أخالُني توانيتُ حين قرّرتُ زيارةَ الجنوب المصري شادًا الرحالَ نحو الآلاف من السنين الخالية، فالمرءُ إذا استطاع سبيلَ زيارة الجمالِ الفرعونيّ وأجّله، فقد عصى فريضةً من فرائض الفنّ. حزمتُ أمتعتي أشحذ مخيلتي بما يتسنّى لها من صورٍ ومشاهد في انتظار موعدي المتَرقَّب، لكنْ هيهات أنْ تأتي مخيلتي البائسة بما صنعه المصريون القدماء لآلهتهم وملوكهم. ولأول مرةٍ أرى خبرةً تعلّمتُها – تقول إنّ انتظار الجمالِ أجملُ من لقائه – تتهاوى أمامي، فقد كان اللقاءُ أجمل.

في منتصف الظهيرة، توقّف الباص بنا عند مرسىً شاءَ له حظُّه أنْ يُطلّ على نيل «أسوان»، وكم استدعت بعضُ الحظوظ إلى النفس الغيرةَ! صعد بنا مرشد الرحلة مركبًا نيليًّا صغيرًا، مشيرًا إلى جزيرة قريبة: «هناك معبدُ فِيْلة». تراءتْ أطلالُ المعبد تستقبلنا حين نزلنا كما يستقبلُ حكيمٌ طاعنٌ غرًّا، ليعلّمه سرَّ الخلود. وحكت لنا الدِمَنُ كيفَ جاءت «إيزيس» تبكي «أوزوريس»، فتكوّنَ من دموعها «النيلُ العظيم»؛ إيزيس التي لم يستطع ملوك الرومان محوها عن الجدران، فأضافوا عليها صورَهم يزهوْن بعبادتها، وأعجِبْ بغازٍ يقدّمُ القرابين لآلهةِ مَن احتلّه! في فيلة عشنا مع «حورَس» بعضًا من طفولته، ثمّ عدنا إلى النيل موّدعين نفكّرُ في مصير الطفل، نتهيَّب الفرصةَ للقائه شابًا فتيًّا لنسأله: ماذا صنعت مع عمِّكَ «سِتْ»؟ وقد كان حورس أكرمَ مِن أنْ يتركنا طويلًا لأسئلةٍ أرهقتنا، فاستقبلنا على أبواب معبده في «إدفو» شامخًا يرتدي تاجَ المُلك، ليقول لنا مبشّرًا قبلَ أنْ ندخل: لقد انتصرتْ.

أجل انتصرَ سيّد إدفو، ونقش انتصاره على جدران معبده، مُخلِّدًا في وجدان المصريين انتصارَ الخيرِ الداميَ على الشر. وزفَّ لنا زواجَه، زواجٌ شاءت له الأقدارُ أنْ يشهدَ رسومَه ملايينُ السياح حول العالم، وعبر آلاف السنين، كما يليق بحورس، وعروسِه «حتحور»، سيّدة «دندرة». ولم ينسَ حورس فضل النيل، الذي انساب من عيون أمِّه حُزنًا، فأحالَه فرَحًا ووفاءً حين قطعه في رحلته السنوية بالمركب المقدس، يجلبُ العروسَ من معبدها، ثُمَّ يعيدها. ولا ندري هل خصّصَ جزءًا من معبده لقياس النيل وفاءً له؟ أم حِرصًا على الزوجة؟ أم إكرامًا لكليهما؟

استوقفنا مِحرابٌ مُزيَّنٌ بالكتابات القبطيّة، ومليءٌ برسومٍ تَشي أنّ المسيحيين عاشوا هنا لحين. أبى حورس إلّا أن يختم مسيرته البطولية كما بدأها، فآوى المسيحيين الهاربين من بطش الرومان، وخصّص لهم ركنا في معبده، يتعبّدون فيه آمنين. ودّعْنا سيَّد إدفو كما يليق ببطلٍ أسطوريّ، وعدنا إلى الفندق يُغالبُ ذُهولُنا ممّا رأينا تعبَنا، فيغلبه.

استيقظنا مبكرًا في اليوم التالي، يملأُنا النشاط والشغف لزيارة ما ألقى به المرشد السياحيّ في آذاننا: وادي الملوك. وحسبُكَ أنْ تعلمَ أنّه يحوي 63 مقبرةً لملوك مصر القدماء ونبلائها، لِتَعذُرَ دهشتنا لِما نحن مُقبِلون على رؤيته: أكبر تجمّع لقادة مصر القديمة. ورُبَّ أمواتٍ تُهابُ أكثر من الأحياء. عرّجنا على بعض المقابر، ورأينا من المقتنيات والرسوم والجداريات ما رأينا، آلهةٌ وملوكٌ وحكايا خلّدها فنانو مصر القدماء على الجدران إلى أنْ ينتهى التاريخ.

عُدنا إلى الباص، وجلسنَا مُدّةً نَجلِبُ احتياجاتِنا من ماءٍ وطعام، لحظاتٍ لو علَم منظّمو الرحلة ما اعترى قلوبَنا من الشوق لإكمال الرحلة لألغوها من برنامجهم. انطلق الباص، وأمسكَ المرشد السيّاحيّ بالميكروفون، ليُعرّفنا بوجهتنا القادمة: معبد حتشبسوت. وصلنا أطلالَ معبدِ أوّلِ امرأة حكمت مصر، وحكت لنا المسلّات المتهّدمة، والتماثيل المشوّهة ما تناقلته الألسن عن سخطِ «تحتمس» الثالث – أعظم أباطرة التاريخ، وصانع مجد «مجدو» – على وصاية أخته حتبشسوت. ولم نكن أقلّ ذهولًا حين وقَفنا على ضريح المهندس «سننموت»، الذي أحبَّ حتشبسوت، وصمّمَ لها معبدها، ومضى ومعه أكثر صفحات التاريخ المصري القديم غموضًا، وأكثر فصول حكايات العاشقين إيلامًا. ودّعنا حتشبسوت، مجدَها وسطوتَها وعشقَها، ونهايتَها التي اختصّ بها التاريخُ نفسَه، ومضينا.

جاء اليوم الأخير في الرحلة ختامًا يليق بعظمتها. توجّهنا إلى معبد الأقصر، حيث يحكي فراعنة الأسرتين الثامنة عشرة والتاسعة عشرة إخلاصَهم لثالوث «طيبة» المقدس: «أمون رع» وزوجته «موت» وابنهما «خونسو». ورُبَّ إخلاصٍ أبى أنْ يبقى حبيسَ القلوب، فترجمه «أمنحتب الثالث»، و«رمسيس الثاني»، و«توت عنخ أمون»، وحتشبسوت، وتحتمس الثالث، وغيرهم من الملوك، تماثيلَ ومسلّاتٍ وأعمدة. ولعلَّ أكثرَ ما يثير الاهتمام في معبد الأقصر تماثيلُ الأكباشِ المنتشرة عندَ نهاية المعبد، وليست عَظَمَتُها ما جذبنا، فالعظمةُ تنتشر في جنوب مصر انتشارَ الهواء في جوّه، بل كثرتُها، إذ اصطفَّ ألفٌ و200 تمثالٍ لأبي الهول برأس كَبْش، ليشكّلوا طريقًا – طريق الأكباش – يمتدُّ حتّى وجهتنا القادمة: «الكرنك». وهي أكبر مجمع للمعابد في العالم، بناه ملوك الأسرة الثانية عشر لعبادة ثالوث طيبة المقدس، واستمر الملوك بوضع بصماتهم عليه حتى آخر حكام الأسرة الثامنة عشرة: «حور محب». الذي دخل التاريخ من أبهى صفحاته، بإقرارِهِ أولَ قوانين وتشريعات مجتمعية عرفها التاريخ.

ودَّعنا الجنوبَ المصريّ، وقلوبُنا على رمال «طيبة»، حاملين معنا أكثر ما يستطيعه المرء من جَمال، نُعزّي أنفسنا بزياراتٍ قادمة إلى عَظَمَةٍ لا تنضَب، وحكاياتٍ صنعت من التاريخ لُبابَه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الجمال

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد