وَالأَرضُ لِلطوفانِ مُشتاقَةٌ … لَعَلَّها مِن دَرَنٍ تُغسَلُ

أبو العلاء المعري*

يعد المعري من أشهر شعراء العربية، ربما يشتهر كذلك في أوساط العامة وغير المتخصصين؛ فقد كان ذا شخصية مميزة، يتبع فلسفة وجودية خاصة في الحياة سبقت الكثير من الفلاسفة من بعده، تؤمن بعبثية الحياة وحتمية زوالها؛ وبالتالي فما الداعي من السعي فيها، لم يتزوج وقد ألزم نفسه بيته، فسُمي رهين المحبسين، محبس العمى ومحبس البقاء في البيت واعتزال الناس.

قَد كَثُرَ الشَرُّ عَلى ظَهرِها … وَاِتُّهِمَ المُرسِلُ وَالمُرسَلُ

مهلًا، هذا المقال غير مخصص للحديث عن المعري، ولكن، في هذه الأحوال، لا بد أن يحضر شاعر المعرة بقوة في خلفية الأحداث.

أحداث متلاحقة من حروب ومناوشات، ثورات وانقلابات، أقطاب العالم تتصارع في الخفاء والعلن، لكن هل تدرك الشعوب شيئًا مما يحدث في الخفاء؟! هذا إن كانت تدرك ما يحدث في العلن.

وفي خضم ما يحدث، نجد ردود أفعال الشعب المصري مدهشة كالعادة، النكتة والـ«كوميك» تظهر في كل موقف بسرعة مذهلة، تجعلك تتساءل: هل هناك لجنة مخصصة لصناعة النكتة مهمتها أن تنتج وتؤلف النكات متزامنة مع الحدث، ومن ثم تنتشر في لحظتها؟! أنا أيضًا أحب النكتة وأصنع الـ«كوميك» بنفسي؛ تفاعلًا مع كثير من الأحداث، وكأن النكتة موجودة في جينات المصريين جميعًا، يولدون بها، وليست مكتسبة.

«التريند» يظهر في أقصر وقت، وينتشر بسرعة رهيبة، ويتفاعل الناس معه ومع غيره في الوقت ذاته دون كلل، ربما تغفو قليلًا لتصحو على حدث شائع جديد أصبح حديث مواقع التواصل جميعها، لا يسعفك الوقت أحيانًا كي تفهم المقصود، أو تعرف شيئًا عن الحدث الذي تصدر المشاهدات والبحث والتداول، في مواقع التواصل.

ربما كانت هذه حال العالم كله، ولكن الأمر في مصر تعدى حدود المعقول، لدرجة جعلتني أتساءل: ما الذي أصاب الناس؟ إنهم حتى لا يخشون القيامة! ولست في موقع يسمح لي بتفسير الأمر من أي وجهة، نفسية كانت أم دينية؛ فمواقع التواصل تزخر بمثل هذه التفسيرات، التي تنتج من جهل أو تعالُم، في كثير من الأحيان، أنا فقط أطرح مجرد تساؤلات، لا أنتظر إجابات عنها، فلا أحد يعلم يقينًا ما الأمر، ولكن ما أعلمه أننا لا نهزأ بقضاء الله، ولا نستهين بآياته الكونية، كما يحلو للبعض أن يصور الظاهرة.

ولكن، هل وصل الشعب المصري إلى حالة المعري التي لخصها في بيت الشعر الذي بدأت به مقالي؟ هل وصل يأس المواطن المصري إلى حد اعتقاده بأن الحل الوحيد هو قيام الساعة عليه وعلى الظالمين؟

قدْ ترامتْ، إلى الفَسادِ، البرايا …  واستَوَتْ، في الضّلالةِ، الأديان

لم يضل الدين بالطبع، وإنما الناس يتيهون في ضلالاتهم، في وقت كثرت فيه المحن والفتن، واتحد فيه شيوخ السلطان على تضليل العامة، وتمجيد الحاكم، متخذين في ذلك جندًا من «المواطنين الشرفاء»، يحذرون دائمًا من حرب الجيل الرابع، ومن طابور خامس لا يعلم عنه العامة شيئًا؛ فالعامة لا يعرفون سوى طوابير رغيف الخبز، وطوابير المصالح الحكومية، في عصر الحوسبة والميكنة، والحكومة الذكية!

أنا أعمَى، فكيفَ أُهدى إلى المَنْــهَجِ، والنّاسُ كلُّهمْ عُميان؟

والعَصا، للضّريرِ، خيرٌ من القائِـدِ، فيهِ الفُجورُ والعِصيان

وادّعى الهديَ، في الأنامِ، رِجالٌ … صَحّ لي أنّ هَدْيَهُمْ طُغيان

ربما لم يعد كثيرون في مصر ينتظرون المخلِّص، أو المهدي، أو الماشيَّح، على اختلاف العقائد والديانات، مع أن الشعب المصري على مر التاريخ، يحب أن يعلق آماله على الفرد الواحد، الرمز والبطل الذي يحمل عنه عناءه، والشعب بدوره يغدق عليه أساطير البطولة، وملاحم التضحية، ويقلده النياشين الذهبية، التي لم يملك يومًا ثمنها.

ربما كفر كثيرون بالقائد الواحد، وبالمخلص، من كثرة الخذلان الذي صدمهم وأوصلهم لقمة اليأس والتشاؤم؛ فاشتاقوا لطوفان المعري كما تشتاق الأرض، ربما وحده الطوفان الذي سوف يُطهِّر تلك الأرض الخبيثة من أدرانها، ربما.

* الأبيات الواردة في المقال كلها للمعري من قصيدتين مختلفتين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد