يعني علم الجمال الذي صاغه الفيلسوف الألماني بومغارتن سنة 1750، بدراسة الأعمال الفنية والإبداعية من حيث تأثيرها على الفكر والنفس؛ أي فيما يترتب عنها من أفكار وتصورات ومواقف، وفيما تثيره من أحاسيس ومشاعر وانفعالات. في ربط جلي بين سلطة العقل وسلطة الشعور.

ثم إن الفن الجميل لكي يتصف بهذا الوصف (الجمال) وجب عليه أن يترفع عن جميع الصور الأيديولوجية والذاتية والاجتماعية. ومتى كان الفن مرهونًا بغيره، وموجهًا بعوامل أخرى فهو بلا شك سيخدم الجهة التي توجهه وليس الفن في جوهره.

من هنا نتساءل عن كينونة العمل الفني ومميزاته الجمالية.

إن جمال الفن يكمن في ترفعه عن كل الممارسات والصور الفردية والاجتماعية، أو بعبارة أخرى عدم التوغل في هذه الصور ونسيان العمل الفني في ذاته وجوهره. ذلك أن العمل الفني ذاته هو أساس كل تذوق وليس ما هو خارجي عنه. كما أن جمالية الفن لا تكمن في مدى مطابقته للواقع وللصور الفردية والعادات والتقاليد، إذ يقول جيروم ستولنيتز: «إن كل جمال الفن وعظمته ينحصر في قدرته على العلو على جميع الصور الفردية، والعادات المحلية، وشتى أنواع التفاصيل والجزئيات»، بمعنى أن الفن ليس مرآة عاكسة أو آلة للنسخ، بقدر ما هو عمل خلاق يتجاوز ذلك إلى ابتكار عالم جديد يقودنا نحو الجمال والى «إحداث تأثير سار في الذهن والنفس»[1]، ويحصل ذلك من خلال جماليته الجوهرية المبنية على تصور معرفي وبناء فني، مدعوم بالحيوية، والثراء، والانتقاء الجمالي للعناصر التي تخدم العمل الفني، وليس الإسهاب في ذكر التفاصيل والجزئيات التي من شأنها التأثير على البناء الفني والدلالي.

يقول جاك لاكوست: «الفن هو أن نخلق ما ليس بالموجود، أن نجمع كل لغات القلب والعقل، وأن نكتب فيها وبها ما هو خارج عن النفس، ما هو ليس في النفس، وما هو خارج عن العالم وليس فيه. لعل أهم ما في الفن أنه يعلمنا أهمية لحظة الخلق والإبداع، تلك اللحظة التي أخرج فيها عن نفسي للقاء الآخر، وكأنها لحظة «غزل» لا نهائية، لحظة عشق وتوحد، لحظة اتصال لا حدود لها». [2]

يتضح من خلال هذا القول أن جمالية الفن تتجلى كذلك في الانزياح عن المألوف وإبداع لغة جمالية قادرة على أن: «تعرفنا على نشوة الوجود، وتساعدنا على تحمل فائض الواقع الذي لا يطاق؛ تمنحنا العجائب التي نستقي منها الطاقة لمواجهة قسوة العالم». [3]

بناء على ما سبق، فإن التفكير في جمال الفن وعظمته، يجب أن ينطلق من التفكير في كينونة العمل الفني وجوهره من حيث هو مكمن الجمال، ويدفع كذلك إلى التفكير في مميزات العمل الفني وخصائصه الجمالية، ذلك أن كل عمل فني يتأسس على عنصرين متكاملين بنائيًا، الدلالي والجمالي.

والمنجز الفني ذاته هو الذي يؤدي بنا إلى اكتشاف الجمال وتوليده، وليس أمور خارجية عنه من مثل المنطلقات الفكرية والأيديولوجية والاجتماعية. بمعنى أن التعامل مع العمل الفني تلزمه نظرة جمالية مخلصة لروحه؛ لأنه يضمر بداخله أشياء جوهرية ثمينة وعوالم جمالية متعددة.

ولعل علم الجمال (الجمالية) كفيل بكشف هذه العوالم الجمالية للأعمال الفنية والإبداعية بصفة عامة، من حيث هو (علم الجمال) تأمل نقدي في العناصر المميزة للأعمال الفنية والإبداعية من زاويتي تأثيرها على الفكر والنفس، أي في ما يولده العمل الفني من أفكار وتصورات وما يثيره من أحاسيس وانفعالات متولدة انطلاقًا من التفاعل مع ذلك العمل الفني وتذوقه وإدراكه جماليًا، وكشف أبعاده التنويرية والثقافية. هكذا تكون الجمالية مساءلة للجوانب الحسية والفكرية للإنسان، وبحثًا في تأثير الفن على العقل والشعور.

خلاصة القول إن جمال الفن كذلك يكمن في كونه يطلب لذاته وفي ذاته، وبالتالي فالبحث فيه يجب أن يكون بحثًا عن كماله الخاص وعن العلاقات الجوهرية البانية لعناصره، وما يجلب المتعة الجمالية للإنسان، أما وأن يقوم الفن بوظيفة أخرى فهذا قد يأتي عرضًا، ونتيجة لكون الفن لصيقًا بالحياة بما فيها من تباينات واختلافات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد