسهل عليك الأكل، عدم الجلوس مع أفراد لا يفكرون إلا في الأكل، متابعة الصفحات التي تتحدث عن الأكل الصحي والرياضة والنتائج الجميلة التي ستحصل عليها، إلغاء اشتراكك في كل صفحات الوجبات السريعة وما شابه، التسجيل في ناد رياضي، لا أعلم إن كنت قد وفقت في هذا المثل، لكن حسبي أنك إن كنت تقرأ حتى هذه اللحظة أنك من الذين يستطيعون إسقاط هذا المثل على تفاصيل عاداتنا اليومية والتي نريد تحسينها.

ربما أنني أكتب مقالتي هذه في وقت يعم فيه الإحباط والخوف، لكن دعونا ننهي هذا التيه، دعونا نبدأ بتجميل كل ما حولنا فتتجمل به أنفسنا، أنا معجب جدًا بما تقوم به البلدية اليوم من تجميل للكورنيش وإزالة لكل ما هو قبيح، حتما هذه الخطوة التي كان يعدها كل من سبقوا أنها نوع من أنواع الترف، هي خطوة على الطريق الصحيح للتغير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الجمال, تأثيره

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد