آه، هل يمكن لأحد تصور حياتنا من غير الكوميديا؟ إنها ذلك الشيء الذي يخفف عنا بؤس الحياة اليومية، وما تحمله من مآسي الحياة البائسة التي نعيشها. إن في الضحك هروبًا من واقع أليم نعيشه جميعًا، فإن في السخرية ملاذ آمن لأكثر الناس بؤسًا، وربما ما يفضله جميعنا من أنواع الكوميديا هو السخرية، فيجب أن يوجد علاج لذلك البؤس، فنقتات على السخرية، السخرية من كل شيء، السخرية من الأحوال المجتمعية المحيطة بنا، السخرية من حياتنا، السخرية من كتبنا التي نقرأها مع قهوتنا المرة، السخرية من عملنا، السخرية من أتفه المواقف التي تحدث حولنا، فلها سحرها الخاص الذي يسحر الجميع ليحبوه ومن ثم يلتهمهم.

وربما لهذا يكرهها الكثير من الناس، فلا تلبث أن تسخر من أحدهم حتى يتم السخرية منك، ويصعب على الغالب من البشر تقبل الأمر إذا كانوا هم الطرف الأخير، وهنا تكمن المشكلة، فما بال أناس يحبون أن يفعلوا شيئًا دون أن يُفعل فيهم؟ إن هذا لشيء غير أخلاقي بالمرة، ولذلك يتجنبها الكثيرون، لكن هيهات أن يوقف تجنبهم للسخرية من الأشخاص أن يُسخر منهم.

ربما يظن الكثير عدن كون ذلك عدلًا، ولكن ما ذنب الساخر؟ فالساخر ليس مسئولًا عن قرارات الآخر بعدم السخرية من أحد، وهو حتمًا لم يطلب منه ذلك، ولن يثير استغراب أحد إذا لم يعترض الشخص الساخر بطبعه على سخرية أحدًا منه، بل ربما يبادر هو ويسخر من نفسه وأفكاره واتجاهته ومعتقداته، أو من المفترض ذلك، ولكن هل الأمر فعلًا كذلك؟

حسنًا، لا، الأمر ليس كذلك على الإطلاق في الواقع، على الأقل ليس كذلك هنا في مصر، فمن يسخر من الآخرين يكون أكثرهم حساسية ضد أكثر شيء يفعلونه، لا يطيقون سخرية أحد منهم، إلا من رحم ربي.

لكن ما علاقة هذا كله بأي شيء؟ حسنًا، إن السخرية هي من وسائل النقد المبدعة، الوسيلة التي ننقل بها بشاعة الأحداث التي تحدث حولنا بطريقة أقل بؤسًا، بطريقة تحول المآسي إلى نكت خفيفة يتم تداولها بين الناس، لتحمل معاني أكثر عمقًا مما يتصوره البعض، ففي بعض الأحيان تدفعنا الكوميديا السوداء تلك إلى التفكير في الكوارث التي نحن فيها غارقون، فتكشف لنا الحقائق المستترة وتظهر الوحوش المختفية في صورتها الحقيقية المخفية بعما تكون متوارية وراء لباس الكلمات المبهرج، بعدما تم زخرفتها في شعارات محفزة فارغة لتخفي الحقائق البشعة.

فلا نستغرب عندما نرى الفاسدون في كل مكان يحاولن إجهاض كل من يطلقون عليهم لفظ «مهرجين» وهم في داخلهم يرتعدون خوفًا من هؤلاء «المهرجين»، أليس عجيبًا أن يختبأ أقوى الأقوياء، المسئولون عن إعادة المجد إلى البلاد من بضعة «مهرجين» سفاسطة لا يفقهون شيئًا؟! أليس غريبًا أن يتولى مهمة هدم الوطن أقلية ساخرة؟!

إنه لحقًّا أمر مثير للعجب أن نرى كل ذلك الارتعاد من «مهرجين» يحملون كاميرات يحاولون جاهدين التخفيف عن آلام الناس في مكان يملؤه الكآبة، يملؤه الظلام، يملؤه الكراهية، يملؤه السواد حتى في كوميدياه! فنحن بحاجة شديدة إلى السخرية من كل شيء، فهي منجانا الوحيد من الغرق، ففي النهاية ليس لدينا قارب عملاق نحتمى به من الفيضانات المهلكة، ليس لدينا سوى السخرية، فما بال قومي بالسخرية يستهزئون؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

السخرية
عرض التعليقات
تحميل المزيد