شكوى الكثيرين من أصحاب العلاقات الغرامية غير الناضجة، والذين ينتهي بهم المطاف إلى إنهاء العلاقة، وغالبًا ما يكررون عبارات من قبيل «لو بقينا أصدقاء» تستحق الوقوف عندها قليلًا.

فبالرجوع لعلاقة الصداقة، فهي قائمة على أقران متشابهين كلاهما بلا سُلطة، أما ما يُدعى الحب أو الزواج فهو -في مجتمعاتنا- يقوم حقيقة على فرد صاحب سلطة آمر ناهٍ، وآخر مطيع، إن جاز التعبير، وغالبًا ما يبرر ذلك بخزعبلات متوارثة ليلاقي الخضوع أو القبول من قبيل «رضا الوالدين»، وأقول رضا وليس برًّا، «رضا الزوج »،«رضا الناس»، وهذه الخزعبلات تُسيّر الخضوع والذل على أساس أنه احترام، وعاق هو كل من خالف ذلك.

التأمل في هذا يوضّح أن هذه العلاقات السلطوية بين الأفراد، ما هي إلا انعكاس للعلاقة السلطوية الأبوية والذكورية الممارسة في الأسرة، والسياسية الممارَسة في المجتمع ككل؛ كأزواج المعلم والطالب، المدير والموظف، الشرطي والمواطن… إلخ. وكتعويض تنفيسي يبدأ كل من تعرّض للقهر -الذي ولّده هذا التسلّط- ممارسته على من يراه أدنى منه منزلة، وينتهي الأمر بالوصول لحلقات كحلقات الأولمبياد قوامها المشترك التسلط المؤدي إلى القهر. الغريب في الأمر أنهم يدعون تسلّطهم مسؤولية! هذا الالتباس العظيم بين المفاهيم، والذي يجري استخدامه تبريرًا أخلاقيًّا للعملية، إن دّل فهو يدّل على جهل عميق بالحقوق المطلوبة، والواجبات المؤداة بين الأفراد، ومن ثم يُنبئ بوجود تخاذل كبير في مختلف الأصعدة.

قديمًا كنت أهزأ بدعوات حقوق المرأة، وردّي كان «مش لما يكون في حقوق إنسان بالأول!»، لكني تراجعت عن هذا الرأي عندما أدركت أن المرأة هي الحلقة الأضعف في المجتمعات المقهورة، وهي أكثر من تتحمل تبعات القهر الممارَس. فهي التي يُطلب منها الخضوع لأبيها وأخيها، ثم الخضوع لزوجها، وهي مصدر الشرف أو العار، وهلّم جرا. يلي ذلك، ووفقًا لما ورد في العبارة القائلة «إن ضعف الآخرين وأخطاءهم هي ما تشكل الحق في الوجود على حسابهم»، تأتي المؤسسات الاستعمارية الغربية مثل US AID لاستغلال هكذا قضايا، لتقف بجانب المرأة مدّعية ببرامجها نصرة حقوقها تحت مسمّى تمكينها، ولكن في الحقيقة هي تستغل هذا الضعف لزرع مشاريعها الاستعمارية في مثل هذه الفئة من المجتمع، وبذلك تضمن بسط المزيد من نفوذ دولتها على الشعوب المتخلفة، لتظل هي المثل المُحتذى لهذه الشعوب، ومن ثم تضمن المزيد من التبعية.

نصل إلى أن حل مشكلة المرأة أو المشكلة الأكبر في المجتمع «القهر أو التسلّط»، لا يكون بالحلول السطحية من مطالبات بالحقوق فقط، وإنما بمعالجة عمق الأسباب بدلًا من إطلاق برامج تفادي النتيجة كبرامج تمكين المرأة وحماية الأسرة، ويتحقق ذلك بتغيير شكل العلاقة بين المرأة والرجل، الأب والابن، وبالأهم السلطة السياسية والشعب، لتصبح علاقات صحيّة بين إنسان وإنسان آخر متساوٍ معه في الاستقلالية الشخصية والحقوق، ومشترك في تأدية الواجب وتحمّل المسؤولية؛ المسؤولية التي تجعل صاحبها ملزمًا بعواقب أفعاله ومطالبًا بما فعل.

أخيرًا، إن هذا التشابك والتداخل العميق بين الحياة الاجتماعية والسياسية يجعلنا نكاد نلعن الرأي الدّاعي للحياد العام والقائل: «لا دخل لنا بالسياسة»!

في الفيديو أدناه مراجعة كرتونية لكتاب «التخلف الاجتماعي، مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور» لمصطفى حجازي، والذي يتضمن الحديث عن الملامح النفسية للوجود المتخلف والخصائص النفسية له، والأساليب الدفاعية من الانكفاء على الذات والتماهي بالمتسلّط، وهو بحث متعمق فيما ورد أعلاه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد