يسعى المرء من خلال اعتزاله الناس إلى أن يصل بذاته لمرحلة الاستقرار الذهني والنفسي لبلوغ الجمال، فتراه يبحث عنه في كل ركن من أركان هذه المعمورة، منعزلًا في خلوة يختلي فيها بنفسه يعالج ما به من عِلل وأسقام، مستأنسًا ومطمئنًا بوحدتهِ، محاسبًا لنفسه بنفسه، ولعل مقالي هذا لأولئك البائسين الذين يتوقون كغيرهم للوصول إلى هذه الغاية.

التاريخ زاخر بالتجارب لعلماء وفلاسفة ممن فضلوا العزلة والوحدة عن العالمين، واستحضروا القلب والعقل في عزلتهم، كالإمام الغزالي – رحمة الله- الذي اعتزل الناس 11 سنة، وانصرف فيها عن التدريس ومخالطة العلماء، والاحتكاك بالناس إلى تهذيب نفسه وأخلاقه، وتزكية قلبه من أمراض النفس، بين تأمل، وذكر، وزهد، وصلاة؛ ليترك لنا إرثًا فكريًّا فلسفيًّا علميًّا شاهدًا على تجربته في الاعتزال، وتربية النفس.

نعتزل الناس جميعًا، صالحهم وطالحهم، نترفع عن منغصاتهم وإساءتهم، لننغمس في العزلة والوحدة، نصغي للعقل والقلب معًا، لماذا افترقا؟ لماذا رفعنا أحدهم في السماء ،وتركنا الآخر يقبل صفحة الماء؟ لنقف متأملين على مقربة من النفس وأسرارها وحقيقتها التي لم تظهر للجميع، نحاورها تارة، ونحاسبها حسابًا عسيرًا تارة أخرى، نزكيها وننقيها من الغل والكراهية، ونربيها على الحب والجمال، نصغي لإيقاعات الروح، وتراتيل ألحان، واهتزام المطر، وربما لأول مرة سنسمع زقزقة العصافير قرب النوافذ، تتبادل فيما بينها أحاديث الحب وابتهالات السلام، لنبحث عن ذلك القنديل المفقود في غياهب النفس، معيدين للقلب توهجه بعد ظلمتهِ، وانكساره وجماله بعد قبحهِ.

حتى يخيل لنا أن تلك المساحة الضيقة من الغرفة تحولت إلى واحة غنّاء، تنبسط أطرافها مدّ البصر، وأن السماء أخذت بالاتساع كلما طفنا، والشمس أخذت بالغروب مرسلة خيوطها الذهبية، وألوانها الزاهية، مكونة تيجانًا من الشفق، مشكِلة نجومًا وكواكب على هيئة مخلوقات ملائكية ونيازك!

ثم ما إن نلبث في هذ المشهد المهيب، حتى تهدى الروح، وتستقيم الجوارح، ليسدل الفجر بردائهِ الأبيض على الكون وعلى سويداء القلب؛ فتعود الطيور صافات تسبح مع تراتيل الكون، منشدة بداية مرحلة جديدة، حينها فقط بلغنا ما نروم من تلك العزلة؛ أي إننا بغلنا الجمال!

أيها الناس

إنكم لن تجدوا لذة الجمال في كتب تقرأونها، أو صورٍ تصورونها، أو خواطر تكتبونها، أو مُدنٍ تزورونها، أو خيالاتٍ تتخيلونها، ما لم يكن العقل والوجدان حاضرين معكم، في حلكم وترحالكم، في عزلتكم وعلانيتكم، في صمتكم والصراخ، فإن تعذر عليكم، فلا تضيعوا أوقاتكم وأموالكم وصحتكم في البحث عن تلك اللذة، وإني لأعلم أن الجمع بينهما ليس بالأمر الهين لكن، حريٌ بالمرء أن يدفع بنفسه إلى واحة الجمال، والنجاة بها من بحر الحزن، فما السبيلُ للغارقِ في غياهب الشقاء سوى ذلك!

فكم من جليس في البيتِ شارد الذهن، وقد سلم عقله ليطوف إلى بيت محبوبته، أو إلى مكان عمله، أو إلى ذكريات آلامه؟ وكم من فتاةٍ رمت نفسها في كتاب أو اتكأت وبكت خلف باب، تطوف بعقلها وجوارحها خارج دارها، وقد بلغ من نفسها الاكتئاب؟ وكم من أؤلئك الخاسرين ممن تركوا السكن في واحات أنفسهم، وانغسموا في حياة الآخرين؟

كان صديقي (ح) رقيق الطبع، حسن الخلق، مهذب اللسان والبيان، يخرج كلّ يوم متوجهًا للبحر، حيث تصاخبُ الأمواج بالصخور، وهمسُ العاشقين! ثم ما إن عاد وسألته كيف وجدت البحر، كيف رأيت الغروب؟ قال: ها؟

ذلك لأن صاحبنا من أولئك الذين كُتِب عليهم الشقاء في الحب، فهو يخرج حينًا، ويعتزل برهة لحين فلا يدري إن كان على بحر، أو على جمر، أو على قمة جبل، أو سنامة جمل، أو في جنة، أو معتقل، ما دام عقله وجوارحه لا يلتقيان في جسد واحد.

وكنت قد كتبت قطعة لا أحسبها من الشعر بشيء، أقول فيها:

أرسلت روحي تطوفُ عندكِ

قرب قلبكِ..حولكِ.. بين يديكِ..

قلبي وعقلي مفترقان منذ عرفتكِ

لا يجتمعان إلا لديكِ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد