من سينتصر أخيراً ليبرالية الشعب أم واقعية السلطة؟

ومع هذه النتائج الكارثية لفشل النظام السياسي في إدارة الدولة العراقية منذ سقوط نظام البعث، فإن النخب السياسية ما زالت تتشبث بتلابيب السلطة، وتصر على النهج البراغماتي للواقعية السياسية. وقد تجلى ذلك واضحًا مع انطلاقة ثورة تشرين إذ «اتفقت جميع القوى السياسية المتناحرة أصلًا واتحدت نحو قمع الاحتجاجات التي خرجت بها جماهير ثورة تشرين، مما ينذر بانزلاق البلاد تجاه النهج السلطوي وعودتها الى «جمهورية الخوف»، التي وعد كل من الولايات المتحدة الأمريكية، وقادة العراق الجدد بعدم عودتها عقب إطاحة نظام صدام حسين».

ووفقًا لمفاهيم الواقعية البنائية، فإن النظام السياسي في العراق منذ عام 2003، بدأ يتجه نحو الفوضوية السياسية؛ إذ أصبحت مكوناته السياسية متمحورة ذاتيًّا وتعمل بشكل جوهري من أجل ضمان بقائها واستمرارها، مستغلة من أجل ذلك امتداداتها الطائفية والعرقية محليًّا وإقليميًّا من جهة، ونفوذها السلطوي في تعزيز قدراتها من جهة أخرى على حساب مصلحة الوطن والمواطن، فأصبح في العراق مجموعة من الميليشيات الحزبية الخاصة فاق عددها الثلاثين ميليشيا مسلحة تسليحًا متطورًا، عملت على افتتاح وتشغيل مكاتب اقتصادية تابعة لها، تعمل على توفير الدعم المالي اللازم لاستدامتها واستقطاب الولاءات لأحزابها السياسية.

ومن الجدير بالذكر في هذا السياق، فإن الواقعية البنائية «تؤكد أن دور التهديد بالعنف والاستخدام المتكرر للقوة هما من السمات التي تميز السياسة المحلية». لذا يمكن الاستنتاج أن النظام السياسي في العراق لما بعد عام 2003 كان قد سار بخطىً وئيدة نحو نهج الواقعية السياسية، ومكللاً بمفاهيم البراغماتية السياسية التي نخرت العقد الاجتماعي وأدت بالتالي إلى غليان الشارع العراقي، وخروجه في مظاهرات عارمة في مطلع أكتوبر 2019.

يتلخص مفهوم العقد الاجتماعي بأن يمنح الشعب ثقته للسلطة السياسية مقابل أن تعمل على حماية مصالحه الوطنية وسيادته الدولية، والحفاظ على هويته، واستدامة أمنه الداخلي والخارجي. وعلى الرغم من وجود العديد من نماذج تَشَكُّل العقد الاجتماعي والتي غالبا ما تسمى بالنظم السياسية، فإن أبرزها يتمثل في النظام البرلماني؛ إذ يمنح من خلاله الشعب ثقته لمجموعة من الأفراد عبر الاقتراع، وبالتالي خروج نخبة من المواطنين الذين حصلوا على أعلى نسبة أصوات انتخابية ليشكلوا فيما بعد هيئة تشريعية تسمى البرلمان، تسمي رئيسًا للدولة، ورئيسًا لوزرائها، وتسن التشريعات، وتراقب أداء الحكومة لفترة زمنية محددة مسبقًا بالدستور.

لقد بدأ العمل بهذا النوع من النظم في العراق بعد الاحتلال الأمريكي نوعًا من الانتقال السياسي من مرحلة الحكم المتفرد إلى مرحلة الحكم الديمقراطي. غير أن المشكلة كانت وما زالت تكمن في التطبيق الصحيح لمفاهيم هذا النوع من النظم الديمقراطية، في خضم مجموعة من المشكلات المتعلقة بالفهم الواضح والصحيح لمرتكزات هذا النظام الديمقراطي. ولقد تجسدت إشكالية الفهم الصحيح لدى كلا طرفي المعادلة. فالشعب الذي عانى على مدى حقب من الزمان من الحكم التفردي، والذي تخللته الكثير من ممارسات القمع والسيطرة المطلقة، والتهميش والإقصاء، قابلتها ممارسات رعناء انتهجتها النخب السياسية التي تسنمت سدة السلطة السياسية بالبلاد منذ عام 2003.

وجاءت تلك الممارسات بفعل ضغوطات أيديولوجية ودينية وعرقية، نبعت من مؤثرات خارجية وداخلية فرضت على العملية السياسية مسارًا أوصل الدولة بشعبها ومؤسساتها إلى الانهيار التام. فأدرك الشعب بعد سبعة عشر عامًا الكارثة التي نتجت من خياراته، وأدرك أن العملية التصحيحية لا بد لها أن تبدأ، وأن العملية التصحيحية ستكون عسيرة ومكلفة جدًّا. أما أقطاب النخب السياسية فقد أدركوا أيضًا أن المسار الذي سلكوه لا رجعة فيه؛ لأن النزول عن ظهر مطيتهم سيؤدي إلى هلاكهم. وهنا دخلت مرحلة الصراع بين الشعب والنخب السياسية مرحلة عض الأصابع وأصبح الوضع في البلاد مشابهًا لمعضلة السلطة.

ففي أكتوبر من عام 2019 خرج الشعب مطالبًا بالديمقراطية المغتصبة التي جاءت بها قوات الاحتلال الأمريكي، ومطالبًا بتحقيق مبادئ الليبرالية التي نادت بها وقادتها الولايات المتحدة الأمريكية منذ مطلع القرن العشرين والمتمثلة في المساواة والحرية والأمن الاجتماعي، إذ لخصها الشعب بشعار واحد شامل يقول «نريد وطنًا». فالشعب خرج بمظاهرات عارمة يطالب أن يكون له وطن يحمل هويته الاجتماعية، وينعم فيه المواطن بالأمن والأمان، ويحصل على حقوقه الأساسية بالتعليم والصحة والعمل والحرية. غير أن النخب السياسية الحاكمة قابلت تلك المطالب بالقتل والترهيب، وتكميم الأفواه، وقمع الحريات الإعلامية.

فما كان أساسًا جوهريًّا للعقد الاجتماعي الذي بموجبه حصلت النخب السياسية على السلطة أصبح سلاحًا فعالًا لقمع الشعب. فبدلًا من أن تكون الدولة حامية لمصالح الشعب، أصبحت الدولة ناهبة لثرواته، وبدلًا من أن تعمل الدولة على تعزيز الهوية الوطنية للبلد، أصبحت السبب الرئيسي لإماهة هويته بسبب تبعيتها إلى جهات خارجية كانت هي الحاضنة الرئيسية لرؤوس النخب السياسية. وبدلًا من أن تعمل الدولة على بناء اقتصاد البلد وتوفير موارد الرزق الكريم لأبنائه، أدخلت النخب السياسية البلد في دوامة الفساد الذي أصبح مؤسسة تطغى بقدراتها على مؤسسات الدولة، وصارت ككرة الثلج تكبر حجمًا مع مرور الأيام. وبدلًا من أن تعمل الدولة على تعزيز التماسك المجتمعي، عملت النخب السياسية على بث الفرقة المبنية على التعنصر المذهبي والطائفي والعرقي بين أبناء البلد الواحد.

لو أمعنا النظر في ما تقدم آنفًا لوجدنا أن ما دعا لقيام ثورة العشرين عام 1920 لا يبتعد بجوهرياته عما دعا لقيام ثورة تشرين عام 2019. فهل هي إشارة إلى أن الزمن قد توقف بالعراق لما يقارب المائة عام، في وقت قفزت فيه البشرية قفزات واسعة من التطور الفكري والسياسي والاجتماعي والعلمي. فالبراغماتية الفكرية التي تحكم السياسة الداخلية في العراق، لم تبد أي ظهور ولو على خجل في سياسته الخارجية، بل كانت تبعية القرار السياسي على المستوى الخارجي مهيمنة بوضوح على السياسة الخارجية للعراق. أما الليبرالية الاجتماعية التي يحلم بها الشعب العراقي فقد ضاعت بين مجاهيل الديمقراطية المستوردة من الفكر الغربي، وبين التبعية الفكرية العمياء لأدوات التجهيل المجتمعي، سواء أكانت دينية، أم عرقية، أم طائفية.

غير أن التفاؤل لا يجب أن يغادر المشهد هنا، فكما كانت ثورة العشرين قادرة على تغيير حال العراق من بلد محتل يحكمه مندوب سام إلى بلد مستقل يحكمه ملك من جلدته، فكذلك ثورة تشرين قد تمكنت من تحقيق الكثير بوقت قصير. فقد حققت ثورة تشرين قدم السبق في كونها أول ثورة في العراق يستقيل على أثرها رئيس وزراء البلد، وهي أول ثورة لا تحكمها أيديولوجيات دينية أو سياسية أو طائفية محددة، وهي أول ثورة تمول نفسها بنفسها ولا تسعى لاستثمار تمويلها بالحصول على منافع سياسية ضيقة، وإنما همها هو استعادة وطن نهبه أراذله، وتلاعبت به رياح الفتن وأيادي الخونة.

لذا فإن عراق ما بعد تشرين 2019 لن يكون العراق نفسه قبلها؛ فالصحوة المجتمعية التي خلقتها ثورة تشرين دقت نواقيس الخطر لسياسيي السلطة الحاكمة بعراق القرن الواحد والعشرين، بأن ساعة الرحيل قد أزفت، وأن الدجل السياسي لم يعد فاعلًا على الساحة العراقية. فالعملية السياسية قد وصلت إلى مرحلة متقدمة من التخبط الذي شل قدرة أبرز لاعبيها على المناورة أو ركوب أمواج التغيير، فقد عرَّت ثورة تشرين الأول 2019 أقطاب السياسة العراقية وجردتهم من أقنعتهم، وفضحت عورات العمالة والتبعية والفساد، وقد جاءت أزمة جائحة كورونا وهبوط أسعار النفط ليزداد الطين بلة على أطناب السياسة الحاكمة في العراق بما سيؤدي الى تسريع وتيرة الانهيار المدوي.

ولكن تبقى الثورة السلمية، التي خرج بها شباب العراق باحثين عن وطن حر ذي سيادة، ومطالبين بمستقبل كريم، عاجزة ما لم يقف المجتمع الدولي معها، وما لم تساندها قوة تفوق قوة السلطة السياسية الحاكمة، ومن يقف وراءها من قوى إقليمية تريد أن تجعل من العراق امتدادًا مذهبيًّا وجغرافيًّا واقتصاديًّا لها. فواقعية السلطة وبراغماتية أذنابها قد أحالت المواجهة مع الشعب إلى حالة من صراع القوى، لم يعد فيها لموازين الديمقراطية أثر في طرفي الصراع. فهل ستنتصر أخيرًا ليبرالية الشعب أم واقعية السلطة؟ هذا ما سيجيبنا عنه مستقبل العراق المنظور.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

العشرين, تشرين

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد